د. نسيم الخوري
إذا كان اللسان إنساناً والإنسان كلاماً والكلام حضوراً يعود إلى رحم اللغة التي سحب منها أو تهالك على ضفافها فتيبس، نفهم معنى أن نعتبر الإنسان كياناً اجتماعياً لائقاً متميّزاً عن غيره من الكائنات، وقد نفهم أسباب أن يأتي سلوكه اللساني في أشكال وأنماط عالية أو واطئة نسبياً وتنمو طرداً أو عكساً.
تبرز العربية/العرب اليوم في حالة ترنّح في تحوّلاتهم إلى حدود الكوارث القومية بمختلف معانيها وأوجهها تماماً كما الرطانة القديمة فصحاهم وعاميّاتهم.
السبب أن الانخراط والممارسات اليوميّة وضعف الحصيلة القومية واللغوية تورث العرب ألواناً من الأنشطة التعبيرية والفوضى الثقافية التي قد لن نعثر على مثلها في تاريخ هوية العرب.
وتحمل هذه الأنشطة عوالم منفتحة إلى ما لا نهائيّة الاختلاف في القول والسلوك العام، وتحمل لا نهائيّة التماثل والتشابه والتقليد والاتفاق بين الألسن والشخصيات حتى ليخال المجروح على واقع العرب في وهم توقيفه لمجرى سلوكهم وألسنتهم أن عناصر مشتركة هائلة تكاد لا تحصى ولا تعد تضيع أو تهشّم في مسيرتَي إعادة توحيد الثقافة والمجتمع العربي، لكن التعبير عن هذه العناصر يأتي دائماً متأخراً لأنّه ملتصق بالمتغيّرات اللامنتهية التي تفك بينها وبين تشخيص أو ملامسة درجات هذه المتغيّرات أو هويّاتها أو أبعادها في الشكل والمضمون.
من يوصف لنا العروبة أو ملامح الشخصية العربية لو عصرنا أنهرالكلام المتدفّق من أفواه العرب، وصولاً إلى تكسير المنابر والشاشات والرؤوس باسم الحوار أو الإقناع أو المحاججة؟ من يستطع أن يختصر لنا بماذا يتمتم العرب حيال ما هم فيه؟
تبدو العلاقة بين اللغة والسلوك، أو بين الثقافة والاجتماع، علاقة نظرية قطعاً هزيلة، وفي حالة من تحوّل دائم تحرمنا من إمكانات الفصل بينهما في ظواهرهما التفصيلية.
لا تزهو اللغة/الشعوب إلا بتقنين السلوك وزهوه ولا يوجد السلوك أو يقوم إلا بركونه إلى لغة تقال هي في أساسها منابع رسولية تجمع بين الذات والآخر.
ومثلها الثقافة التي تُبنى في جبلة المجتمع الذي يحيا بالمعارف والمعتقدات والأخلاق والفنون والأعراف والقوانين وغيرها من العادات والطاقات التي يتمكن الإنسان من اكتسابها عضواً في المجتمع، أي بكلمة واحدة بالثقافة لا بتدمير الثقافات وتكسيرها على نسق ما يفعله «الدواعشيون» ومن خلفهم الأتراك واليهود في محو الذاكرات واللغات وتهشيم معالم الحضارات المنقوشة.
ما يحصل في تدمر، مثلاً، يحتاج في تحليله إلى وضع أطروحة دكتوراه تفترض إعادة ربط اللسان أعني العربي بمشيئة بني عثمان التي أخرست لسان العرب طوال عقودٍ أربعة.
وأردوغان ملفوف بالأحلام القديمة.
قد تتضاعف السياقات والأنماط وتترهّل بسبب وسائل الإعلام الكثيرة، فلا تنتفي الصيغ اللغوية بل تتكاثر وتتداخل إلى درجة الاستحالة في ضبط أو قياس مدى المتغيرات التي تلحق بنا.
ويصبح السؤال عن التغيير أو الاستمرار في الغد مسائل تاريخيّة تضيع في المفردات أو ظهورها من دون الإحاطة بتاريخ ظهورها وكيفية نموها، ولا نعود نعرف كيف تحافظ أنماط من الألسن في لبنان وغيره على استمرارها وبقائها مثلاً، بينما قد تخفق أنماط أخرى في الاستمرار في الحياة فتنحسر.
