السودان يستعد لـ "معركة إبريل"

02:33 صباحا
قراءة 7 دقائق

يبدو مسار موقف المعارضة السودانية من قضية الانتخابات كخطين متوازيين،حيث ترفع بيمينها شعار خوض الانتخابات كقرار يرفد الديمقراطية، وتلوح بيسارها بشروط عسيرة التحقيق قبل موعد إجراء الانتخابات في إبريل/ نيسان المقبل .

ومعروف أن الخطين المتوازيين لا يلتقيان، ويبدو أن ذراعي المعارضة لن يقتربا من بعضهما بعضاً، لأن الفترة المتبقية لإنجاز مطالبها من أجل خوض الانتخابات قصيرة ولن تحقق شيئاً فضلاً عن أن حزب المؤتمر الوطني بزعامة الرئيس عمر البشير ومفوضية الانتخابات برئاسة ابيل الير،لن تغير في الأمر خلال أقل من ثلاثة أشهر قبل الاقتراع .

وحتى ذلك التاريخ مطلع إبريل/ نيسان المقبل، ستظل المعارضة السودانية تقدم رِجلاً وتؤخر أخرى، طبقاً لمراقب، لكنه يؤكد أن المعارضة ستخوض الانتخابات في كل الأحوال . ومع أن تحالف أحزاب المعارضة لا يزال يكرر أن الأوضاع الحالية بالبلاد لا تمكّن من قيام انتخابات حرة ونزيهة، فإن اجتماعاً أخيراً شهد خلافات شديدة بين الأحزاب حول الانتخابات، فهناك من يقول بضرورة إعلان المقاطعة في وقت مبكر، وآخر يشير إلى إمكانية القرار بخوض الانتخابات وتكثيف المطالبة باستحقاقات التحول الديمقراطي، ويمكن الانسحاب من الانتخابات في اللحظات الأخيرة .

الاجتماع الذي عقدته المعارضة السودانية يوم الأحد الماضي، خرج بمطلب تأجيل الانتخابات من إبريل/ نيسان حتى نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، وهو ما تعده مفوضية الانتخابات ومن خلفها حزب المؤتمر الوطني سابع المستحيلات وفقاً لمسؤول سوداني . وأكدت المفوضية القومية للانتخابات أن الانتخابات قائمة في موعدها في إبريل المقبل وأنها ملتزمة بالجدول الزمني الذي سلمته للجهات المعنية في هذا الصدد .

ويوضح البروفيسور عبدالله أحمد عبدالله نائب رئيس المفوضية وناطقها الرسمي أن المفوضية ماضية في تنفيذ جدولها الزمني الذي حددته لإجراء الانتخابات، وأنها حتى الآن لم تتسلم أي طلب ومن أي جهة لتأجيل الانتخابات . ويقول أحد قياديي المؤتمر الوطني إن الموعد ضرب منذ خمس سنوات في اتفاقية السلام، ويضيف أن الانتخابات لم تأت فجأة من السماء ليدور كل هذا اللغط، بل هي محددة سلفاً .

المعارضة التي تتمسك بمطالب تجميد القوانين المقيدة للحريات ورفع حالة الطوارئ في دارفور، وتصحيح ما وصفته بأخطاء السجل الانتخابي، انقسمت على نفسها، فحزب البعث العربي الاشتراكي أعلن صراحة مقاطعته للانتخابات، أما الحزب الشيوعي فقرر خوض الانتخابات في جميع مستوياتها بما في ذلك رئاسة الجمهورية، حيث رشح زعيمه محمد إبراهيم نقد، واكتفى الحزب بالتأكيد على ضرورة تحقيق مطالب الديمقراطية، ورشح حزب الأمة زعيمه الصادق المهدي، أما الدكتور حسن الترابي زعيم حزب المؤتمر الشعبي الذي رشح أحد معاونيه لرئاسة الجمهورية، فقد غادر الاجتماع بعد شد وجذب شديدين، بينما غابت الحركة الشعبية عن الاجتماع الذي تأجل كثيراً بطلب منها، بيد أن قرار غالبية الحاضرين كان مع خوض الانتخابات .

