الفلسفة ليست امرأة

هل هي حكر على الرجال؟
05:18 صباحا
قراءة 17 دقيقة

هل توجد نساء فيلسوفات؟ سؤال طرحناه في هذا التحقيق على بعض المشتغلين في حقل الفلسفة في الوطن العربي. يخبرنا التاريخ أنه يحفل بالعديد من النماذج الفلسفية النسائية، في القرن السادس قبل الميلاد يظهر اسم الفيلسوفة كليو بولينا التي وضعت بعض الاسئلة والمشكلات الفلسفية، في المدرسة الفيثاغورسية نجد ثيانو زوجة فيثاغورس التي قامت مع بناتها الثلاث برئاسة المدرسة الفيثاغورسية بعد وفاة زوجها، في الاسكندرية ظهرت هيباشيا، في العصر الحديث تطالعنا أسماء سوزان لانجر وسيمون دي بوثوار وحنا آرندت.. إلخ. إذا كان الاستعراض السريع السابق يقدم إجابة تقول: نعم توجد نساء فيلسوفات فإن الملاحظ أن أياً منهن لم تبدع مدرسة فلسفية متكاملة الأركان أو تنشئ تياراً فلسفياً أثر في المناخ الثقافي بصورة عامة وربما يبرر هذا الفكرة الكامنة في اللاوعي الثقافي بأن الفلسفة حكر على الرجال، ولكن ماهي الاسباب والخلفيات التي أدت إلى هذه النتيجة؟

يؤكد د. عاطف العراقي أستاذ الفلسفة العربية في آداب القاهرة أننا إذا استعرضنا تاريخ الفلسفة في كل بلدان العالم الذي أنتج لنا نظريات فلسفية، فإننا لن نجد فيلسوفة واحدة طوال أكثر من سبعة وعشرين قرنا، أي منذ القرن السادس قبل الميلاد وحتى القرن الذي نعيش فيه، فالفلسفة هي عالم الرجال بوجه عام لأننا يجب أن نفرق بين الفيلسوف ومن يقوم بتدريس الفلسفة، لأن الفيلسوف صاحب منهج ومبدع، أما الأستاذ فإنه يعتمد على ترديد أقوال الفلاسفة سواء كانوا قبل الميلاد كأفلاطون وأرسطو أو كانوا في العصر الوسيط كالقديس توما الأكويني أو كانوا في العصر الحديث مثل سارتر، المهم أننا لا نجد من ينطبق عليها لقب فيلسوفة وقد يكون ذلك راجعا إلى مجموعة من الأسباب من بينها أن الفلسفة تعتمد بالدرجة الأولى على التفكير النظري المجرد، وقد لا توجد كفاءة عند المرأة بالنسبة لهذا النوع من التفكير، إذ بوجه عام تتجه نحو المحسوس والجزئيات وإذا قيل بأنه توجد امرأة فيلسوفة فإن هذا يكون بتأثير وسائل الإعلام أساسا ولكن في الواقع المجرد العلمي الدقيق يقول د. العراقي لا نجد فيلسوفة، لأن الفلسفة لها شروط وخصائص محددة وعلى أساسها نقول إن أفلاطون مثلا فيلسوف وغيره من أساتذة الفلسفة لا يعدون فلاسفة، وبالنسبة للمرأة نفس المعيار حتى نميز بين الفلسفة وتدريس الفلسفة.

وينفي د.العراقي صفة الفيلسوفة عن هيباشيا فيلسوفة الإسكندرية الشهيرة متسائلا ما المذهب الذي قدمته لنا هيباشيا؟ والإجابة حسب د. العراقي لا يوجد إطلاقا. إنها تعد نوعا من الدعاية من دون مبرر، بدليل أنه لا توجد فيلسوفة قبلها ولا بعدها بأكثر من عشرين قرنا والتفكير الفلسفي يكاد يكون مقتصرا على الرجال.

الانقطاع الحضاري

أما د. نجاح محسن أستاذة الفلسفة في جامعة حلوان فترى أنه لا يوجد المناخ المناسب لظهور الفلسفة بشكل عام وخاصة في العالم العربي والإسلامي في الوقت الراهن الذي تراجع فيه دور العقل بشكل ملحوظ لحساب العاطفة والتي لا تخضع لأي معايير، كما أن انتشار التيار الديني المتطرف لا يسمح للنساء إلا بأداء أدوار محددة ولا يجب تجاوزها، وهو تيار يزداد كل يوم تشددا عما قبله، كما أن الوطن العربي قد وقع في براثن التخلف والجمود لفترة امتدت لقرون عدة من القرن الثالث عشر وحتى عصر النهضة.

