التصدق بقيمة الأضحية

قبسات فقهية
01:04 صباحا
قراءة 4 دقائق

الأضحية من شعائر الإسلام، وليس ثمة خلاف بين الفقهاء على مشروعيتها، وإنما الخلاف بينهم في وجوبها أو استحبابها، ومما يدل لمشروعيتها: ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم، إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض، فطيبوا بها نفسا (إهراق الدم: إراقته، والمقصود به هنا إراقة دم الأضاحي)، وما روي عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا فاطمة قومي إلى أضحيتك فاشهديها، فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها من كل ذنب عملتيه، وقولي: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، قال عمران: يا رسول الله هذا لك ولأهل بيتك خاصة فأهل ذلك أنتم، أم للمسلمين عامة ؟، فقال: بل للمسلمين عامة، وقد اختلف الفقهاء في حكم التصدق بقيمة الأضحية بدلا من ذبحها أو نحرها، ففريق منهم يرى أن ذبح الأضحية أفضل من التصدق بقيمتها، وهو قول ربيعة وأبي الزناد، وإليه ذهب الحنفية، والصحيح عن مالك وأصحابه أن الأضحية أفضل من التصدق بقيمتها إلا لمن كان بمنى يؤدي مناسك الحج، فإن التصدق بثمن الأضحية في حقه أفضل، لأنه ليس بموضع أضحية، وإلى هذا المذهب ذهب الشافعية والحنابلة، لحديث عائشة السابق، ولما روى عروة عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد، فأتى به ليضحى به، فقال لها: يا عائشة هلمي المدية، ثم قال: اشحذيها بحجر، ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه، ثم قال: باسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ثم ضحى به (معنى: يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد: أي هو أسود القوائم أسود ما يلي العين منه من الوجه وكذلك ما يلي الأرض منه إذا ربَض)، فقد أفاد الحديثان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى ورغب غيره في الأضحية، وأدنى ما يحمل عليه هذا الترغيب استحباب الأضحية وأفضليتها على التصدق بثمنها، إذ لو كان الأفضل الصدقة بقيمتها لكان أولى الناس بفعل ما فيه فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أنه لا يرغب المسلمين إلا فيما كان فيه فضل على غيره، إذ لا يسوغ أن يحضهم على فعل المفضول وترك الفاضل، وثبت أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبحوا أضاحيهم، ولو علموا أن التصدق بقيمتها أفضل لعدلوا إليه، ولأن الأضحية تفوت بفوات وقتها، أما الصدقة فيؤتى بها في الأوقات كلها، فنُزلت الأضحية منزلة الطواف بالبيت والصلاة في حق المحرمين بالحج أو العمرة من الآفاق، ولأن إيثار التصدق بقيمة الأضحية يفضي إلى ترك سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أن التصدق بثمن الأضحية لا يعدو أن يكون صدقة تطوع، وأما ذبح الأضحية فهو إقامة لسنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإقامة السنة أفضل من التطوع، ولأن الأضحية مختلف في وجوبها، بخلاف صدقة التطوع فإنها دونها في الحكم، فكانت الأضحية أفضل من التصدق بثمنها، ولأن التضحية شعار ظاهر من شعائر الإسلام، فكانت أفضل من التصدق بثمنها الذي ليس بهذه المثابة، ولأن الأضحية تقع واجبة أو سنة، وأما الصدقة فإنها تطوع محض فتفضل الأضحية على التصدق بثمنها، ويرى فريق آخر من الفقهاء أن التصدق بقيمة الأضحية أفضل من ذبحها، روي هذا عن عائشة وبلال، وهو قول الشعبي والثوري وروي عن مالك أفضلية التصدق بثمن الأضحية لمن كان بمنى في حق من يؤدي مناسك الحج، وروي عنه أنها أفضل مطلقا بمنى أو غيرها، لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: لأن أتصدق بخاتمي هذا أحب إلي من أن أهدي إلى البيت ألفا، وروى سويد بن غفلة عن بلال رضي الله عنه قال: ما أبالي ألا أضحي إلا بديك، ولأن أضعه في يتيم قد ترب فوه فهو أحب إلي من أن أضحي (ترب فوه: عبارة عن الجوع)، وروى عبدالله بن عمير مولى ابن عباس عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أعطى مولى له درهمين، وقال: اشتر بهما لحما، ومن لقيك فقل هذه أضحية ابن عباس، إذ أفادت هذه الآثار بأن عائشة وبلالاً وابن عباس رضي الله عنهم استحبوا التصدق بثمن الأضحية والهدي على ذبحها، والذي أراه راجحا من رأي الفريقين هو ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول، من أن ذبح الأضحية أفضل من التصدق بقيمتها، لما استدلوا به على مذهبهم في الجملة، ولأن الأضحية شعيرة من شعائر الإسلام، وقد أمر الله تعالى بتعظيم شعائره، وتعظيم شعيرة التضحية يكون بذبحها أو نحرها، وليس التصدق بقيمتها، وأقوال بعض الصحابة الدالة على أفضلية الصدقة على الأضحية، لا تقوى على معارضة السنة الثابتة الحاضة على أفضلية الأضحية، لأنها مجرد أقوال منهم لا تثبت أمام ما أمر الله تعالى به في كتابه من قوله سبحانه: فصل لربك وانحر، وما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله من ذبحها أو نحرها، ولذا فإن أقوال الصحابة لا تقوم حجة لمن رأى أفضلية التصدق بثمن الأضحية على التضحية بها.

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"