المتأمل لآيات الله البينات في الذكر الحكيم يجد أن الصبر هو أبرز الأخلاق الوارد ذكرها في القرآن حتى لقد زادت مواضع ذكره فيه على مئة موضع، وما ذلك إلا لدوران كل الأخلاق عليه، وصدورها منه، وقد قيل عن حق أن الصبر ركيزة كل خلق حسن، وكلما قلبت خلقاً أو فضيلة وجدت أساسها وركيزتها الصبر، والإيمان بقضاء الله وقدره أصله الصبر وأساسه الرضا والقناعة: صبر على القدر الكافي من الدنيا، والحلم: صبر عن إجابة داعي الغضب، والوقار: صبر عن إجابة داعي العجلة والطيش، والشجاعة: صبر عن داعي الفرار والهرب، والعفو: صبر عن إجابة داعي الانتقام، والجود: صبر عن إجابة داعي البخل، والكيس: صبر عن إجابة داعي العجز والكسل والعفة: صبر عن شهوة الفرج والنظر المحرم، وكتمان السر: صبر عن إظهار ما لا يحسن إظهاره من الكلام، والزهد: صبر عن فضول العيش وهكذا يدخل الصبر في كل خلق حسن .
شيمة الصالحين
وجعل القرآن الكريم أكثر الخيرات والدرجات ثمرة للصبر فقال تعالى: وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون، وقال: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب، وقال عز وجل: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ'' وترجع عناية القرآن البالغة بالصبر إلى ماله من قيمة كبيرة في الحياتين الدنيا والأخرى، وقد علق القرآن الفلاح على الصبر وحده (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا) (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا) (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) . وقد أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر في عشرين موضعاً في القرآن، قال تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَ?ذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)، وقال تعالى (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ? وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) وقال تعالى (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ) وقال تعالى (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) وإن راجعنا الآيات التي تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر وتحضه عليه نجدها كلها إبان العهد المكي وهو وقت البلاء وعهد الفتنة وزمن ضعف الموحدين وتسلط الكافرين .
والصبر من شيم الصالحين وهو كنز من كنوز الخير، لا يعطيه الله عز وجل إلا لعبد كريم عنده والصبر ثوابه الجنة، وهو عادة الأنبياء والمتقين، وحلية أولياء الله المخلصين .
أنواع الصبر
والصبر على ثلاثة أنواع: صبرُ على الطاعاتِ وصبرُ عن المحرماتِ وصبرُ على المكارِه أما الصبر على الطاعات فهو عنوان الاستقامة والثبات على الحق، يقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُون، والصبرُ على الطاعةِ بابٌ واسعٌ لأن النفس بطبعها تنفر من التكليف فالصبر على أداء ما أوجب الله يعني إلزام النفس أداء الواجبات الدينية التي فرضها الله .
والمؤمن يصبر عن الأمور التي حرمها الله عليه، ويكفُّ نفسه عنها، ويُلزمها الصبرَ والتحمُّل، فيصبر عن مشتهيات النفس وشهواتها التي تدفعه دفعا إلى مخالفة ما نهاه الله عنه، ولذلك فالصبر عن المعاصي والمحرماتِ هو أشدُّ أنواعِ الصبرِ، وأقساها على النفس، تلك الأمارة بالسوء، وهو يحتاج إلى مجاهدة أكبر لمنع النفس وضبطها كيلا تتجاوز الحدود، فيصبر المؤمن عن المحارم فيغضّ بصره، ويصبر فيحصِّن فرجه، ويصبر فيمتنع عن الحرام وكل المغريات التي تدعوه إلى المخالفة، ويبتعد عن الحرام وإن كثر: قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، ويصبر المؤمن فيحفظ الأمانة، ويؤدي الحقوق إلى أهلها، فهو صابر في أمانته، صابر في حسن تعامله مع الناس بالخلق الحسن، ويصبرُ الرجل على امرأته وتحمُّله المتاعب عونٌ له على استمرار الحياة الزوجية، وضجره ومعاتبتُه مما يقلِّل تحمله ويفسد الثقةَ بينهما، وكذلك صبر المرأة على زوجها مما يسبِّب صفاءَ الحال وتعاونَ الجميع على الخير والتقوى . وصبر الرجل على أولاده، ومحاولة جمع كلمتهم، والصبر على ما قد يناله منهم فيه خيرٌ كثير .
