من أهم دعائم السعادة والاستقرار والطمأنينة بين الناس أن يستقر العدل بينهم، كي يطمئن الجميع على حقوقهم، أغنياء أو فقراء أو أقوياء أو ضعفاء . . فليس أدعى إلى الشقاق والفتن، من سلب الحقوق وسطو الأقوياء على حقوق الفقراء وتسلط الجبارين على الآمنين والمسالمين في غيبة العدالة بين العباد، فهذا من شأنه أن يهدد المجتمع بالأخطار التي تحمل الناس ما لا طاقة لهم، به من آثار الخصومات والضغائن والأحقاد والفتن التي تقضي على الأخضر واليابس وتهدد الأمن والسلام .
لذلك كان القضاء من الأمور المقدسة عند كل أمة من الأمم . . لكنه في حضارتنا الإسلامية يكتسب أهمية خاصة، فالإسلام في نظامه التشريعي قد أحاط القضاء بهالة من القدسية تحقق الهدف المنشود، وهو نشر العدالة بين الناس بمفهومها الشامل .
يعبّر الداعية والفقيه الدكتور نصر فريد واصل أستاذ الشريعة الإسلامية ومفتي مصر الأسبق عن اعتزازه بكتابه السلطة القضائية ونظام القضاء في الإسلام حيث يراه إضافة حقيقية إلى المكتبة الإسلامية خاصة في هذا المجال الحيوي الذي لم يكتب فيه الكثير من الباحثين والعلماء المعاصرين، رغم أهميته والحاجة الماسة إلى إبراز الآداب والضوابط والإجراءات التي جاء بها الإسلام لتحقيق العدل بين الناس ونشر ثقافته بينهم . . لذلك كان من الطبيعي أن يبدأ المؤلف كتابه بمقدمة يعدد فيها النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تجسد اهتمام الإسلام بتحقيق العدل بين الناس ومن أبرزها قول الحق سبحانه إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل .
ثقافة العدل في الإسلامي
ويوضح الدكتور واصل أن ثقافة العدل في الإسلام لا يوجد لها مثيل في أية شريعة سماوية أو منظومة قانونية أخرى، فالعدل اسم من أسماء الخالق عز وجل، والآيات القرآنية التي أكدت ضرورة إقراره بين الناس أكثر من أن تحصى، وقد جعله الإسلام حقاً من حقوق الإنسان فمن حق كل إنسان أن يتعامل معه الآخرون بالعدالة والإنصاف فلا يعتدي أحد على حقوقه المادية والأدبية . . وإلى جانب كل ذلك جعل الإسلام العدل بين الناس من أفضل أعمال البر التي يتقرب إلى الله بها، ولهذا كان كبار علماء وفقهاء الأمة يتقربون إلى خالقهم بما يصدر عنهم من أحكام عادلة ومنصفة للضعفاء وكان عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يقول لأن أقضي يوماً أحب إلي من عبادة سبعين سنة ومراده أنه إذا قضى يوما بالحق .
ولأن القضاء هو وسيلة تحقيق العدل بين الناس كان اهتمام الإسلام به، وقد تعددت مظاهر هذا الاهتمام وتنوعت، فأولى الفقهاء المسلمون القضاء عناية كبيرة ووضحوا الآداب والضوابط الحاكمة له، وأبرزوا ما يحتاج إليه من تنظيم وخصصوا له مكاناً بارزاً ضمن أبواب الفقه الإسلامي، ونادراً ما يخلو كتاب من كتب الفقه على اختلاف مذاهبه من بحوث تتعلق بالقضاء، لأنه أكثر أبواب الفقه تطبيقا وصلة بالحياة .
يقول المؤلف ولقد كان نظام القضاء في الإسلام محكماً ومؤدياً للدور الذي أعد له على نحو فاق غيره من الأنظمة الأخرى التي تبدو ناصعة براقة، وذلك للنتائج الطيبة التي حققها القضاء أثناء التطبيق، فإن الأعمال بخواتيمها، وقيمة النظريات والمبادئ بحسب صلاحها ونجاحها بعد التجربة والتنفيذ، وثبت من التجربة أن نجاح النظام بنجاح القائمين عليه فقد كان القضاء في الإسلام يمثل صفحة مشرقة من صفحات التاريخ الإسلامي اللامع، وكانت أحكامهم ونزاهتهم واستقلالهم وتجردهم مضرب المثل، ومحط الأنظار وكانت المساواة بين الخصوم، وإقامة العدالة بينهم، مهما تفاوتت مكانتهم الاجتماعية والدينية سببا مباشرا في اعتناق الإسلام والانضواء مع المسلمين في العقيدة .