وتقول د.نجاح: في القرن التاسع عشر في ما يسمى بظاهرة الانقطاع الحضاري انسحب هذا بالضرورة على وضع المرأة وطريقة تعاطيها للأفكار الفلسفية.. كما أن الأفكار الفلسفية لا تجد قبولا بشكل عام في مجتمعاتنا العربية المعاصرة تحت دعوى تصادمها مع الدين وهذا غير صحيح، لأن الدين الإسلامي يأمرنا باستعمال العقل الذي هو موهبة من الله، وكل هذه الأسباب لا تمنع من وجود الكثير من الأفكار الفلسفية التي اختلطت بمجالات المعرفة الأخرى وخاصة الجانب الإبداعي عند توفيق الحكيم والعقاد مثلا حيث نجد بذورا فلسفية في إبداعهما كما تغلغلت الفلسفة في مجالات عديدة فأصبح لدينا فلسفة السياسة وفلسفة القانون وفلسفة الاقتصاد. والفلسفة كما أراها ليست كيانا قائما بذاته ومقطوع الصلة مع سائر مجالات الحياة، بل هي ويجب أن تكون كذلك تلازم كل تفكير منطقي عقلاني أيا كان المجال الذي يتوفر فيه هذا النوع من التفكير.

الثقافة السائدة

ويرى د. صلاح قنصوه أستاذ فلسفة الجمال في أكاديمية الفنون أن عدم وجود نساء فيلسوفات يعد عرضا طبيعيا لذكورية الثقافة الإنسانية بشكل عام التي صنعها الذكور، وهي موسومة باستمرار بهيمنة قيم الرجل حتى وإن زعمت أنها تساوي بين الرجل والمرأة خصوصا الفترة الحالية.

لكن في الماضي يوضح د.قنصوه لم يكن ذلك ليحدث لأنها كانت قريبة من نشأة الثقافة الإنسانية الذكورية، ومن الطبيعي ألا توجد نساء فيلسوفات لأن دور المرأة كان مقصورا على بناء الأسرة وأن تكون تابعة للرجل ومربية لأطفاله وحارسة لقيمه الذكورية وليس في هذا تناقض ولا تقليل من شأن المرأة، ففي صعيد مصر سنجد أن مسألة الثأر لا تعترف بالمرأة كدم إنما الدم فقط للذكر، وعندما تقتل المرأة فهذا لا شأن له إطلاقا بمسألة الثأر، ولكن يتعلق بالرجل في المقام الأول ولكن هناك سؤال: من الذي يعلم الصغار ويحمسهم على طلب الثأر؟ بالتأكيد هي المرأة والأم وليس هناك تناقض لأن دور المرأة في الثقافة الذكورية أن تكون حارسة وخادمة للثقافة الذكورية.

ويؤكد د. قنصوه أنه لم يظهر للمرأة دور خاص إلا مع تطور الثقافة الرأسمالية الغربية التي أصبحت نظاما عالميا وظهرت قيمه الفردية رويدا رويدا لأن الفلسفة تعبر عن الواقع الموجود وتجلياته الفكرية للوقائع الاجتماعية، والفلسفة شأنها شأن أي مجال فكري آخر، وأرسطو العالم والفيلسوف العظيم تزوج من امرأتين وكان يعتقد أن المرأة نوع آخر من الكائنات أي ليست إنسانة، ودليله على هذا أن عدد أسنانها أكثر من عدد أسنان الرجل ولم يرهق نفسه أن يقول لواحدة منهما افتحي فمك لأحصي أسنانك رغم أنه عالم وفيلسوف عظيم.

ويؤكد د.قنصوه أن هذه الثقافة السائدة تفرض نفسها على الفلسفة، وكلمة إنسان عند اليونان القدماء تعني: الاثنين الذكر أي أن العبد ليس إنسانا وكذلك المرأة ليست إنسانا ونحن ننظر للتاريخ وللعالم نظرتنا الآن، لكن لابد أن نسأل أنفسنا عندما نتحدث عن أية مرحلة من مراحل التاريخ البشري أي قيم كانت سائدة في تلك المرحلة؟! لكن عندما نتصور بسذاجة أن هناك فكرا قديما يتقاسمه البشر، فإن هذا يدخل في باب الترهات، أي أنه في ظل ظروف جديدة أصبحت فكرة حقوق الإنسان والمرأة أمورا جديدة تماما ومازلنا إلى حد ما خاضعين للثقافة الذكورية، لكن طبقا لسنة التطور سنجد أن الغرب بدأ يتخلى عن الثقافة القديمة وهذا أمر طبيعي، فالمرأة لم تكن فيلسوفة لأن دورها المرسوم لها آنذاك لم يكن يسمح لها بممارسة الفلسفة.

