أم عبد الله: تعلمت «التلي» منذ صغري

شغفها المبكر توجه للأشغال اليدوية
02:49 صباحا
قراءة 4 دقائق
حوار: فدوى إبراهيم

ولدت أم عبد الله في دبا الحصن في إمارة الشارقة، وعاشت طفولتها هناك وتشبعت بالقيم الأصيلة، يتمها جعلها تندمج وتحب كل الناس وتتأقلم مع كل مكان وبشر وزمان، تعلمت كغيرها على يد المطوعة إلا أنها لم تمل إلى الأعمال المنزلية إنما للأعمال اليدوية فتعلمت منذ الرابعة من عمرها صناعة التلي والبادلة، ولم تكن تعلم أن ذلك سيجعلها يوماً ملهمة من ملهمات مركز الحرف الإماراتية التابع لمعهد الشارقة للتراث.
وتقول أم عبد الله إنها كانت تختلف عن غيرها من الفتيات وحتى عن أخواتها في طفولتها، فلم تحب الالتزام بالتعليم بل أخذها الميل للعب وتعلم الأشغال اليدوية من والدتها وأخواتها، حتى إنها في الرابعة من عمرها كانت تعرف النسج، وحول ذلك تقول: «ربتنا أمي نحن الفتيات الأربع بعد وفاة والدي لمدة تقارب العامين، اعتمدت في ذلك على النخيل وما يدره علينا وأعمال السفافة والأعمال اليدوية بالخيوط في التلي والزري وغيره، حيث توفي والدي وأنا في عامي الأول، ولأننا لم يكن لدينا أخ كنت أشعر أنني مثلهم مسؤولة وأحاول المساعدة في الأعمال اليدوية التي تتقاضى عنها والدتي ما يكفينا، لأن الحياة كانت بسيطة ولم يكن هنالك متطلبات تفوق ما يسد الرمق، لكن لم يكن هنالك مجال للخطأ في الأعمال اليدوية خاصة وأن والدتي كانت تشتري خيوط الفضة التي تأتينا من الهند لتنسج بها، ولذلك كنت لا أجد إلا أن أخرج للعب مع الأولاد والبنات، فالحياة كانت بسيطة ولم تكن العوائل تخشى على بناتها اللعب مع الأولاد في الطفولة على عكس اليوم».
وتشير أنها تعلمت أن تكون قوية كوالدتها، التي ربتهن لفترة حتى تزوجت من رجل «عماني» وهو بمثابة الأب لأم عبد الله والذي استطاع أن يعيلهم ويخفف عن كاهل والدتها الكثير من المسؤوليات، وسافر الكويت ووجهات أخرى وأخذ يرسل لهم المال ولم يهدأ له بال حتى تزوجت الفتيات الأربع واطمأن على كل واحدة منهن في بيت زوجها.
تعلمت أم عبد الله أن تحب الناس وألا تنفصل عنهم رغم ظروفها الصعبة في تربية الأبناء والمسؤوليات، فلها 16 ابناً وبنتاً لدى أغلبيتهم اليوم أبناء، حول ذلك تحدثنا قائلة: «تعلمت منذ طفولتي أن الزوجة عليها أن تكون رفيقة زوجها وسنده مهما كانت ظروفه، وأن تعيش معه في أي مكان، وهو الأمر الذي جعلني أكون مع زوجي في كل مكان يعمل فيه، ليس ذلك فحسب بل كوني أيضاً لا أملك الأقارب سوى في دبا الحصن، بينما توفر العمل لزوجي في مدن وإمارات الدولة الأخرى، فبعد أن تزوجت وأنا ابنة 11 عاماً تعلمت الطهي وشؤون المنزل من أم زوجي، لكنها بعد عام اضطرت أن تنتقل للعيش مع أبنائها في دبي، وهو الأمر الذي دعاني للعودة إلى بيت والدتي للعيش في الوقت الذي كان زوجي قد انتقل للعمل في إحدى دول الخليج لكن المردود المادي لم يكفنا، فعاد وانتقلنا للعيش في مدينة الشارقة، وحينها بدأت رحلتنا في التنقل، فعمل في الشارقة وحينها كان لدي ولد واحد، واستأجرنا بيتاً صغيراً في حي الشرق، وواصلت العمل على الأشغال اليدوية، وبعد عدة سنوات انتقل زوجي للعمل في إمارة أبوظبي وبالتأكيد انتقلنا جميعاً للعيش هناك فعدت وتعرفت إلى أناس جدد وربطتني بهم علاقة وطيدة كوننا كنا نستأجر جزءاً من بيتهم، وبقينا هناك سبع سنوات، حتى انتقل زوجي للعمل في عجمان واستأجرنا هنالك منزلاً من غرفتين وحوش ومكثنا هناك 16 عاماً، وفيها تعرفت إلى أناس كثر ووطدت علاقاتي بكل من حولي، إلا أن ازدياد عدد الأبناء اضطرنا إلى الانتقال لمكان أوسع وهنا كانت العودة للشارقة وتحديداً في منطقة الغافية، ومن بعدها إلى الحزانة في بيت استأجرناه ومكثنا فيه 30 عاماً حتى اليوم».