وأكد بيان صادر من قادة الأحزاب، مواصلة العمل من أجل خوض الانتخابات بموجب برنامج يدعم استحقاقات اتفاقيات السلام والإصلاحات المطلوبة، ودعا البيان لتشكيل آلية عليا لمتابعة خوض الانتخابات ولتحقيق أعلى درجة من التعاون من أجل الإصلاحات الانتخابية المطلوبة . وأشار البيان إلى أن هنالك بعض الفصائل قررت مقاطعة الانتخابات في حال اليأس من إجرائها في أجواء ديمقراطية، واعتبر الانتخابات فرصة تعبوية كبيرة لتحقيق أعلى درجة من المكاسب الوطنية، وأكد أنه في حال عدم تحقيق هذه المكاسب فإن خوض الانتخابات يقوي حيثيات الطعن في نزاهتها وما سيترتب على ذلك من تعبئة شعبية .

ويرى مراقبون أن أحزاب إعلان جوبا فشلت في الوصول لموقف موحد من الانتخابات، لكنها أقرت التعبئة لمناهضة القوانين المقيدة للحريات، وقررت رفع مذكرة للقصر الرئاسي والأمم المتحدة بشأن قانون الأمن ورفع الطوارئ عن دارفور وتهيئة بيئة صالحة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وتأجيل الانتخابات إلى نوفمبر/ تشرين الثاني 2010م .

وغابت الحركة الشعبية عن الاجتماع المثير للجدل، فتحالف قوى المعارضة يطلق عليه إعلان جوبا نسبة للمؤتمر الشهير الذي انعقد في عاصمة الجنوب في أيار/ مايو الماضي، وتبنته الحركة الشعبية، غير أن مراقبين يشيرون إلى أن إسفيناً دق بين الحركة وأحزاب المعارضة إبان تداعيات القوانين المثيرة للجدل في البرلمان والتي كانت المعارضة ترفض تمريرها بصورتها الراهنة وتستعجل تغييراً جذرياً فيها، بيد أن الحركة الشعبية، ساهمت بشكل أو بآخر في تمرير تلك القوانين، وثارت أحاديث عن صفقة تمت بين حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية حول تلك القوانين، وهو ما نفاه الشريكان أكثر من مرة .

وبدأ الفراق جلياً بين حلفاء جوبا، أو بالأحرى بين الحركة الشعبية والآخرين الذين يعتريهم الإحساس بأن الحركة استغلتهم كمطية لتحقيق أهدافها، من دون الوقوف بصلابة مع مطالبهم بمستحقات التغيير الديمقراطي، وتشير مصادر إلى أن الاتهام وجه علانية لقيادات الحركة في اجتماعات تحالف جوبا .ومع النفي المتكرر من جانب الحركة والتأكيد على الوقوف على أرضية واحدة مع المعارضة، إلا أن دلائل كثيرة تشير إلى عكس ذلك، ومع مرور الوقت واقتراب موعد الانتخابات لم تحقق الحركة الشعبية أي تحالف مع أي من أحزاب المعارضة لجهة خوض الانتخابات، بل إنها انفردت بتسمية مرشحيها في عدة جبهات، خاصة رئاسة الجمهورية التي كانت تشكل قاسماً مشتركاً أعظم في مباحثات ومناقشات الحركة مع حلفائها، حيث تناولت اعتماد مرشح واحد في إطار تحالف المعارضة ضد الرئيس عمر البشير .

