الحسد شر يحرق النعمة

الشعوب العربية تتبارى في الوقاية منه
12:50 مساء
قراءة 6 دقائق

قال رسول الله صلي الله علية وسلم العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وفي العصر الحالى أكد العلماء وجود أشعة غير مرئية تخرج من عين الحاسد فتصيب من يحسد وتسبب له اضراراً مادية مرئية، ولعل التيقن من وجود الحسد هو الذي جعل الشعوب العربية تتبارى في الوقاية منه ومن العين الحاسدة تارة عبر طقوس دينية واخرى شعبية كل حسب إرثه الثقافي وعاداته وتقاليده. وتتباين عادات التعامل مع الحسد من بيئة للأخري فمنهم من يتجنب الحاسد تماماً والبعض يهرب من مواجهته وآخرون يتدثرون بالسواد وهناك من يتأبط حدوة حصان أو خميسة دائماً.

يقول ناصر الحاج (إماراتي موظف بحكومة دبي الالكترونية)، إن الحسد في الامارات معروف والوقاية والعلاج منه عبر وسائل اجتماعية ودينية، حيث يتم في كثير من الاحايين علاج المحسود عبر (المطوع) الذي يقرأ عليه آيات من القرآن الكريم مع الرقية الشرعية من الكتاب والسنة. ومن الوسائل الاجتماعية عدم إظهار النعمة في مواجهة الحاسد وكتابة آية الكرسي على لفة سوداء مع خرزة زرقاء وبخور خاص وتوضع على الأشياء المراد حمايتها من الحسد سواء كانت سيارة جميلة أو منزلاً فخماً أو أياً من افراد الاسرة، هذا بجانب العديد من العبارات والآيات القرآنية التي تكتب في السيارة لتشغل الحاسد بقراءتها وتلهيه عن السيارة.

ويقول نبهان الجسمي من سلطنة عمان إن الوقاية والعلاج من الحسد تتم عبر (المطوع) الذي يرقي المصاب أو المراد وقايته من الحسد. وهناك بعض الممارسات كوضع الخرز أو قطعة قماش سوداء على السيارة أو حدوة حصان لكنها ممارسات غير شائعة ونادرة الحدوث والمتعارف عليه هو الرقية الشرعية من الكتاب وسنة رسول الله بجانب تجنب إظهار النعمة أمام الحاسد.

يقول محمد شعبان (مصري): يعيش الحسد بيننا منذ آلاف السنين، فألفناه واعتدنا عليه حتى صار جزءاً من ثقافتنا، ومنذ صغرنا تعودنا أن نحذره ونتقي شره ولأننا معرضون له في أي لحظة اعتدنا في مصر كثيراً على مقولات مثل خمسة وخميسة وامسك الخشب وداري على شمعتك... تقيد وغيرها من الأقوال التي نعتقد في صحتها بل ونؤمن بها في كثير من الأحيان.

والحسد عند المصريين، يعني أن شخصاً ما عينه وحشة أو صفرا أي أنه بمجرد أن يرى أثر النعمة عليك فإنه حاسدك حتى تزول عنك لدرجة أن هناك أشخاصا في أرياف مصر مشهورون بحسدهم للغير، لذا يتجنبهم الناس ولا يتحدثون أمامهم مطلقاً، إلا أن ظاهرة الحسد فاقت هذا النطاق وانتشرت بشدة حتى أصبح الكل يخشى أعين الكل، فإذا اشترى أحدنا سيارة جديدة تجده يبرر ويعطي ألف سبب للناس عن مدى وقوعه في ديون لا حصر لها كي يشتري هذه السيارة، وإذا أراد أن يخبر أصدقاءه أنه انتقل إلى وظيفة جديدة فعليه أن يذكر مساوئها وعيوبها وعن التضحيات التي قام بها ليحصل عليها وعن العناء والمجهود الخرافي الذي يبذله لكي يحتفظ بها.

ويضيف: لم تكن ظاهرة الحسد متفشية في المجتمع المصري لهذه الدرجة، فقد كانت حتى سنوات قريبة لا تتعدى المناطق الريفية والنائية، ولأني من مواليد الأرياف أذكر جيداً حين كنت صغيراً كيف كانت تقوم والدتي بتربية الدجاج والطيور وكانت ترفض تماماً أن يراها أي شخص غريب حتى لا يحسدها وكنت أتساءل: كيف يمكن لشخص أن يحسد أو يضر شيئاً لمجرد أن يراه، وقدمت لزيارتنا من المدينة إحدى القريبات وأرادت رؤية الحياة الريفية واضطرت أمي لأخذها في جولة على مضض ولم تمضِ سوى أيام قلائل حتى بدأت الطيور في النفوق فتعلمنا وقتها درساً عن الحسد ما زلنا نتذكره حتى اليوم.

يقول نواف الحوشان من الرياض بالمملكة العربية السعودية: انه لا توجد طقوس خاصة أو طلاسم في السعودية للتعاطي مع الحاسد والمحسود فالمرجعية من الكتاب وسنة رسوله الكريم، بالتحصن بالله والتعوذ به، وذلك بالمواظبة على ذكر الله بعموم، والاستعاذة من شر الحاسد إذا حسد، فإن هذا الذكر أكبر حماية وحصانة للعبد من شر شياطين الجن، وشياطين الإنس.

ويقول المهندس احسان الادريسي (أردني): إن الحسد والطقوس والشعائر الغريبة الخاصة به في الاردن تتمركز في المناطق الشعبية واحيانا تكون أقرب الى الشعوذة، ومن الممارسات المعروفة لمنع العين والحسد عن السيارة ان يوضع عليها يد في قلبها عين زرقاء بجانب رش البيت والاشياء المراد حمايتها من الحسد والحاسدين بالملح والشب الابيض فضلا عن اطلاق البخور وفي الاوساط المتعلمة فإن التعاطي مع الحسد والحاسدين يكون عبر القرآن الكريم والاحاديث النبوية والرقية الشرعية المعروفة وقراءة الإخلاص والمعوذتين وآية الكرسي.