وبالطبع يقول د.قنصوه هناك فيلسوفات ولكن عددهن قليل وغير مؤثر لكن في ما بعد ربما ننسى هذه التفرقة بين الذكر والأنثى، ونحن في جامعاتنا ليس لدينا فلاسفة، ولكن دراسي تاريخ الفلسفة، ويتنافسون في حفظ نصوص الفلسفة لكنهم لا ينتجون فلسفة لأن المجتمع لا يسمح بالتنفس الفلسفي الذي يقوم على طرح الأسئلة، إنما أقصى ما نبلغه هو ترديد الإجابات الجاهزة سواء كانت مقتبسة من نصوص دينية أو من إنتاج فلاسفة آخرين، وسوف تتقدم الفلسفة عندما يرتفع سقف الحرية لكن لأننا نعيش تحت سقف منخفض للحرية ليس لنا أن نسأل كما نشاء، فالبراعة الآن في تكرار الإجابات الجاهزة.

مناخ من الرفاهية

ترى زينب خضيري أستاذة الفلسفة في آداب القاهرة أن هناك فيلسوفات معاصرات مثل سيمون دي بوفوار والفيلسوفة الألمانية حنا آرنت، ولها كتابات ممتازة وكتبت عن فلسفة الثقافة بطريقة شديدة العمق. وإذا كان الرجال ينكرون وجود نساء فيلسوفات فأعتقد أنه ليس هناك أيضا رجال فلاسفة وقد دخلت دراسة الفلسفة للمرة الأولى الجامعة 1925 وهي بذلك لم تستكمل قرنا وعدم اشتغال المرأة بالفلسفة لا يرجع إلى ضعف في عقل المرأة يحول دون قدرتها على التفلسف، ولكن لأن ظروف المرأة لم تكن مساوية لظروف الرجل وبالتدرج سيأتي اليوم الذي تتحقق فيه المساواة بين الرجل والمرأة.

ولدينا دارسون كبار للفلسفة مثل زكي نجيب محمود وفؤاد زكريا وإبراهيم مدكور ولكنهم لم يدعوا أنهم فلاسفة، والمسألة لا تدخل في باب التحدي، والفلسفة لا تزدهر إلا في مناخ ديمقراطي ولكن للأسف نحن في مهب الريح ولدينا مشكلات أزلية لم تحل مثل مشكلة فلسطين وتراجع مستوى التعليم وانتشار الفساد فلابد من إصلاح هذه النواحي أولا ثم نلتفت بعد ذلك إلى التفلسف الذي يعد ترفا يحتاج إلى مناخ من الرفاهية والرخاء.

أما الدكتورة منى أبوزيد أستاذة الفلسفة في جامعة عين شمس فتؤكد أن فكرة ساذجة شاعت بين الرجال وقال بها أرسطو وأصبحت هي الفكرة السائدة عن النساء بصفة عامة، وهي أن المرأة أنقص عقلا من الرجل، والغريب أن أستاذه أفلاطون قد صرح بفكرة معاكسة لهذا في كتابه الجمهورية، ولكن لم يشتهر وينتشر إلا فكرة أرسطو، وبقيت فكرة أفلاطون حبيسة رغم أنه صرح بمساواة الرجل والمرأة من حيث الكفاءة العقلية وأن تقدم الرجل سببه الممارسة والمران اللذان أتاحهما له المجتمع على حين انصرفت المرأة عن هذا إلى أداء وظيفتها الطبيعية فانصرفت عن تنمية مواهبها.

وهذا ما أكده فيلسوف الإسلام الكبير ابن رشد عندما أشار إلى مساواة المرأة بالرجل، وضرب أمثلة على هذا من عالم الإنسان وعالم الحيوان ورأى أن النساء قد شاركن الرجال في الأمور الدينية والحربية، وهذا ظاهر في مجتمعات البدو من سكان الصحراء الكبرى. ويبرر ابن رشد أسباب التردي الذي وصلت إليه المرأة في عصره، أنه يعود إلى النظرة الرجعية التي تنظر إلى المرأة نظرة مخالفة لطبيعتها والتي حصرت عملها في أداء وظائفها الطبيعية، وكأن المرأة لم تخلق إلا لهذا الشأن، على حين أنها كائن مساوٍ للرجل في قدرته العقلية تستطيع أن تساويه وتحرز المكانة نفسها إذا أتيح لها التعليم نفسه الذي يوجه إلى الرجل ويمكنها أن تصل إلى مرتبة الفلاسفة وقيادة الجيش.