واستبق اعتماد مرشح الحركة الاجتماع بيوم واحد وكانت الحركة قد طلبت تأجيله لحين الفراغ من اجتماعات مهمة . وركز مرشح الحركة الشعبية لرئاسة الجمهورية ياسر عرمان على مطالب المعارضة كبرنامج انتخابي، يشير المراقبون إلى أنه قصد بث تطمينات للمعارضة بأن التحالف قائم حتى نهاية المطاف،حيث قال إنه سيجلب السلام إلى دارفور، وأنه سينهي الوضع القائم الذي يرفض الإصلاحات، وأن أولوياته إذا انتخب رئيساً ستشمل إصلاحات لأجهزة الأمن السودانية، وسن تشريع جديد لحقوق الإنسان، ومحاربة الفساد، وتحويل إيرادات النفط بعيداً عن الإنفاق على الأسلحة إلى التنمية الزراعية .

وسارع المؤتمر الوطني في إطار إبعاد الشبهات إلى اعتبار ترشيح ياسر عرمان انفصالاً مبكراً للجنوب، وقال رئيس قطاع الجنوب الأسقف قبريال روريج أمين أمانة بحر الغزال الكبرى إن التحالف مع الحركة الشعبية يخضع للدراسة وفق اعتبارات كثيرة أهمها أنها قررت الانفصال مبكراً بترشيحها لياسر عرمان لرئاسة الجمهورية قبل انتظار نتائج الاستفتاء، مبيناً أن هذه الخطوة تعمق معاناة مواطني الجنوب الذين يرغبون في مرشح جنوبي . وأوضح في ذات السياق أنهم في المؤتمر الوطني وحدويون ويعملون لتحقيق الاستقرار السياسي في السودان بتحملهم للمسؤولية التاريخية لتنفيذ اتفاقية السلام .

لكن باقان أموم الأمين العام للحركة، قال إن اختيار مرشحي الحركة للانتخابات تم بشكل مدروس ومنهجي عبر لجان مختصة وبموافقة ومباركة قواعد الحزب بمختلف مناطق السودان . وأكد أموم، قوة وجاهزية الحركة للفوز بالانتخابات في أعقد الظروف . وقال ياسر جعفر السكرتير السياسي لقطاع الشمال، إن ترشح ياسر عرمان لرئاسة الجمهورية سيمنح الحركة فرصاً أوسع لجعل خيار الوحدة جاذباً وتوقع أن تحدث الانتخابات المقبلة تغييرات كبيرة في عمليات البناء السياسي .

الاجتماع الشهير، الذي كال الاتهامات لمفوضية الانتخابات وبيئتها ووصفها بالضعيفة والمنحازة وكون لجنة عليا لمتابعة تنفيذ خوض الانتخابات والإصلاحات، قلل من الخلافات التي ثارت، وبدا كأنه ممارسة سياسية تكتيكية أكثر منه الخروج بموقف موحد حول الانتخابات، خاصة أن الخلافات بين الشريكين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية والتي كانت تشكل وقوداً مستمراً لديناميكية المعارضة تقلصت بتفاهمات الشريكين وانحصرت في خلاف حول الإحصاء السكاني في ولاية جنوب كردفان .

ويشير مصدر مطلع في الخصوص إلى أن الحركة الشعبية تبدو زاهدة في الشمال، حيث لم يترشح أي من قيادييها الاستراتيجيين للمنافسة لمنصب كبير في الشمال، ويقول إن الحركة تركت ظهر المعارضة مكشوفاً لحزب المؤتمر الوطني، ويرى أنه حتى ترشيح ادوارد لينو لولاية الخرطوم جاء في إطار البعد عن أي شبهة صفقة بين الشريكين، ويضيف المصدر أن إعلان سلفاكير زهده في منافسة البشير والترشيح في رئاسة الجنوب فقط، يكمل الإطار الذي بدأ نسيجه منذ سنوات قضى فيها سلفاكير بالجنوب أكثر شهورها بعيداً عن سدة الحكم الشمالي، واختفى اسم رياك مشار نائب سلفاكير الذي يعد أكثر المعتدلين المقبولين للمنافسة في رئاسة الجمهورية عن أي ترشيح، بينما لم يتوقع لصيقون بالشأن الجنوبي أن يترشح باقان أموم الأمين العام للحركة لأي منصب في الشمال مستندين إلى مواقف الرجل الحادة وعقيدة راسخة بتغليب مصالح الجنوب على الشمال .