وعن الحسد والحاسدين في سوريا تؤكد رغدة غوري أن المجتمع السوري يتعامل بحساسية مفرطة وهلع من الحسد والحاسدين، واجتماعيا يكون الحاسد منبوذًا والكل يهرب من مقابلته ومجالسته ومحادثته ولايزورنه ولا يسمحون له بزيارتهم خوفاً من عينه مشيرة الى ان الممارسات التي تتم للوقاية من الحسد كثيرة منها رش الملح على البيت وتعليق الخرزة الزرقاء على الجدران والسيارات الجديدة وعلى فراش المولود الجديد فضلاً عن قراءة القرآن الكريم والتعوذ من الحسد والحاسدين قبيل الخروج من المنزل.

وعن الحسد والحاسدين وكيفية الوقاية منهم في السودان توضح أروى الربيع (باحثة في التراث السوداني) ان الحاسد في السودان له صفات معروفة ومرفوضة من قبل المجتمع. والطقوس الاجتماعية لمحاربته تتنوع بتنوع المناسبات ففي الزواج يتم وضع الجرتق من الحرير الاحمر على ذراع العريس والعروس فضلا عن الخرز والصندل وبعض الاخشاب المختارة كتاج على رأس العريس مع بعض المساحيق تسمى محليا (الضريرة)، وذات الامر يتم عند حفلات ختان الاطفال ويتم حماية السيارات والاشياء الثمينة بالحجاب وهو آيات قرآنية مكتوبة على الجلد أو القماش تلبس كأسورة أو عقد أو حتى كحزام في بعض مناطق السودان والبخور أساسي في جميع هذه الطقوس ويسمى بخور (أم التيمان) وهي ترياق مضاد للحسد والحاسدين وعيونهم الزرقاء. وفي السودان تسمى عين الحاسد (العين الحارة) ويقال للحاسد أبو عين حارة ومن سبل الوقاية ودفع الحسد ايضا حمل الحبة السوداء أو تعليقها على السيارات أو كتمائم للاطفال.

ويقول سامي حسين محمود (لبناني): إن الحاسد في لبنان منبوذ والامثال الشعبية تحاربه منها (العين البصاصة فيها رصاصة) و(عين الحاسد بالعمى) ويتم طرد عين الحاسد برسم العين مخترقة بسهم ناري ورش البيوت بالملح وتذويب رصاصة على صينية ماء ساخن فوق رأس الصبي المحسود لطرد الحسد وتعليق النضوة (حدوة الحصان) على جدران البيوت والسيارات لحمايتها من الحسد بجانب تعليق المعوذتين أو آية الكرسي على السيارات الجديدة.

وتقول المغربية فاطمة عبدالرحمن، التراث المغربي مملوء بالغرائب في ما يتعلق بمحاربة السحر والحسد والحاسدين، منها إذا رأيت حاسدا وتخوفت منه بسحب لسانك مطويا الى الداخل مع قراءة المعوذتين وآية الكرسي كما يتم تعليق (خميسة) على شكل كف اليد من الذهب أو الفضة على الاشياء المراد حمايتها من الحسد والحاسدين بجانب حمل لفافات تحوي الحرمل والينسون وسبع حبات من الحبة السوداء لكل من يخاف الحسد أو توضع على السيارة أو تعلق على جدران البيت وكل من يثبت أنه حاسد وعينه زرقاء يتم التعامل معه بحذر وتبعد عنه أشياءك الجميلة وأفراد أسرتك ولا تظهر نعمة امامه ولا تزوره ولا تسمح له بدخول دارك.

وتقول بدرية محمد علي (عراقية): ان معظم الشعائر والطقوس العراقية للطوائف الدينية المختلفة بالعراق لطرد الحسد مستمد من الكتاب والسنة مع بعض الادعية والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم بجانب استخدام التمائم والبخور لحماية الافراد والممتلكات من السحر والحسد وعين الحاسدين. * ويقول عبدالعزيز محمد ابو الغيط (إمام وخطيب مسجد سلمان الفارسي بدبي): إن القلب الأسود المظلم يفسد الأعمال الصالحة ويطمس بهجتها ويعكر صفوها، أما القلب المشرق فإن الله يبارك في قليله، وهو إليه بكل خير أسرع، ولذلك وصف الله تعالى الجماعة المسلمة حقا فقال: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم). ومن هنا جاءت الحملة شديدة على واحد من رذائل الأخلاق وأمراض القلوب هو الحسد، حرمه الإسلام تحريماً قاطعاً، وأمر الله رسوله من أن يستعيذ من شر الحاسدين، لأن الحسد جمرة تنقد في الصدر فتؤذي صاحبها وتؤذي الناس به.

ويضيف: والحاسد هو الذي يتمنى زوال النعمة عن غيره وأن يتمنى أن تكون له بدلا من غيره، والشخص الذي يتمنى زوال النعم عن عباد الله آفة تحذر غوائلها على المجتمع ولا يطمئن إلى ضميره في عمل وقال رسول الله: (لا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد).

وعن أبي هريرة أن رسول الله: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولاتجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا).

وحذر منه الرسول وبين عاقبته وأثره في الحسنات التي تذهب هباء مع الحسد فقال: (إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب).

وعلاج الحسد يتم بقراءة المعوذتين والإخلاص على المحسود، وعلى من يرى نعمة وإن كانت على نفسه أن يسمي ويقول تبارك الله ماشاء الله.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"