تعاني القارة الاسترالية من ارتفاع في درجات الحرارة بلغ حداً قياسياً ووصل الى مرحلة الهلاك للحرث والنسل. وخلال الفترة الماضية شهدت استراليا حرائق هائلة اجتاحت أراضيها علماً بأنها أول من سنت ما يسمى ساعة الأرض لمكافحة الارتفاع في درجات الحرارة، ومطالبة زعماء العالم للتحرك بجدية ازاء هذا الوضع الخطير.
كانت استراليا أول دولة اطلقت هذه التظاهرة في 2007 لمواجهة ارتفاع درجة حرارة الأرض، لأن الجفاف هدد أكثر من مليون شخص نظراً لأن موجة الحر التي ضربت البلاد كانت دليلاً ساطعاً على تغير المناخ على هذه القارة، خاصة أن بعض المناطق الواقعة في شرق القارة لم تر هطول قطرة ماء منذ ست سنوات. وأدى هذا الوضع الى حدوث أسوأ موجة للحرائق على مستوى القارة في فبراير/شباط 2009 وراح ضحيتها أكثر من 170 شخصاً، بالإضافة الى تدمير نحو 200 ألف هكتار من الغابات في ولاية فكتوريا. الأمر دفع بعض رجال الإطفاء الى وصف مشهد الخراب بشيء أشبه بالمحرقة، كما قال مفتش شرطة ولاية فيل شيفيرد مشيراً الى أن بلدتي ماريسفيل وكينفلايك دمرتا بالكامل، علاوة على ذلك، تسببت الحرائق الى جانب الاضرار البشرية في تدمير 200 منزل.
ونظراً لأن ظاهرة الجفاف ترافقت مع الأزمة الاقتصادية العالمية، فإن من الممكن جداً ان تعاني استراليا من نقص شديد في المواد الغذائية لاسيما الفاكهة واللحوم التي بلغت أسعارها في الآونة الأخيرة حداً مذهلاً، وهو ما يعتبر أمراً كاريثاً بالنسبة لدولة معروفة بثقلها على المستوى الزراعي. ومما يثير العجب بالفعل أن المناطق الواقعة على السواحل الشرقية تشهد عمليات ضبط وتقنين في صرف المياه، في حين وقعت المناطق الشمالية ضحية لأمطار سيلية مدمرة.
ولكن ماذا لو كانت هذه الموجة الخطيرة من ارتفاع درجات الحرارة مجرد بدايات لما يمكن ان ينتظر المناطق الأخرى على الأرض. مثلا، لوحظ أن نقصاً حاداً في المياه ضرب اوروبا، لا سيما فرنسا، في صيف 2007 الأمر الذي كان له نتائج سيئة على المستوى الزراعي، إذ انخفضت عملية إنتاج القمح في تركيا بنسبة 40%، كما عرفت منطقة بو الايطالية أوضاعاً مأساوية بسبب الجفاف. وتعرضت آبار المياه الجوفية في باريس الى نقص شديد حتى غدت نوعية المياه رديئة جداً، لأن المواد الملوثة اخذت تتركز فيها بشكل كبير.
يرى الباحثون أن القارة الاسترالية تعتبر بمثابة المختبر المثالي لتحليل ظاهرة الجفاف ونتائجها، لأن القحولة القصوى لهذه القارة تعود في الأساس لطقسها الجاف وارتفاع نسبة الملح في تربتها. ويقول الباحثون ان هذه الملوحة الجيولوجية تعود الى جفاف بحار داخلية كبيرة خلال الفترة الواقعة بين بداية العصر الترياسي والوقت الراهن. ويشير هؤلاء الى أنه مع وصول الاوروبيين ازداد الأمر استفحالاً لأن المهاجرين الجدد أقاموا خلال القرن التاسع عشر بالقرب من مصادر المياه النادرة في الأصل، واضطروا الى حفر الآبار لري الحقول، وبالتالي فإن الماء المستخدم في الري حمل الى الأنهار الملح الموجود في الأراضي الرسوبية المعروفة بعدم نفاذيتها النسبية، وهو ما أدى بالتالي الى ارتفاع نسبة الملوحة في الأنهار والمياه الجوفية. ويشير الباحث الكندي سيباستيان لاموتاني الذي يعمل في استراليا من أجل برنامج البحث عن المياه المدعوم من قبل الوكالة الاسترالية للأبحاث: كلما تجمع الملح في التربة كلما زادت نسبة تبخر المياه، ونظرا لقلة المياه العذبة المتوفرة في الأرض اضطرت استراليا الى الاعتماد على مياه الأمطار منذ مدة طويلة لتموين سكانها بالماء.
واليوم تعتمد استراليا بشكل كبير على مياه الأمطار حيث اقيمت السدود في طول البلاد وعرضها، لكن في 2008 وصلت حالة هذه السدود الى وضع مأساوي حيث جفت المياه فيها بشكل كلي تقريباً، مع العلم أن معدلات الأمطار الهاطلة حسب الاحصاءات في العامين 2006 و2007 كانت أكثر السنوات السابقة.
وعندما ننظر الى معدلات الأمطار نلاحظ أن المطر لم يهطل في الأماكن المرغوبة بل حدث فائض في نسبة الأمطار في المناطق الشمالية الغربية التي لا تتواجد فيها معدلات سكانية مرتفعة في حين أن هذه النسبة كانت منعدمة في المناطق الشرقية حيث تتركز الغالبية العظمى من الأستراليين الذين يبلغ تعدادهم 20 مليون نسمة.