وإذا عدنا إلى الواقع التاريخي وطرحنا هذا السؤال تقول د.منى هل توجد نساء فيلسوفات أم لا؟ كانت الإجابة نعم، والتاريخ الفكري عبر عصوره المختلفة يثبت ذلك، وهو حافل بالعديد من النماذج الفلسفية النسائية منذ مطلع الفكر حتى وقتنا المعاصر، فالمرأة رغم خضوعها الطويل للرجل وحرمانها من التعليم استطاعت أن يكون لها دورها في نشأة الفلسفة منذ فجر تاريخها، صحيح أنه دور صغير بسيط، ولكنه يثبت قدرة المرأة على التفلسف إذا أتيحت لها فرصة التعلم.

يبدأ تاريخ الفلسفة الغربية عند اليونان منذ القرن السادس قبل الميلاد بالمدرسة الأيونية طاليس ومدرسته ويظهر اسم الفيلسوفة كليوبولينا التي وضعت بعض الأسئلة والمشكلات الفلسفية، وربما كانت هي أم الفيلسوف طاليس الذي يشار إليه على أنه أبو الفلسفة الطبيعية وقد وصفت هذه السيدة بأنها أحكم امرأة.

وكذلك ظهرت الفيلسوفات في المدرسة الفيثاغورسية، التي مكّنت المرأة من التعلم والتفكير والمناقشة وإعمال العقل، ومن أمثلة هؤلاء النساء ثيانو زوجة فيثاغورس، التي قامت مع بناتها الثلاث برئاسة المدرسة الفيثاغورسية وأدارتها بعد وفاة مؤسسها فيثاغورس.

وتوجد الفيلسوفة اسبازيا التي ناقشت سقراط ووصفت بأنها معلمة البيان، واعترف أفلاطون في محاورة المادية بإمكاناتها الفكرية، وهناك أيضا ديوتيما معلمة سقراط، وصاحبة نظريات عن خلود النفس. والفيلسوفة جوليا التي علمت الرجال الفلسفة والرياضة والطب، ومن تلاميذها الإسكندر الأفروديسي، وجالينوس الطبيب.

وفي مصر ظهرت فيلسوفة الإسكندرية هيباشيا التي عاشت في الإسكندرية وقتما كانت هذه المدينة قبلة التقدم العلمي والفلسفي للعالم القديم وعهدت إليها الحكومة الرومانية بمنصب رئاسة المدرسة الأفلاطونية بالإسكندرية.

وفي التوقيت نفسه ظهرت فيلسوفة أخرى في أثينا هي اسكيبينيا التي طبقت فلسفة أفلاطون وأرسطو على الأفكار الدينية التي أثارتها المسيحية، بالإضافة إلى العديد من الأسماء الأخرى من نساء العالم القديم.

وتشهد العصور الوسطى وعصر النهضة والتنوير بأسماء أخرى لفيلسوفات، وتدلل ذخائر مكتبات الفاتيكان بأسمائهن أمثال جوليانا النرويجية وهيلجارد وأوليفا سابوكي ولكن لسوء الحظ أحرقت محاكم التفتيش الإسبانية أجزاء من مؤلفات الأخيرة.

وفي العصر الحديث برزت أسماء فيلسوفات أمثال كريستينا دي بيسان وظهرت آن كونواي صاحبة كتاب مبادئ أقدم الفلسفات وأحدثها وكانت الملكة كريستينا ملكة السويد من حكماء عصرها، وتتلمذت على يد الفيلسوف الفرنسي ديكارت، وفي القرن العشرين ظهرت كتب وآثار فلسفية عند سوزان ستبنج 1885 1943 الفيلسوفة وعالمة المنطق الإنجليزي، وسوزان لانجر 1895 1985 فيلسوفة علم الجمال وعالمة المنطق الأمريكية، وسيمون دي بوفوار 1908 1986 الفيلسوفة الوجودية الفرنسية التي كتبت عن الأخلاق، والفيلسوفة الألمانية حنة ارندت 1906 1975 التي هربت من النازية إلى الولايات المتحدة وصارت فيلسوفة سياسية تكتب عن أصول الحكم الشمولي، وعن العنف والحرية والثورة وحياة العقل وغيرها. وهؤلاء وغيرهن كثيرات يدحضن الزعم القائل بأنه لا توجد فلاسفة نساء.