هكذا تمعن هذه الوسائل مثل السيوف وجزّ الرقاب وتجميع الركام في حمل سلطات ألسنتنا التي كانت محصورة إلى وقت قريب بكل ما يرمز إلى السلطة العربية الكبرى والتي أراقبها تنهار في إدمان الناس على الشاشات والوسائل فارضةً لهجاتها وطرائق تعبيرها ومسقطة أي أثر سلطوي للشكل اللغوي أعني سلطاتنا نحن.
بات من الصعوبة بمكان بالمعنى الإعلامي، كما رأينا، البحث عن أنماط بديلة لما اندثر أو سقط أو إنهار من «الجسد» العربي الفصيح لأنّ المتغيرات التي تحققها أنماط لغات اللبنانيين ولهجاتهم سحبت سلطات اللسان والإنسان إلى الانهيار بسبب الانبهار بسلطات مستوردة في تداخل الأحداث والمفاجآت والنجوميّة وتشويه الصور على معظم مستوياتها.
يصبح الكلام عن التغيير أيّ  تغيير، في هذا المستوى، هشاً فارغاً من المحتوى، فتبدو اللغة/الإنسان في أدنى مستويات الاستعمال اليومي يتهشّمان فوق منابر الاستعمال بصيغ المفرد أو الجمع. تندثر الاتصالية، وتنحر الألسن والأوطان وتضمر السلطات بارتفاع وهج الأنانيات الإعلامية التي تتصوّر حالها موهومة تحقق الاندماج بين الفرد والجماعة أو بين العربي والعربي.
يسقط الاستقرار اللغوي والاجتماعي إذ تسقط القوة اللغوية التي كانت توحد، فيما سبق، بين آليات الثبات والتحوّل، ولا يعود الاستمرار هو الحفاظ على الموقع مسألةً قابلةً للبحث؛ لأنّ تلازماً بين الاستقرار والتغيير يصحّ في الكلام عن الثقافة واللغة.
ويبدو التغيير مسألة مغرية أو جوهرية لاستقرار نمط الحياة، لكنّ الاستقرار من دون التغيير يشبه محاولة من يحافظ على توازنه وهو فوق دراجة من دون تحريك البدالات، وكما أن تحريك البدالات ضروري لاستقرار راكب الدراجة، فإنّ التغيير ضروري للحفاظ على الأنماط الثقافية.
أنا أدفع هذه الصورة كي أجعل التغيير هو الاستقرار من دون التنبؤ بإمكانات الحفاظ على أي نوع من الأنماط الثقافية أو اللغوية.
أين موقع العرب اليوم بين الاستقرار والتغيير؟ لو استقرأنا معاً الحجج العلمية من مظاهر الطبيعة لوجدنا، مثلاً، أن عالم الطقس يعرف المبادئ التغييرية التي قد تحكم الظواهر التي تحملها فصول الطبيعة، لكنّه سيخطئ قطعاً لو قال لنا كم ورقة شجر سوف تسقط في العاصفة التالية، وهو استقراء لا يمكن تطبيقه في الانهيارات الوطنية والقومية واللغوية الحاصلة أمام العواصف والتقنيات التي تجتاح أرضنا وشعوبنا عندما تفتح الأبواب للجميع.
إلى أين أوجّه النص؟ إلى لملمة بقايا التوحّد العربي المنقرض ولو باللسان بعد غلق الكثير من الأبواب في وجه الأغراب.
لماذا؟
لأنّ تداخل مغريات رياح التغيير بالاستقرار خطرة.
وعندما يغيب الاستقرار يغيب طويلاً وينزاح لمغريات الفوضى العارمة، وعندما يعود إن عاد، قد نجد أنفسنا وهماً في الحداثة والمعاصرة والحضارة، لكننا قد نجد أوطاننا وألسنتنا وثقافتنا منشورةً فوق جدران المتاحف أو فوق صور الشاشات، لكن لا ألسن لها تحكي ولا ثقافة ولا مستقبل يحفظ التاريخ العظيم.. نعم العظيم.