تسعى حكومات البلدان المتقدمة إلى تكوين هيئات استشارية من الخبراء والمستشارين أصحاب الكفاءات، لتقديم المشورة والرأي إلى الجهات التنفيذية والوزارات الحكومية في كافة المجالات، وكذلك لتحديد المسار السياسي والاقتصادي والاجتماعي ورسم السمات وتحديد الأفكار المرتبطة بالجانب المعرفي، وفق معايير علمية فنية ذات مضامين فكرية يتسع فيها الخيال وتتألق عبرها الأفكار العقلانية التي تسخر التجربة لتحقيق أهداف المعرفة والوصول إلى غاياتها، إضافة إلى تقديم الملاحظات النقدية بممارسة دور الدولة الاستراتيجي جراء التناقضات والمشكلات الداخلية والخارجية، وإرساء مقاربة عقلانية تجاه قضايا الدولة الكبرى والمشكلات التى تشكل عمقها الحقيقي مثل موضوع العدالة الاجتماعية وتطوير النظام الاجتماعي، وتجسيد مجموعة من القيم والرؤى الاجتماعية والإنسانية المتعلقة بالوطن وإثراء الفكر الإداري بالعديد من الطروحات النظرية حول سلوك أبناء البلد ومؤثراته سلباً أو إيجاباً، بدءاً بمنهج السلوك الذي يستمد مكوناته من منطلقات المعرفة التي تسهم في رقي المجتمع في مسار تطوره وتأثره .
ومن منطلقات كهذه، نجد أن الدول الغربية لديها لجان ظل متخصصة من الخبراء تساعد الجهات التنفيذية في وضع رؤيتها وتصوراتها ومواقفها بغية مصلحة دولها ومواطنيها، مثل لجنة شؤون الخبراء الاجتماعية والإنسانية والسياسية والقانونية والاقتصادية والخدمة المدنية . وإدراكاً لأهمية الخبرة والتجربة في تقديم المشورة والرأي، سعت إمارة أبوظبي إلى تشكيل اللجان الفرعية للمجلس التنفيذي والتي تتكون من رؤساء الدوائر والهيئات والمجالس الحكومية، وتضم لجنة التنمية الاقتصادية، ولجنة التنمية الاجتماعية، ولجنة البنية التحتية والبيئية، وقد تم إيجاد اختصاصات لكل لجنه من اللجان وأعطيت إليها الصلاحيات اللازمة التي تمكنها من الارتقاء بالأداء الحكومي .
وفي الولايات المتحدة، تم إنشاء المكتب التنفيذي للرئيس الأمريكي في عام 1939 من قِبل الرئيس فرانكلين دي روزفلت من أجل تقديم الدعم والمشورة إلى الرئيس، ويتولى هذا المكتب مسؤولية مهام تندرج من نقل خطاب الرئيس للشعب الأمريكي إلى دعم المصالح الأمريكية . ويعمل فيه العديد من الخبراء المقربين للرئيس الأمريكي ومجلس المستشارين الاقتصاديين ومجلس الأمن القومي . وكذلك الكونجرس الأمريكي لديه 200 لجنة من الخبراء منها الرئيسة ومنها والفرعية، التي تقدم خدمات معلوماتية قيمة إلى أعضاء الكونجرس من خلال جمع المعلومات والبيانات وتحليلها ومقارنة البدائل التشريعية وتقييمها وتحديد مشكلات السياسات المتبعة واقتراح الحلول وطرح الاجراءات الملائمة للنظر في إمكان تطبيقها ومراقبتها والتحقق من الادعاءات المتعلقة بالأخطاء المرتكبة .
أما في الاتحاد الأوروبي، فتشترك مؤسسات عدة في إبداء الرأي والمشورة وبالأخص المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي، التي تعتمد على لجان من الخبراء، وتتكون كل منها من 344 فرداً وتحدد حصة كل دولة منهم وفقاً لعدد سكانها، وأولها اللجنة الاقتصادية والاجتماعية الأوروبية التي تمثل قطاع المجتمع المدني الأوروبي بكل أطيافه وتطرح وجهات نظره وتدافع عن مصالحه عند مناقشة السياسات مع المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي والبرلمان الأوروبي . وتشكل هذه اللجنة جزءاً رئيساً من عملية اتخاذ القرار الأوروبي، حيث يتوجب استشارتها قبل اتخاذ القرارات بشأن السياسات الاقتصادية والاجتماعية، كما إن بإمكانها تقديم المشورة بشأن القضايا الأخرى بطلب من أي مؤسسة في الاتحاد الأوروبي، ويعينون من قِبل الحكومات الأوروبية ويعملون في استقلال سياسي تام . أما اللجنة الثانية فهي لجنة خبراء المناطق، وتتكون من ممثلين للسلطات المحلية والإقليمية الأوروبية المنتخبين من قِبل قادة الحكومات الأوروبية، ويتولى مجلس الاتحاد الأوروبي تعيينهم، وتقوم اللجنة بطرح وجهات النظر المحلية والإقليمية على المشرعين الأوروبيين، وبإمكان اللجنة تبنّي آرائها وطرحها كمبادرة ذاتية للمفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي والبرلمان الأوروبي . ويتولى أعضاء اللجنة المشاركة في لجان فرعية تُعنى بشؤون الدستور والحوكمة الأوروبية والعلاقات الخارجية، والتنمية المستدامة والتعليم والثقافة، ويتم استشارة هذه اللجنة قبل أن يتخذ الاتحاد الأوروبي قرارات بشأن السياسات الإقليمية والصحة والتعليم والمواصلات والبيئة وشؤون أخرى .
إن الهيئات الاستشارية للتنظيم الإداري والفني السائدة في العالم المتحضر بما في ذلك المفهوم السلوكي للتنمية استمدت مكوناتها من منطلقات فكرية مستندة إلى مجموعة من القيم والرؤى الحضارية التي ترتكز على منهج التفكير العقلاني الذي يسخر التجربة والموارد البشرية من أجل تحقيق أهداف وغايات الدولة على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية .
كاتب من الإمارات