وتلفت د. وفاء شعبان الانتباه إلى اسئلة ازلية يستمر الانسان في طرحها تتناول بشكل خاص حدث الوجود الانساني، يتقدمها بالتأكيد سؤال الفلسفة السابق والمؤسس لكل الاسئلة الممكنة، بدءاً من معنى الفلسفة وماهيتها واهميتها مروراً بشروط امكانها وهويتها، وصولاً الى فاعليتها المؤثرة في الكون... هي استفهامات تطلق في ظروف مختلفة، وتحمل مقاصد متباينة، لكنها تؤكد بالاجمال على حضور الفلسفة المزعج دائماً انما الفاعل. تقول الدكتورة وفاء لتضيف: هذا الحضور المتأزم حيناً، وغير المستقر حيناً آخر، يدل من غير شك على اشكالية تواجه الفلسفة، ليس في سعيها لأن تكون، إنما في كونها نفسه. فمنذ ان ظهر هذا النشاط العقلي بدا كأنه قدر الوجود الانساني.

والحقيقة انه منذ كانت الفلسفة، كانت الدهشة عنوان اهلها فطرح سؤالها كل الفلاسفة، اصدقاؤها، وايضاً اعداؤها، وظن خصومها، ان الاسئلة المحرجة دائماً التي عليها ان تواجهها، تمهد للخلاص منها، لاعتقادهم انها تكشف، ما يزعمون انه خداعاً او وهماً او غير ذلك. في حين يتبين للمطلع على تاريخ الفلسفة، ان السؤال بدا، بشكل مستمر داخلاً في نسيج تكوينها، ان لم نقل في اساسه، او ربما كان سبب كونها.

وفي جميع الاحوال، ترى الدكتورة شعبان ان الفلسفة تلقى معارضة وتخوض صراعاً على وجودها. وتقول: الفلسفة اعادت الانوار تتويجها على عرش كل العلوم، ووضعتها في مقدمة كل تفكير انساني في مجال الفعل، لتصبح ما يؤسس، أي ما به نبدأ لتقييم علاقاتنا بين الانسان والطبيعة، وبين الانسان والانسان، وبين الانسان والاله. لافتة الى ان هذا التأسيس، الغى الى حد كبير فعل الانثى ورد فعلها، وذلك تبعاً للقيم والتقاليد والقهر والتعنيف الذي رافق كيان المرأة منذ بدء التكوين والى اليوم.

تشير د. شعبان الى خصوصية الفلسفة مستندة الى قول الفيلسوف كارل باسبرز ربما كانت العلاقة بين الفلسفة والحقيقة مصدر المشكلة، الفلسفة تريد الحقيقة كاملة بينما العالم لا يريدها، وتبعاً لهذه المعادلة، من البديهي ان يتلازم الكلام عن المرأة الفيلسوفة بالمعنى العلمي الصرف، مع الوضع الفعلي الذي تعيشه، وهو وضع دوني في الواقع العربي وعلى كل المستويات، بما فيها الشأن الفلسفي، حيث ليس للمرأة أي حضور مهم. وهذا الرأي لا يختلف عليه احد. الجميع يقر باشكالية حالة المرأة على الرغم من عدم وضوح التفسيرات حولها والمواقف منها.

وتكشف الباحثة شعبان عن المشهد الإنساني الدائم، زماناً ومكاناً، حيث يوجد خطان متمايزان متوازيان، سارت عليهما البشرية. احدهما ذكوري، عنفي مدمر، والآخر انثوي سلمي بناء ومتماه مع الحياة، هكذا كان دائماً التقسيم: عالمان ومملكتان: داخل جدران المنزل حيث تنشأ الحياة. تولدها النساء وتحميها. وخارج هذه الجدران في العالم الواسع، حيث السطوة والاستئثار يسعى اليهما الرجال في صراع يعتمد القوة بهدف البقاء. وبينما ترعى النساء الحياة في شكلها الطبيعي، يذهب الرجال الى ما بعد الطبيعي، أي المعنوي، يتواجهون في نزاع قوة من اجل السيطرة على اسباب البقاء المادية بواسطة نظام يعتمد قواعد السيادة والتبعية بين الناس.