ولكن هذه المكانة العظيمة التي احتلها القضاء، والدور الفعال الذي يقوم به لفتا الأنظار نحوه فطمع به أصحاب الأهواء، وتنافس عليه السوقة ووصل إلى منصة العدالة الجهلة من الناس، فأساؤوا إليه وشوّهوا أغراضه وكانوا وصمة عار في جبين التاريخ، وسادت الرشوة والجور وشراء الوظائف في بعض الأحيان، فتنبه إلى ذلك العلماء والصالحون وحذروا منه، وبيّنوا شروط القاضي وشروط تعيينه، وأبرزوا مخاطر القضاء، وأعلنوا التخويف منه ونشروا الأحاديث الواردة في التشديد من قضاء الجور وذهبوا إلى تفضيل ترك القضاء على قبوله بالنسبة إلى من توافرت فيه الأهلية والشروط فكيف بمن يفقدها؟
على نهج الرسول
وبعد أن تحدث المؤلف عن تاريخ القضاء عند الأمم السابقة، أكد أن المسلمين أرسوا أسس وقواعد القضاء العادل الذي يعطي كل ذي حق حقه، وهذا ليس بغريب على قضاء مارسه رسول الله صلى الله عليه وسلم، باعتباره القاضي الأول في تاريخ الأمة الإسلامية والأعظم في تاريخ البشرية كلها . وقد سار على نهجه في إقرار أسس وقواعد العدل بين الناس الخلفاء الراشدون، فأوضح الدكتور واصل أن الخليفة الأول أبا بكر الصديق رضي الله عنه، نهج نهجاً موضوعياً في كل ما صدر عنه من أحكام قضائية حيث كان يرجع إلى كتاب الله أولا في القضية المعروضة عليه للفصل فيها . . فإذا لم يجد في الكتاب حكما في النزاع الذي ينظره حكم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يجد في السنة استشار عقلاء الناس فإذا أجمعوا على شيء قضى به .
ثم انتقل المؤلف للحديث عن القضاء في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه مؤكداً أنه حظي باهتمام أكبر، حيث وجه عمر عناية كبيرة إلى القضاء ودعمه واهتم بشأنه، خصوصا بعد أن فتح الله على المؤمنين بلاد الشام والفرس والعراق ومصر وامتد الإسلام إلى أماكن مختلفة من العالم خارج الجزيرة العربية . . فأمام هذا التوسع الكبير للدولة الإسلامية في ذلك الوقت كان من الضروري أن يستعين عمر رضي الله عنه بالقضاء، وأن يجعل سلطة القضاء مستقلة عن سلطة الوالي في بعض الولايات التي تحتاج إلى ذلك، ليتفرغ الوالي للأعمال الأخرى التي كان لزاماً عليه أن يتفرغ لها، وفي مقدمتها نشر الأمن والطمأنينة في أنحاء ولايته وحمايتها من خصومها والترصد لحركاتهم ومؤامراتهم .
وبعد استعراض عناية الخليفة الثالث عثمان بن عفان، رضي الله عنه، بالقضاء ورعايته الفائقة له . وكذلك علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، والذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله اللهم علمه القضاء . . أوضح المؤلف مكانة القضاء ومظاهر الرعاية والاهتمام بالقضاة في عهد الأمويين، حيث كان القضاء مستقلا ولم يتأثر بالسياسة، وكان القضاة مستقلين في أحكامهم لا يتأثرون بميول الدولة الحاكمة، بل كانوا مطلقي التصرف وكلمتهم نافذة حتى على الولاة . وفي عهد الأمويين بدا الاهتمام واضحا بتدوين الأحكام القضائية، حيث ظهرت الحاجة إلى وجود سجلات تدون فيها الأحكام التي يصدرها القضاة وذلك لكثرة المشكلات والمنازعات المختلفة على عكس ما سبق في عهد الخلفاء الراشدين، فقد أدى تنكر الخصوم في بعض الأحيان لأحكام القضاء إلى إدخال نظام السجلات .
تجاوزات السلطة
وبموضوعية الباحث وأمانة العالم يسجل الدكتور واصل تجاوزات السلطة مع القضاة، خاصة في العصر العباسي الثاني، حيث برز بوضوح تدخل السلطة في أحكام القضاء حيث دفع الحكام القضاة في كثير من الأحيان إلى السير وفق رغبتهم، ولهذا السبب فكثيرا ما كان يعتذر القضاة عن عدم قبول التعيينات في المناصب القضائية، مع علمهم بشرف القضاء وفضله بين الناس، وذلك خشية تدخل الخلفاء في أحكامهم القضائية، وقد ضعفت روح الاجتهاد في هذا العصر بسبب ظهور المذاهب الأربعة، وأصبح لزاما على القاضي أن يصدر أحكامه وفق أحكام هذه المذاهب، كما اختلف القضاة في الولايات باختلاف هذه المذاهب، وأصبح المذهب الشائع في العراق مذهب أبي حنيفة النعمان، وفي الشام والمغرب والأندلس كان القضاة يصدرون أحكامهم وفق مذهب الإمام مالك، وفي مصر وفق مذهب الإمام الشافعي .