وأمام هذا الواقع المؤلم، وضعت الحكومة الاسترالية برنامجاً خصصت له 10 مليارات دولار استرالي 5،5 مليار بورد، يهدف الى تحسين إنتاجية المزارع المزودة بالمياه عن طريق تشجيع عمليات استعمالها بطريقة فعالة، الأمر الذي من شأنه توفير 3 مليارات متر مكعب من المياه سنوياً.
كما ستراقب كميات المياه الهاطلة عبر البلاد للحصول على معلومات دقيقة حول طرق صرف هذه المياه. والواقع أن المعطيات التي جمعت كانت حرجة للغاية لأن كمية المياه المستخدمة سنوياً قدرت حسب المعطيات بمليار متر مكعب أي ما يعادل 4% من حجم الاستهلاك الكلي. وتبلغ تكلفة هذه الكمية 550 مليون يورو.
من ناحية ثانية، يقول العلماء إن الحكومة الاسترالية تتوانى في اتخاذ اجراءات حاسمة في موضوع سخونة الطقس علماً بأن هذه المسألة هي السبب الرئيس وراء الأزمة الحالية التي تعاني منها استراليا. ويشير هؤلاء الى أن الحكومة بدأت فقط منذ 2007 في الالتفات لهذه القضية عندما وقعت على معاهدة كيوتو الداعية الى خفض الانبعاثات الغازية المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري.
علاوة على ذلك، فإن انظمة الري المكثفة بالمياه وكمية الأسمدة المستخدمة والمبيدات، لم تعد محط انتقادات على هذه القارة الشاسعة، فهل من المعقول بعد هذا كله الاستمرار في زراعة الأرز والقطن اللذين يحتاجان الى كميات هائلة من المياه وذلك في بلد يعاني من الجفاف الشديد؟
وعلى الرغم من أن بعض المزارعين استطاعوا ادارة طريقة استخدامهم للمياه بشكل جيد، إلا أن العديد منهم لم يتمكنوا من تحقيق ذلك.
من ناحية المستهلكين، فإن الأمور لا تبشر بالخير، فعلى الرغم من ادراك العامة لواقع الأزمة التي تعيشها البلاد من ناحية نقص المياه، إلا أن الغالبية العظمى منهم يستهلكون 268 ليتراً في اليوم للفرد في المتوسط ويصل الأمر الى 1000 ليتر في اليوم في سيدني، مقابل 137 ليتراً للفرد الواحد في بلد مثل فرنسا. وهكذا نرى أن الاسترالي يبقى واحداً من أكبر المستهلكين للمياه في العالم.
وأمام اللامبالاة النسبية للمواطن الاسترالي وللحكومة الفدرالية، اتخذت الولايات الاسترالية التي تمتلك قدرات أو سلطات جيدة اجراءات فعالة لتنويع عملية توفير وتموين المياه للمستهلك حيث تم افتتاح أول مصنع لتحلية مياه البحر في ابريل/نيسان 2007 بالقرب من مدينة بيرث الواقعة في الولاية الاسترالية الغربية جنوب غرب البلاد. وينتج هذا المصنع 140 ألف متر مكعب من المياه الصالحة للشرب يومياً، أي خمس ما تستهلكه مدينة باريس وضواحيها. ويعتبر هذا المصنع الأول من نوعه في العالم لأنه يستخدم طاقة الرياح لتشغيل الأجهزة الكهربية. وفي هذه الآونة يجري تشييد مصنع آخر في سيدني وستعمل غالبية المدن الاسترالية على بناء مصانع مماثلة في المستقبل لحل أزمة نقص المياه جراء الجفاف.
وتستخدم في هذه المصانع تقنية التناضح العكسي، حيث تمرر المياه عبر فلاتر عالية التنقية أو التصفية للمواد الغريبة فيروسات، بكيتريا.. . ويعود ظهور هذه التقنية لسبعينات القرن العشرين ولا تحتاج الى كمية كبيرة من الطاقة وذلك على عكس طريقة التقطير التي يتم فيها رفع درجة حرارة المياه حتى درجة الغليان بهدف تنقيتها. وهو ما تستخدمه مصنع تحلية المياه في منطقة الخليج العربي حيث يتم تزويد المصانع بالكهرباء عن طريق مراكز الطاقة الحرارية المزودة بالغيول المازوت، ويقول الباحث مارك سيمون الذي يعمل في المصانع التي تستخدم طاقة الرياح: إن المازوت من المواد المعروفة باطلاقها كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون، ولذا كان من غير الممكن أن نستخدم هذه الطريقة هنا في استراليا لأنها ستزيد الطين بلة.
ويشير سيمون الى أنه في إطار سياسة التنمية الدائمة سيتم الدمج بين عملية تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي، إلا أن الاستراليين الذين تعودوا على استهلاك مياه الأمطار لا يريدون شرب مياه يعتبرونها قادمة إليهم من الحمامات، حتى عندما نبين لهم أن هذه المياه أعيد تدويرها بشكل لا يرقي اليه الشك أبداً، الى درجة أن سكان مدينة توومبا الواقعة في ولاية كوينزلاند رفضوا باستفتاء شعبي مشروعاً يرمي الى إعادة استخدام مياه الصرف الصحي في مدينتهم.