وتضيف د. شعبان: في قراءة للفكر الانساني يظهر العنف كخصوصية ذكورية، هو فكر يتبع منطقاً يعود الى فيلسوف التاريخ الالماني هيغل الذي حدد ولادة الانسان بلحظة نشوء الصراع بين البشر، والعنف المنشئ للمعاني. وفي كل الاحوال انتسب التاريخ الى الرجال وبقيت النساء على هامشه، واستمرت وظيفتهن على حالها دون تغيير تأمين الحياة من اجل التاريخ المتطابق مع افكار الرجال وافعالهم. اما كل ما نراه من مشاهد تظهر مشاركة فعالة للنساء فهي مجرد تلاوين خارجية وتشكيلية. بلغن موقع القرار واصبحن منتجات ومبدعات للقرار، بل شاركن في الحروب، ومارسن العنف والارهاب وقتلن، لكن افعالهن ليست حرة، ودائماً تحصل باشراف اولياء الامر الرجال.

وتنتهي د. شعبان الى الاعراب عن شكها في ان يكون هذا الانفصال بين عقل ذكوري وجسد انثوي، اختلالاً في مسيرة الانسان لم يكن لصالحه. لقد تفلّت الفكر من اصله الطبيعي وراح يتحقق فيه على نحو محدد لهذا الاصل، علماً ان صموده مرهون به. فالفكر الجامع الباحث دائماً عن هيئة جديدة له، ابدية ومادية في وقت واحد، لن يجدها وهو يدمر، بل سيبقى على هذه الحال الى حين يستعيد هيئته الاصلية الطبيعية ويقبل وحدة النوع الانساني، فتصبح كلمة انسان تساوي فلسفياً وتعبر وجودياً عن التآلف بين عنصري التأنيت والتذكير.

المشهد العام

تنطلق الدكتورة وداد الحاج حسن في بحثها عن المرأة الفيلسوفة وجوداً وعطاءات من واقع المرأة نفسها الذي رافقها منذ بدء التكوين ومستمر حتى اليوم، مع بعض الفوارق الظاهرة المخادعة، التي تؤكد ان الانثى ما زالت تجر الخيبات خلفها. تقول: يجب النظر في مشكلة النساء، ليس باعتبارها قضية خاصة بهن، انما بصفتها تعني المجتمع العربي في جملته، من دون اغفال لأي من مكوناته الثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وبمعنى آخر، يجب التوقف عند المشهد العربي العام، ليس في ما يخص النشاط الفلسفي فحسب، إنما في جميع الحقول والميادين العلمية والثقافية.

الصورة تتكلم، توضح د. الحاج حسن وتضيف ليس السؤال عن دونية المرأة منفصلاً عن سؤال دونية المجتمع العربي. فهي دونية نجدها في العلاقة بين العالمين العربي والغربي، كذلك نراها داخل المجتمع الواحد. هناك سيد وتابع، حتى بين الرجال وفق انتماءاتهم المتعددة وفكرة التراتبية بين طبيعتي الرجل والمرأة تبقى الاشد بين الجنسين.

وتلفت د. الحاج حسن الى السلسلة الطويلة من اشكال التخلف الموجودة في المجتمعات العربية والتي تتألف من جماعات مختلفة الالوان عائلية، اثنية، دينية وحتى عرقية متماسكة داخلياً، منغلقة كل واحدة منها على ذاتها وغير متماسكة في ما بينها، انما متنابذة، وتنشأ فيها وبينها علاقات، تقوم على مبدأ الهوية والهرمية، بمعنى انها تفترض تجانساً داخلياً بين افراد كل مجموعة على ان يتبعوا انموذجاً واحداً يقع في اعلى الهرم. وبهذا المعنى، تترسخ العلاقة بين القمة والقاعدة على اساس التبعية في وقت لا يسمح فيه بالاختلاف الاّ كميّا.

المفارقة حسب د. الحاج حسن، ان هذه البنية التراتبية القديمة جداً، قادرة على تجديد نفسها من خلال آليتها الخاصة. ذلك ان كل التحولات التي حصلت على الصعيد الانساني، وبشكل خاص في المعرفة الحديثة وامتداداتها التقنية، عجزت في التأثير فيها، لتبلغ ما يتعلق بأساليب التفكير وأنماط العلاقات الاجتماعية، ما يدفع الى التساؤل: بعد هذه الصورة ماذا نقول عن المرأة العربية، خصوصاً اذا كان السؤال يتناول علاقتها بالفلسفة؟ ثم ما هي الصلة بين واقع المجتمع عموماً وواقعها خصوصاً؟ بكلام آخر ما هي الشروط التي فرضت عليها ومكنت من إعادة إنتاج الوضع الاجتماعي القائم؟ هذه التساؤلات تتضمن الاستفهام الاساسي الذي بدأناه والمتعلق بغياب النساء رغم وجودهن في اعلى المواقع عن الحضور الفلسفي، بمعنى القدرة على ابتداع النظم الفلسفية المؤثرة في حياة المجتمع؟