وتقول: إنها وحتى إنجابها 8 أبناء كانت تربي لوحدها دون الاستعانة بمربية أو بأحد من الأهل، وتنوه بأن التربية الجيدة لها أسس بسيطة، وهي احترام الآخر، وهو ما يندرج على الأخوة بين بعضهم وتقول: «لم يتشاجر أبنائي مع بعضهم يوماً ولم يكن أي منهم أنانياً يريد شيئاً ما لنفسه فقط، ورغم الظروف لم يشعر منهم أحد يوماً أنه قد ظلم أو يشعر بالحرمان، فواحد من أسس التربية الجيدة هو عدم منح الطفل كل ما يريد، بل تعليمه أن العطاء غير مطلق، فإن سمحت الظروف المادية وتلاءمت مع ما يرغبه فلا بأس، ولا بد أن يمنع عن ما هو غير ضروري».
اجتماع العائلة على الطعام في بيت العائلة ليس أمراً ترويحياً فحسب بل هو شيء يرسخ الحب بين الأبناء والترابط بين الجميع، هذا ما تؤكد عليه أم عبد الله، أجمع أبنائي وعوائلهم يوم الجمعة لتناول الغداء معاً، ولا يقبلون تناول أي طعام من يد العاملات أو من المطاعم بل يصرون على أن أعد لهم الطعام بنفسي، من مختلف الأكلات الشعبية الإماراتية والحديثة، من بينها العيش مع اللحم، والعيش مع الدجاج، والعيش المحمر، وصالونة الدجاج والسمك المشوي والرقاق، بالإضافة للحلويات، وفي رمضان فلنا في اجتماعنا خصوصية، عند العاشرة صباحاً أدخل إلى المطبخ وأطهو مختلف أنواع الطعام من الوجبات الرئيسية، ومن ثم أضعها في التنور المعد خصيصاً لي عند منتصف الظهر وأغطيه بصينية فيظل الطعام دافئاً بفعل الدخان حتى آذان المغرب، وحينها أبدأ بإعداد الحلويات.
تعلمت أم عبد الله الأعمال اليدوية من والدتها وأخواتها اللاتي يكبرنها، فأتقنت الخياطة والتطريز وصناعة البراقع ونسج تلي الخوار والكنادير والبوادل، والبادلة هي النسيج الذي يركب أدنى السروال عند القدم، والتلي هو ما يوضع على صدر الكندورة، ولم تنقطع عن هذه الأشغال حتى اليوم طوال حياتها رغم كل المسؤوليات، وحول ذلك تقول: منذ صغري أحببت هذه الأعمال، حتى أنني لم أحب تعلم أعمال البيت والطبخ دوناً عن غالبية الفتيات، فحين تزوجت لم أكن أعرف شيئاً عن الطبخ وأعمال المنزل، لكن في ذلك الحين كانت تلك الأعمال الخاصة بالأثواب والكنادير تنسج بخيوط الفضة الحقيقية، لدرجة أنه حتى عندما يبلى الثوب يأتي المشترون ويشترونه ليستخرجوا منه خيط الفضة ويبيعوه مجدداً، بينما اليوم يصنع الخيط من نايلون، ولا أعتقد أنه يمكنني أن أترك هذه الصناعة حتى آخر العمر.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yykhaezk