حظيت التعديلات الدستورية في المغرب بنسبة تأييد عالية، تسعينية، في الاستفتاء الذي وقع مطلع يوليو/تموز الجاري . شكّل هذا التطور حدثاً بالغ الأهمية في السياق المغربي، فهذا التعديل هو الخامس الذي يقع على دستور العام ،1962 مع ملاحظة أن خبراء قانونيين مغاربة هم من وضعوا التعديلات من دون اللجوء إلى فقهاء أجانب . في السياق الخاص بهذا البلد أيضاً، فإن هذا التطور استوعب موجة الاحتجاجات من دون أن يوقف هذه الموجة تماماً في الشارع في العاصمتين السياسية والاقتصادية: الرباط والدار البيضاء . أما مقاطعة الاستفتاء التي قادها حزب العدل والاحسان الإسلامي المتشدد، ومجموعات يسارية صغيرة، فقد بدت من دون أثر سياسي يذكر .
لعل المغزى المتعلق بمرونة النظام السياسي يضاهي في أهميته التعديلات نفسها . فإبداء الاستعداد للنظر في القانون الأعلى للدولة (الدستور)، واحتكام المجتمع السياسي كما السلطات إلى هذه المرجعية، دون تقديسها أو حراسة جمودها وثباتها، يمثل ضمانة للتطور العام في البلاد، ولتجديد النظام السياسي عبر أوسع توافق وطني، مع حريات واسعة يكفلها القانون للأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب الحريات العامة وفي مقدمتها حرية التعبير والاجتماعات العامة .
النسبة العالية لتأييد التعديلات لم تمنع بروز ملاحظات حتى في صفوف المؤيدين من الناشطين سياسياً حول تمركز السلطات مثلاً . غير أن صفحة جديدة سيكون لها ما بعدها، تتمثل في بدء الانتقال إلى حكومة برلمانية/حزبية، يتم اختيار رئيسها من الحزب الفائز بأعلى عدد من مقاعد البرلمان مع صلاحيات بالتنسيب بتعيين وزراء أو إعفائهم من مناصبهم، وكذلك الأمر بما يتعلق بحل البرلمان والدعوة إلى إجراء انتخابات جديدة مبكرة . علاوة على البنود المتعلقة بحقوق الإنسان كوقف التعذيب ومساواة المرأة بالرجل في مختلف الميادين . وهناك التعديل الخاص باعتبار الأمازيغية لغة ثانية إلى جانب العربية، وهو أمر غير مسبوق في العالم العربي، وإن كان هناك من يقول بين الجد والتنّدر، إن الفرنسية سوف تظل هي اللغة الأولى المعتمدة رسمياً وفي القطاع الخاص، حتى لو لم ينص الدستور على اعتمادها .
التعديلات الجديدة وبعد أن تمضي في قنواتها الدستورية، فإنها تحتاج بطبيعة الحال، إلى بيئة قانونية وسلسلة تشريعات وتدابير إجرائية كي تنتقل إلى حيز الواقع، وهو أمر منتظر حدوثه خلال الأسابيع المقبلة .
لم تطفئ التعديلات جذوة الاحتجاجات التي تقودها حركة 20 فبراير الشبابية، ولكنها عملت على تهدئتها وعلى الحد من أي التفاف شعبي حولها، مع العلم أن مطالب المحتجين تتركز أساساً على البطالة والسعي لتأمين وظائف ومكافحة الفقر ومناوأة الفساد، وبهذا فإن المضمون الاجتماعي والاقتصادي يطغى على هذه المطالب مع عدم إهمال الجانب السياسي . وعليه فلعل التحدّي الذي يواجهه المغرب هو السير بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية جنباً إلى جنب مع التنمية السياسية، أي الذهاب إلى تنمية شاملة ومتوازنة تحفظ السلم الأهلي والاستقرار السياسي، وتلبي حقوق الشرائح الاجتماعية العريضة، خاصة الفئات المهمشة على أطراف المدن وفي الريف . فإلى جانب طبقة وسطى عريضة، فإن العين المجردة لا تخطئ رؤية مظاهر الفقر، فضلاً عن تقارير متطابقة تتحدث عن نسبة للفقر تبلغ 17 في المئة مع 9 في المئة من المتعطلين عن العمل، مع ضعف التأمينات الصحية، في بلد يقترب عدد سكانه من 32 مليون نسمة، وهذا يفسر موجات الهجرة الشرعية وغير الشرعية إلى أوروبا، وبعض الانتعاش لحركات راديكالية بعضها أصولية وبعضها الآخر يسارية . لقد تحققت خطوات مهمة في مجال إزاحة مدن الصفيح وتعميم الكهرباء وشمول مناطق نائية بخدمات أساسية . والعبرة بعدئذٍ هي في وضع آلية ناجعة لتوزيع واستثمار الثروات الوطنية، لا العمل على تنمية هذه الثروات فقط ومعها معدل النمو الاقتصادي السنوي .
وبكلمات، فإن التنمية السياسية إذ تحتاج إلى قطع أشواط إضافية بما يلبي طموح المغاربة، فإنها كذلك مازالت بحاجة إلى عمق اقتصادي يسندها وإلى مضمون اجتماعي يصونها، وكذلك إلى بيئة قانونية ترسي دولة القانون بسائر أركانها ومشتملاتها . ومن دواعي التفاؤل أن هذه الاعتبارات ليست بعيدة عن وعي وتوجهات صانعي القرارات والأحزاب الكبيرة في هذا البلد . ففي نهاية المطاف فإن التنافس السياسي والوطني معقود على تحقيق مزيد من الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية التي تنعكس بصورة مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين: على قوتهم ومساكنهم وفرص العلاج والعمل المتاحة أو المتعذرة لهم، لا على الخطابات السياسية التي تنشغل بها النخب . . كحال الانشغال الواسع في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية الأهلية والحكومية، بأحد الأحزاب وهو حزب الأصالة والمعاصرة الذي حقق انتشاراً واسعاً ووصل إلى البرلمان خلال سنوات قليلة من عمره الغض، من دون أن يتمكن هذا الحزب أو سواه من أحزاب منفردة، من وضع برامج ناجعة قابلة للتطبيق للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي لم تنقطع . وتجربة التناوب أو التداول التي قادها حزب اتحاد القوى الاشتراكية، أحد أعرق الأحزاب المغربية في أواخر عهد الراحل الحسن الثاني، تكشف عن محدودية دور الفاعل السياسي في الميادين غير السياسية . عسى أن تخيّب قادمات الأيام هذا الانطباع .