هذه التساؤلات تجد جوابها في الآلية التي تتحكم بالنظام الاجتماعي، والتي ربما تشكل مدخلاً لفهم واقع المرأة في سياق هذا النظام، المطلوب منه تثبيت التجانس ومنع الاختلاف، بواسطة كبت الذات الانسانية وقهرها لإلحاقها بغيرها، علماً ان السنوات الاولى من عمر الانسان تحدد مسار حياته، وان الام هي المسؤولة عنها بشكل حاسم، وبالتالي اصبح مبدأ الامومة الاصل الذي تعينت به ماهية المرأة على مدى الازمنة. واللافت ان المرأة تتعرض دائماً للاحكام التي يطلقها المجتمع الذكوري ليقرر مصيرها، وحيث منذ ولادتها يجري تحضيرها للعب الدور المطلوب منها وذلك من خلال اقناعها بدونيتها تجاه الجنس الآخر وتحذيرها من المخاطر على المجتمع التي قد يسببها انحرافها المحتمل الناجم عن طبيعتها عن الهدف المطلوب منها تحقيقه. فلا يسمح لها بأن تبدي رأيها في أي شأن كان، كما يحرم عليها ان تنشئ مشروعها الخاص مثلما يفعل الرجل، أي ان من واجبها ان تتبع قدرها بلا مناقشة، بالتحضر للامومة، بحيث يتم تجريدها من كل انساني فيها، بمعنى فصل جسمها عن عقلها الذي يكبح ويلقى في اللاوعي، لتختزل الى هذا الجسم. واكدت د. الحاج حسن الى ان المراتب العليا التي وصلت اليها المرأة العربية لا يلغي تردي واقعها. لذا نقول انه مهما اصبح في الوطن العربي وزيرات ونائبات وسفيرات ومناضلات في حقوق النساء، فإن ذلك لا يعني اننا بلغنا شيئاً من التقدم.

وحيث لم نلاحظ حتى الآن في مختلف البلدان العربية لا لدى مواقف الحركات النسوية ولا في برامج الاحزاب السياسية التي تطرح قضية تحرير المرأة، أي اشارة الى موضع المشكلة، نطرح الشعارات ونتكلم على المشاركة، من غير ان نحدد مكمن التغيير الطبيعي.

تراجع

د. سعاد الحكيم عميدة المعهد العالي للدكتوراه في الآداب والعلوم الانسانية والاجتماعية في الجامعة اللبنانية، تعود بموضوع الفلسفة والمرأة العربية الى نشأة الفلسفة العربية في القرون الاولى للهجرة وذلك حسب رأيها بفعل عوامل داخلية وخارجية لم تتمكن المرأة العالمة لأسباب اجتماعية من المشاركة في الحركة الفكرية التي كانت تتأسس في دور العلم وبيوت الحكمة أي في أماكن مخصصة للرجال.. لذا، نجد المرأة مارست نشاطها العلمي والحيوي عبر توجهات المجتمع فاتجهت النساء في تلك الأزمنة إلى التفقه في الدين وإلى الأدب والشعر، وكذا إلى العمل الاجتماعي والتدخل السياسي إما في ظلال الأزواج والأبناء الخلفاء والسلاطين والأمراء، أو بالسيطرة عليهم. ومن ينظر في تاريخنا يجد الكثير من أسماء النساء الفقيهات والشاعرات والأديبات وصاحبات السلطة والنفوذ وأحياناً الاستبداد. أما في الأزمنة المعاصرة، ورغم انزياح الأسباب الاجتماعية وانفراج أبواب الاختصاصات كافة تقريباً للمرأة، إلا أن الأمر لم يعد متعلقاً بالمرأة أو بالرجل بل بالفلسفة العربية نفسها.

إنّ الفلسفة العربية اليوم تشكو تراجعاً مؤلماً، وذلك لعدة أسباب: أولها؛ أنّ الفلسفة في الغرب تسربت الى كافة الميادين ولم تعد محصورة ضمن اختصاص واحد وحبيسة لتاريخها، بل فرضت نفسها كضرورة في ميادين عدة، في ميدان الاقتصاد والسياسة والعلوم البحتة جميعها، مثلاً لا يتقدّم الاقتصاد إلا بالاستعانة بالفلسفة، لأنّها هي التي تمد الاقتصادي بالرؤية وتمكنه من تكوين معرفة شاملة نظرية تسمح باتخاذ القرارات الكفيلة بتحسين الاداء وتحقيق التنمية.. في مقابل هذا النماء الفلسفي في الغرب لم يشعر العرب بضرورة استشارة الفيلسوف وتعميم الفلسفة في الميادين الحياتية، ولم يكتشفوا كفاءة الفلسفة في تمكين الإنسان من تكوين الرؤى والنظريات وفي تحديد المفاهيم والمصطلحات التي أصبحت اليوم ثروة وطنية في مجتمع يقوم على المعرفة.

