الأعدقاء

إطلالة
12:02 مساء
قراءة 3 دقائق

أرسلت لي صديقة رسالة هاتفية أضحكتني كثيراً حين قرأت الخطأ الذي ورد فيها، فبدل أن تكتب أحد الأصدقاء، كتبت أحد الأعدقاء، لكن حين أعدت قراءة الرسالة انتبهت انه لم يكن هناك أي خطأ بل مررت لي رسالة داخل رسالة من دون قصد.

وسألت نفسي: ترى من هم الأعدقاء؟ انهم الأعداء الذين يلبسون أقنعة الصداقة، ويقتربون كالرفاق، ويشاركونك أفراحك وأحزانك كالأقرباء. هم العقرب الأقرب، وهم الكذب الأصدق، وهم تمازج الألوان بلون لا نعرف كنهه أو ماهيته. اختصرت أو اختزلت الصداقة في هذا الزمن بتمازج الحروف التي تكشف عن حقيقة أبعاد الصداقة في هذا الزمن، وحقيقة العداوة التي تقنعت بأقنعة شتى حتى بتنا لا نميزها، هل هي الوجه الحقيقي أو هي القناع الملون، ومن ذلك المحترف الذي يستطيع أن يكتشف الحقيقة المخبأة وراء الأقنعة، ومن الجريء الذي يستطيع أن يسقطها حال اكتشافها.

الأعدقاء إن عرفناهم نغلق الأبواب في وجوههم من دون خجل أو تردد، لكن إن لم نعرفهم نقع في شباكهم ولا نتمكن من الخروج منها، كنملة سقطت في شباك خيوط العنكبوت لا خلاص لها إلا الموت.

الواحد من أعدقاء هذا الزمن لا يحتاج لأقنعة كثيرة، هو يأتيك بوجهه من دون الحاجة إلى تغييره، يستغبيك وهو يعلم أنك تعلم كل تفاصيل هذا الاستغباء، ومع هذا لا تهزه معرفتك بحقيقته، ينادي بك في المنابر بأعلى صوت صديقي الصدوق، يصافحك بحرارة، سكينته بيده وهو يلوح لك بالتحية، يدعوك لمأدبة من السم الزعاف ويقسم أن هذا هو الطبق المفضل لديه لذا كان على رأس قائمة الطعام. ينظر إليك بدم بارد وأنت تتجرع سمه ثم يبتسم.

أعدقاء هذا الزمن يدخلون بيتك بلا استئذان، يقتحمون حرماته، يكشفون عوراته، يدمرون محتوياته، ثم يصافحونك ويهزون يديك كأنهم سيقلعونها من كتفك، وهم يغادرون يبادرونك: سعدنا برؤيتك على أحسن حال، نتمنى أن تعيد زيارتنا في أقرب وقت ممكن، ابتسامة صفراء يجب أن تجمل وجوههم، فالأصفر من ألوان الربيع ولم لا.

لم أجد من تتحقق فيه جميع المواصفات (الأعدقائية) مثل الأصدقاء الغرباء الذي بعنا من أجلهم كل الناس، أولئك الذين كما تردد والدتي دائماً دامنا عطيناهم الخيط والمخيط ليش نشتكي من طراطيرهم، أي طالما أعطيناهم الخيط والابرة فلماذا نشتكي من ملابسهم البالية والمقطعة والمهلهلة. لقد زاد حجم هذه الفئة من الناس حتى صرنا نستشعر الغربة الأخلاقية، وعدنا لا نعرف الصديق من العدو، والقريب من الغريب، وكثر في مجتمعاتنا العربية المهرولون نحوهم، وأنا على يقين ليس حباً فيهم لكن على أقل تقدير اتقاء لشرهم.

السؤال ما الذي أوصلنا إلى هذه المرحلة من التقية، والتي تدفع بالكثيرين أن ينحروا أبناءهم على عتباتهم؟ لقد أصبحنا محكومين بهذه الفئة بشكل كبير، وحين نبحث عن الفرار، يحاصرنا من كل صوب أبناء جلدتنا، باسم الحوار مع الآخر، والاتصال المفتوح. ما الذي أوصلنا إلى هذا الضعف والخذلان المشين؟ وكيف السبيل للتخلص أو الفرار منها، ومن الذي أوقعنا أصلاً في هذه الفخاخ، أما من شجاع بيننا يتجرأ ويقتل العنكبوت.

تعثرنا وما زلنا نتعثر، ومع هذا لا نحاول الوقوف وتجاوز العثرات، ولا حتى التنبه لعدم تكرارها، لو كانت العثرات فردية أو شخصية ما همنا، ولكن ما يعتصر القلب منه، عثرات جماعية كبرى نجر فيها جميعاً للانتحار الجماعي. ضاع الكثير من أوطاننا والأكثر آت في الطريق، وإن كان القابض على دينه كالقابض على الجمر، أصدقكم القول لم تعد لدينا أياد نقبض فيها على ما تبقى من هذا الوطن.

الأعدقاء.. وما أدراك من هم الأعدقاء؟

نعم من هم الأعدقاء؟ استرجعت شريط حياتي وبحثت عن كم عدو خلته صديقاً، ضحك في وجهي فضحكت وفتحت قلبي وأمنته الكثير.. الكثير ثم نحرني على عتبات حقده وعقده وأنانيته. لماذا لا نتعلم من أخطائنا؟ لماذا قلوبنا مشرعة للخيانات والكذب؟ لماذا أرواحنا أرض مستباحة يعيث فيها أشباه الذئاب والثعالب كأنها محميتهم؟ في النهاية نحن من ربى صغار الضباع كقطط أليفة.. فإن كبرت والتهمتنا لا نصرخ ولا نستغيث.

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"