ينجح المجتمع السياسي في الدولة العبرية على الدوام، في تكريس مقولة إن كل توجه متطرف، سرعان ما يواجه بتيار مستجد، أو قديم متجدد أشد تطرفاً منه. الانتخابات التي تجرى في العاشر من شباط/ فبراير الجاري، وما سبقها من استعدادات وحملات دعائية، تثبت صحة هذه المقولة حتى مع وجود استثناءات لهذه القاعدة.
القابلية الموضوعية لإنتاج المزيد من التوجهات المتطرفة، تجد جذرها في النشأة المشوهة لهذه الدولة، التي قامت على مجتمع استيطاني إحلالي توخى الإرهاب ضد المدنيين، وسيلة ناجعة للمضي في هذا المشروع.أما الحاضنة الأيديولوجية متمثلة في العقيدة الصهيونية، فتوفر ذخيرة عنصرية كافية، تجمع بين إقامة دولة يهودية على أرض الغير، وتدمير معالم الحياة الوطنية لأبناء الأرض الأصليين، والقناعة بأن حياة الدولة ومستوطنيها اليهود لا تستقيم ولا تزدهر إلا بنفي الآخر: استئصاله مادياً وإبادته سياسياً، مع تسخير الدين لتغطية وتسويغ هذا النهج، الذي يرث أسوأ مكونات الاستعمار القديم ويضيف اليها. في سائر الحروب التي شنتها هذه الدولة المارقة ومنها الحرب الأخيرة على غزة، تنقل وكالات الأنبار صوراً لجندي يعتلي دبابته المصفحة أو يقف إلى جانبها، ويعكف على قراءة صفحات من كتاب ديني يسترشد به في الفتك بالمدنيين.
لم تنجح حركات سلمية أو يسارية في اختراق هذه الشبكة العقائدية والتأثير في المجتمع الصهيوني. وبقي وجود هذه الحركات هامشياً وتعرض لحملات من الترويع والترهيب الأهلي، مع تواطؤ رسمي من المؤسسة الحاكمة. فالديمقراطية المعتمدة تظل محكومة بأواليات عقيدة قومية تعتبر المشروع الصهيوني غير ناجز بعد، وأن تقدمه إلى الأمام مرهون بالوفاء للبدايات، لوصفة النجاح الأولى، وأن أي خروج عنها هو بمثابة اندفاع نحو الخسارة. المحاولة الأولى لإجراء تعديلات مهمة على هذا النهج من داخل المؤسسة، نحو الاكتفاء بما تحقق، جوبهت بإجراء استئصالي: قتل اسحق رابين في العام 1996. ولئن كان صحيحاً أن رابين قتل على يد شاب ينتمي لمجموعة دينية متطرفة، وليس على يد أحد أعضاء المؤسسة الأمنية، فالصحيح بعدئذ أن نموذج رابين تم القفز عنه وشطبه من طرف هذه المؤسسة، وبدا القاتل لدى الوسط السياسي والإعلامي، مجرد شاب متحمس يمتلك وجهة نظر، وليس قاتلاً لرئيس وزراء الدولة.
وبينما كانت الأنظار في أواسط ديسمبر الماضي، تتجه الى معاينة الصراع بين الأحزاب على المنافسة الانتخابية وتقييم حظوظ الفوز، ومحاولة الحد من فرص الليكود، واجتذاب العمل للتجند مع كاديما بعد هزة الفساد التي أصابت الحزب الأخير، بسبب فساد زعيمه اولمرت الذي اضطر للاستقالة من زعامة الحزب وتالياً من الحكومة، علاوة على فقدان هيبة الجيش في الحرب على لبنان.. في هذا الوقت كان المستوى السياسي يتلاقى مع المؤسسة العسكرية في التحضير للحرب على غزة، بعد أن نشط الإعلام هناك في تظهير خلافات مزعومة حول الموقف من التصعيد.. وبدا وزير الحرب (الدفاع) باراك حسب التقارير الإعلامية الصادرة آنذاك، في صف المعترضين على شن الحرب!
مع ذلك ورغم كل ما شهدته حملة الرصاص المسكوب من دموية،فإن هذا الفصل الجديد من الحروب العدوانية لم يشف غليل الاتجاهات الأشد تطرفاً. فقد قيل ويقال إن الحرب لم تحقق الكثير، وإنها ما كان يجب أن تتوقف. وإنه تم إهدار فرصة ثمينة. نتيجة ذلك فإن ارتفاع اسهم ليفني( كاديما) وباراك (العمل) قد عاد للانخفاض مجدداً بعد الوقف الرسمي لإطلاق النار. وعاد حزب اسرائيل بيتنا بزعامة الروسي افيغدور ليبرمان للتقدم في استطلاعات الرأي متقدماً على حزب العمل، وعاد الليكود بقيادة نتنياهو للتقدم ثانية في ضوء الملاحظات التي سيقت عن حرب لم تحرز كامل أهدافها، وعن فرصة عظيمة تبددت.
المفارقة في ما تقدم، أن حزب كاديما بقيادة عميلة الموساد السابقة تسيبي ليفني، قد اختار خوض المعركة الانتخابية تحت شعار الاعتدال، مقابل المتطرفين. الحرب التي خاضها إحدى أقذر الحروب وأشدها دموية، لم تلب شهوة أعداد متزايدة من عنصريين متعطشين لمزيد من سفك الدماء، والحزب نفسه الذي أسسه السفاح شارون قبل خمسة أعوام، لا يتورع عن وصف نفسه بالاعتدال، مراهناً على استغباء العالم، وعلى جعل المقاييس الصهيونية للاعتدال والتشدد معايير كونية.. أما حزب العمل، مؤسس الدولة وراعي الاستيطان والعضو في الاشتراكية الدولية، فبعد أن استنفد دوره التاريخي، وبعد أن انتقلت الراية الى اتجاهات أكثر جذرية، تتجه الى إنجاز الحلقة الثانية من المشروع الصهيوني بإقامة إسرائيل الكبرى، فإن هذا الحزب لا يجد ملاذاً أيديولوجياً له سوى الالتحاق باليمين الجديد ممثلاً بكاديما، وبعض رموز العمل التاريخيين، انتقلوا بالفعل ومبكراً الى كاديما مثل القاتل المحتال شيمون بيريز، الذي تبوأ رئاسة دولتهم.
بهذا فإن المعركة الانتخابية تدور بين مكونات اليمين وتلاوينه المختلفة. وليس هناك من انشطار يذكر ولا تعددية يؤبه بها. فالتطرف مكون وطني للدولة والمجتمع، تماماً كما أن الحروب التوسعية هي رياضة وطنية. بما يفتح الأعين على أن أي تغيير ذي بال في هذا الوضع، لن يتم ذاتياً عبر الصراع السياسي والثقافي الداخلي، بل هو مرهون بكسر مفصلي للمشروع الصهيوني، يدفع المجتمع نحو مراجعة فعلية.