أثار نزوع جنوبيي السودان للانفصال شعوراً بالنقمة والصدمة لدى قطاعات واسعة من صانعي الرأي العام العربي، من سياسيين وبرلمانيين ومعلقين ورسامي كاريكاتير، فضلاً عما ينتاب السودانيين أنفسهم من حيرة إزاء هذا التطور، فهم يحترمون خيارات جزء من شعبهم (نحو ثمانية ملايين من جملة عشرين مليون نسمة)، وعاجزون في الوقت ذاته عن حملهم على البقاء تحت خيمة الوطن الواحد .
ما يستوقف المرء في ذلك هو انقطاع الرأي العام العربي في جملته باستثناء بعض النخب والمهتمين، عن الأوضاع التي أفضت إلى هذه النتيجة . فحتى الحرب الطويلة بين الشمال والجنوب على مدى نحو ربع قرن هو الربع الأخير من القرن الماضي، التي أزهقت أرواحاً وأصابت وشردت الملايين، لم تنل ما تستحقه من اهتمام ومواكبة، أو حتى دعوات جدية ومثابرة لوقفها . بدت تلك الحرب وكأنها تدور في حيٍّ ناء وهامشي من أحياء المدينة . ويستذكر المرء أن الوساطات التي كانت تتحرك لإطفاء فتيل التوترات والمنازعات هنا وهناك في الديار العربية، قلّما شملت حرب الجنوب في السودان .
وواقع الحال أنه مع المطامح الخاصة لزعامات الجنوب لقيادة إقليمهم والتمتع بالثروات والامتيازات، ونسج شتى أشكال العلاقات مع الخارج بما في ذلك التسلح، فإن الحكم المركزي في الشمال على مدى نصف قرن أغفل خصوصية الجنوب والجنوبيين العرقية والدينية من جهة، ولم يشمل الجنوبيين كما مواطنيهم الشماليين بحقوق المشاركة السياسية وتداول السلطة، حتى إن الجيش الشعبي القوة السياسية والعسكرية النافذة في الجنوب، وكان من أبرز مؤسسيه وزعمائه الراحل جون قرنق، لم يرفع لواء الانفصال في طروحاته العلنية، واكتفى بطرح شعار تحرير السودان . وفي غيبة الاتفاق والتوافق مع بقية القوى السياسية، وخاصة على مفهوم ومضمون التحرير، بدلاً من ذلك لجأت بعض القوى إما للاستقواء بالجيش الشعبي على الحكم المركزي، أو المشاركة في شن الحرب على الجنوب، بدلاً من البحث عن حل سلمي تشاركي يشمل الشمال والجنوب .
معلوم أن استفتاء تقرير المصير الذي اقترع بشأنه الجنوبيون مؤخراً قد جرى على قاعدة الاختيار بين الاندماج في الوطن الواحد والدولة الواحدة، والانفصال . وبالنظر إلى إرث من الحروب والنزاعات، ومن إخفاق الشمال في حل مشكلات مزمنة تتعلق بالمشاركة السياسية والتنمية الشاملة، وفي ضوء النزاع الذي لم تنطفئ بؤرته بعد في إقليم دارفور، مع سريان التوقعات بدعم غربي لدولة مستقلة في الجنوب، فإنه لا يعدو غريباً أو مفاجئاً أن ينعقد خيار أغلبية الجنوبيين على الانفصال أو الاستقلال .
لنلاحظ هنا أن خيار حكم فيدرالي خاص بالجنوب لم يتم طرحه . تم طرح خيارات صفرية فقط: الاندماج أو الانفصال، من دون خيار ثالث، ما جعل النتيجة شبه محسومة مسبقاً باتجاه الخيار الثاني . وقد عززت القيادات الجنوبية هذا الخيار على الأرض، وفي النفوس مع المحافظة على جيش الجنوب وحكومته وبرلمانه . والمشاركة في الحكم التي تمت خلال السنوات الأخيرة بين الجيش الشعبي والمؤتمر الوطني في الشمال، زكت هذا الخيار بدل أن تضع حداً له، وتفتح الطريق أمام وحدة طوعية جاذبة للجنوبيين، فقد حافظ الجيش الشعبي خلال تلك الفترة على علاقاته الخارجية المستقلة عن سياسة الدولة السودانية، ولم ينغمس في مشكلات الدولة التنموية والمسلحة، وبالذات مشكلة إقليم دارفور .
هكذا فإن الظروف المختلفة تضافرت ومهدت لهذه النتيجة، التي لم تفاجئ أحداً في السودان، ولكنها فاجأت من لا يبالون بالمشكلات الفعلية، ويستعيضون عن أخذ العلم بها وتفحصها بترديد شعارات وحدوية لا تسمن ولا تغني من جوع، عاناه الجنوبيون في ديارهم ونزوحهم عن مواطنهم في بلد عربي لطالما سُمي بأنه سلة غذاء العالم العربي (بصرف النظر عن المبالغة في هذا الوصف والذي لا يأخذ من يطلقونه في حُسبانهم، تضاعف عدد سكان السودان والعالم العربي، بأكثر من ضعف واحد خلال نصف قرن مضى . .) .
وإذا كان النظام العربي قد فشل في حالات كثيرة، في إرساء وحدات وطنية داخلية تحمي النسيج الاجتماعي وتضمن لهذا النسيج المرونة والتماسك، على قاعدة التعددية الاجتماعية والثقافية والديمقراطية السياسية، فإن السابقة السودانية تنذر بفشل جديد في الحفاظ على وحدة التراب الوطني، وسلامة الحدود، وذلك نتيجة اقتراف أخطاء داخلية واستثمار خارجي نشط لهذه الأخطاء .
والآن فإن واقعاً جديداً يرتسم مع التعديل الجاري على خريطة السودان، وسيكون أمراً بائساً أن يؤدي هذا التطور إلى تجدد المنازعات المسلحة بين الشمال والجنوب، وبين دولتين في الحالة المستجدة، فسوف يشكل ذلك مزيداً من الاستنزاف لثروات مهدورة وشحيحة في الشمال، ولتحول الجنوب إلى صومال جديد تسود فيه أصولية عسكرية غير إسلامية، وإلى ساحة تجتذب مختلف أشكال التدخلات .
الأفضل من ذلك هو التعامل بواقعية مع ما حدث، وإجراء مفاوضات حول الحدود والمناطق المتنازعة بإشراف الاتحاد الافريقي، مع تحريم اللجوء إلى القوة لفض المنازعات، والالتفات لحل مشكلات الشمال في إطار تشاركي توافقي، وليس تكرار الأخطاء التي أدت إلى ما وصل إليه البلد من احتقان وتفكك .