والصبر كله خير وهو عون للعبد على كل خير، صبرٌ يعينه على الاستقامة على الطاعة، وصبر يعينه على الكفّ عن المعاصي، وصبر يعينه على تحمل الأقدار والرضا بها والطمأنينة، وهذا هو النوع الثالثُ من أنواعِ الصَّبرِ، صبرُ على المكارِهِ والشدائِدِ والمصائِبِ والبلايا وكل ما يزعج النفس من ألم أو أذى أو ضيق معيشة أو حزن يلحق الإنسان بسبب مصيبة، كالصبرِ على الأمراضِ وزوال الصحة أو على شدةِ مرارةِ الفقرِ أو على فُقدانِ من يعُزُّ منَ الأهلِ والأصحابِ والأصدقاءِ وهلاك الأموال وغيرها كثير، قال تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فإن ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ، فمنِ ابتُلِيَ بأيّ مصيبةٍ من هذهِ المصائِبِ فصَبَرَ عليها فهو عندَ اللهِ في خيرٍ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: من يرِدِ اللهُ بهِ خيراً يُصِبْ منهُ وقالَ: إنَّ عُظْمَ الأجرِ معَ عُظْمِ البلاءِ .
لا سخط ولا اعتراض
والصابرون المحتسبون يتلقون المصائب بالصبر والتحمل، يتلقونها بالصبر عليها، ويتلقونها بالرضا، فلا تحمل نفوسهم تسخطاً على قضاء الله وقدره، ولا يتلفظون بألفاظ الاعتراض الكفرية كمسبة القدر أو نسبة الظلم إلى الله تعالى والتسخط فهذا عمل الكافرين المعترضين على قدر الله وحكمته، والتسليم والرضا والصبر عمل أهل الإيمان، فيصبرون ويحتسبون، ولا يظهر منهم ضجر ولا تسخط على قضاء الله وقدره . فصبر المسلم على المصائب إنما هو من ثمرات الإيمان الصادق بأن الله حكيم عليم فيما يقضي ويقدر، وأن هذا التقدير تقدير الحكيم العليم، حكيم عليم فيما يقضي ويقدر، فلا اعتراض ولا ملامة، ولكن صبرٌ واحتساب ورضا عن الله، وأكمل المؤمنين من جمع بين الصبر على المصيبة والرضا عن الله تعالى يرجو ما عند الله من الثواب الذي وعد به الصابرين الصادقين .
ومن حسن الصبر ألا يظهر تأثير المصيبة على المصاب قال تعالى: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ، فهو علاج ناجع لكل من أصيب بمصيبة دقيقة أو جليلة فمصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق، ولا بد أن يخلف الدنيا يوماً ما وراء ظهره، ويدخل قبره فردا كما خلق أول مرة بلا أهل ولا عشيرة ولا حول ولا قوة ولكن بالحسنات والسيئات، فمن صبر واحتسب إيماناً ورضي بقضاء الله يجد الثواب الجزيل والخير العميم في ذلك اليوم، وروى مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا منها، إلا آجره الله في مصيبته وأخلفه خيرا منها، قالت: ولما توفي أبو سلمة، قلت: ومن خير من أبي سلمة صاحب رسول الله، قالت: فتزوجت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
والمسلم المتبع هدي نبيه صلى الله عليه وسلم يستعين على الصبر بالاستعانة بالله، والاتكال عليه، والرضا بقضائه، كما وصف رسولنا الكريم حال المؤمنين فقال صلى الله عليه وسلم: عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له .