وبعد أن يستعرض المؤلف أنواع القضاء حيث يقسمه إلى نوعين رئيسين هما: القضاء العام والذي يختص بجميع أنواع القضايا، وقضاء المظالم وهو ما كان يطلق عليه مجازاً ديوان المظالم يتحدث عن حكم ولاية القضاء، مؤكداً أن تعيين القضاة فرض عين على الحاكم لأن القاضي ينصّب لإقامة أمر مفروض واجب الأداء وهو القضاء .
شروط وآداب
ثم ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن الشروط الواجب توافرها في القاضي ليكون مؤهلا للحكم العادل بين الناس . . وفي الإسلام لابد أن تتوافر في القاضي شروط أبرزها: الإسلام، والبلوغ والعقل والحرية . ويضاف إلى هذه الشروط عند بعض الفقهاء الذكورة وسلامة حاستي السمع والبصر والقدرة على النطق والكلام والعلم بالأحكام الشرعية والمراد بذلك العلم: القدرة على الاجتهاد .
وهنا ينبّه الدكتور واصل إلى ضرورة التدقيق في اختيار من يتولون هذا المنصب الرفيع في بلادنا العربية والإسلامية الآن، حتى يكون العدل والإنصاف هو هدف كل من يحكم بين الناس ويتصدى لإنهاء الخصومة بينهم .
يقول المؤلف يجب على ولي الأمر في الدولة الإسلامية أو نائبه قبل أن يقدم على تولية القاضي، أن يكون على علم بأنه صالح لولاية القضاء مستوفيا لجميع شرائطها اللازمة لها، فإن لم يحسن الاختيار كانت التولية باطلة .
ويتحدث المؤلف بعد ذلك عن الآداب الواجب على القاضي المسلم أن يراعيها ويلتزم بها في قضائه وأبرزها:
الحكم في اختصاصه فقط حسب ما ولّي فيه من قضاء سواء كان ذلك في الموضوع أو محل الولاية، فإن خالف في ذلك لا يعتد بما يصدره من أحكام ولا يحوز قضاؤه قوة التنفيذ والقضاء .
ألا يحكم لنفسه ولا لأي من أقاربه .
الامتناع عن قبول الهدية أو الرشوة . . ولذلك لابد أن يكون القاضي طوال مسيرته حسن السمعة، نظيف اليد، بعيداً عن كل الشبهات .
القدرة على العدالة والإنصاف والتسوية بين الخصمين في كل شيء حتى لو كان أحدهما من علية القوم والآخر فقيرا .
عدم زجر الشهود فلا يزجر شاهدا ولا يعنفه، لأن ذلك يمنعه من أداء الشهادة على وجهها الصحيح وقد يدعو ذلك الشاهد إلى ترك القيام بتحمل الشهادة وأدائها، وفي ذلك تضييع للحقوق بين الناس، وهذا يتعارض مع مهمة القاضي الرئيسية وهي الحكم بين الناس بالعدل وإعادة الحقوق المغتصبة إلى أصحابها .
وينتهي المؤلف إلى تأكيد حقيقة مهمة، وهي أن مجتمعاتنا العربية والإسلامية المعاصرة لن تشهد استقرارا وأمانا إلا إذا ساد العدل بين الناس واسترد كل صاحب حق حقه . وهذا لن يتم إلا باستقلال القضاء وتوفير مقومات نزاهته .
يقول المؤلف: لقد راعى الإسلام الجوانب الشخصية والبناء العقيدي في القاضي بطريقة لم ترق إليها أية شريعة أو نظام آخر، فقد راعى الإسلام الجانب العقيدي والجانب الأخلاقي وركز على ذلك كثيرا، بحيث لا يكون القاضي في قضائه معزولا بحصانته عن كل خوف، بل أمامه الثواب والعقاب والجزاء والحساب الذي ينتظره من الله إن خيرا فخير وإن شرا فشر . كما ركز الإسلام على الجانب الشخصي في هذا الشخص الذي يمسك بزمام العدالة ويعتلي منصب القضاء، فاشترط فيه مظهرا معينا يليق بذلك وشروطاً لابد من توافرها فيه، وإلا فهو غير أهل لأن يكون من بين رجال العدالة .