وفي الإطار ذاته أعلنت الحركة الشعبية المنافسة على مناصب حكام الولايات في شمال البلاد ورشحت نائب رئيسها مالك عقار حاكماً لولاية النيل الأزرق، وعبدالعزيز الحلو حاكماً لولاية جنوب كردفان، ووزير الدولة للعمل محمد يوسف حاكماً لولاية الجزيرة، وعمر أبوروف حاكماً لولاية سنار، وحماد آدم حماد حاكماً لولاية النيل الأبيض، وعلي عمر فور حاكماً لولاية جنوب دارفور، وازدهار جمعة حاكماً لشمال دافور، وهاشم بامكار حاكماً للبحر الأحمر .

تقارير متفرقة، خلال الأجواء الانتخابية التي سادت الساحة السودانية، ترى أن المسؤولين لا يملكون مساحة كبيرة للمناورة إذا احتاجوا لإرجاء الانتخابات نظراً للتأجيلات التي حدثت في مرحلة الاستعداد، وتحذر من انه إذا لم تجر الانتخابات في إبريل/ نيسان، فسيضطر المسؤولون للانتظار حتى نهاية الموسم المطير في الجنوب في نوفمبر/ تشرين الثاني، وهذا بدوره سيقرّب موعد إجراء الانتخابات من موعد استفتاء مشحون على استقلال الجنوب من المقرر إجراؤه في يناير/ كانون الثاني 2011 .

والحال كذلك، تمضي العملية الانتخابية بكل فصولها على قدم وساق، فقد سحب 530 شخصاً استمارات الترشيح لانتخابات2010م، وفقاً لموسى محجوب رئيس اللجنة العليا للانتخابات بولاية الخرطوم، وأضاف أن أحد عشر شخصاً سحبوا استمارات الترشيح لمنصب الوالي، من بينهم خمسة أحزاب وستة مستقلين، فيما بلغ عدد الذين سحبوا استمارات الترشيح للمجلس الوطني 153 منهم (111) حزباً واثنان وأربعون مستقلاً، وبلغ عدد الذين سحبوا استمارات الترشيح للمجلس الولائي 192 مرشحاً، منهم 151 حزباً، و41 مستقلاً .

كما بلغ عدد الذين سحبوا استمارات الترشيح لقوائم المرأة 45 للمجلس الوطني، 63 للمجلس الولائي، فيما بلغ عدد الذين سحبوا استمارات الترشيح لقوائم الأحزاب 27 للمجلس الوطني 39 لمجلس الولاية . ويشار إلى أن 13 مرشحاً، قاموا بسحب استمارات الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية، من بينهم سبعة أحزاب وستة مستقلين، كان الرئيس عمر البشير المرشح الوحيد بينهم الذي أكمل متطلبات الترشيح .

وترجح كل الاحتمالات قيام الانتخابات في موعدها في إبريل/ نيسان بعدما تم تأجيلها مرتين، بينما لا يحفل مراقبون بالعملية الانتخابية أكثر من هواجس ما بعد الانتخابات، حيث ستعيد نتائجها تشكيل الخارطة السياسية في السودان، وسط تحديين أساسيين، الأول يتعلق بكيفية ضمان التداول السلمي للسلطة، والثاني هو كيفية الحفاظ على بقاء السودان موحداً ومستقراً وآمناً .

ومع اقتراب موعد الانتخابات يبدو حزب المؤتمر الوطني الحاكم بزعامة الرئيس عمر البشير، الأكثر تنظيماً واستعداداً وحظوظاً للفوز بمناصب رئيس الجمهورية، وحكام الولايات وأعضاء المجالس التشريعية . ويكشف مراقب عن سيناريو مطروح لإقامة انتخابات جزئية فقط لمنصب رئيس الجمهورية وحكام الولايات، ولكنه لا يتوقع أن المؤتمر الوطني سيقبل بهذا العرض، لأنه واثق من اكتساحه للانتخابات على كل المستويات .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"