والسبب الثاني المهم؛ أنّ معظم الفلاسفة العرب اليوم رجالاً ونساءً يقيمون صروحهم الفلسفية بحجارة نقلوها من الغرب، فنرى الواحد منهم يتبنى فلسفةً غربية فيعرّبها ويحاول توطينها.. ومبدأ نقل الأفكار وتبنيها ليس غلطاً بحد ذاته، وإنما الغلط في الاكتفاء بإتقان النقل دون إنتاج إضافات تحرض الفكر على الإبداع وعلى تجاوز المنقول.

صحيح أن التجلي الإنساني للمرأة مختلف عن التجلي الإنساني للرجل، الفلسفة الحقّة لا تفرق بين رجل وامرأة.. فمن يبدع نظرية ورؤية تفسّر الكون أو تغيره فهو فيلسوف في ما وراء الذكورة والأنوثة.

وحتى نتمكن من تكوين المرأة العربية المبدعة فلسفياً علينا أن نربيها على التفكير.. وهذا الأمر ينطبق على الرجل والمرأة سواء.. منذ الطفولة نحاور الولد ونشاركه عالمه وندخله عالمنا ولا نسكته ونقصيه عن عالم الكبار ونتركه ينمو فكرياً بنشاط شخصي هذا من جهة. ومن جهة ثانية، فإنّ الفكر يحتاج إلى مناخ من الحرية ومن التقدير والاعتراف، وهو يتشكل بالتفاعل مع الأنساق الفكرية والعلمية السائدة في محيطه.. والحال، إن واقعنا العربي يشكو من عدم التقدير وعدم الاعتراف بجوهرية الفلسفة وبنيويتها في التقدم.. كما يشكو من عدم وجود شروط إنتاج الفلسفة وأهمها القطيعة بين البرامج المدرسية وأساليب التعليم وبين مشاكل العصر وحركة التاريخ.

إنّ الإقبال عامة على دراسة الفلسفة يعتبر ضعيفاً. وهذا لا يمنع من أننا نجد أحياناً أفراداً بين الطلاب مشغوفين بالفلسفة، لا ينحازون عن مجالها وإن لم يجدوا فرصة عمل.. آمنوا بالتفكير وقدرته على إنقاذ عالمنا، وربما اليوم صوتهم منخفض إلا أننا نتمنى على أصحاب القرار دعم هذا المجال العلمي لما فيه خير أوطاننا العربية وشعوبنا جميعاً.

تراجع

إنّ الفلسفة العربية اليوم تشكو تراجعاً مؤلماً، وذلك لعدة أسباب: أولها؛ أنّ الفلسفة في الغرب تسربت الى كافة الميادين ولم تعد محصورة ضمن اختصاص واحد وحبيسة لتاريخها، بل فرضت نفسها كضرورة في ميادين عدة، في ميدان الاقتصاد والسياسة والعلوم البحتة جميعها، مثلاً لا يتقدّم الاقتصاد إلا بالاستعانة بالفلسفة، لأنّها هي التي تمد الاقتصادي بالرؤية وتمكنه من تكوين معرفة شاملة نظرية تسمح باتخاذ القرارات الكفيلة بتحسين الاداء وتحقيق التنمية.. في مقابل هذا النماء الفلسفي في الغرب لم يشعر العرب بضرورة استشارة الفيلسوف وتعميم الفلسفة في الميادين الحياتية، ولم يكتشفوا كفاءة الفلسفة في تمكين الإنسان من تكوين الرؤى والنظريات وفي تحديد المفاهيم والمصطلحات التي أصبحت اليوم ثروة وطنية في مجتمع يقوم على المعرفة.

سؤال البدايات

تلفت د. وفاء شعبان الانتباه إلى اسئلة ازلية يستمر الانسان في طرحها تتناول بشكل خاص حدث الوجود الانساني، يتقدمها بالتأكيد سؤال الفلسفة السابق والمؤسس لكل الاسئلة الممكنة، بدءاً من معنى الفلسفة وماهيتها واهميتها مروراً بشروط امكانها وهويتها، وصولاً الى فاعليتها المؤثرة في الكون... هي استفهامات تطلق في ظروف مختلفة، وتحمل مقاصد متباينة، لكنها تؤكد بالاجمال على حضور الفلسفة المزعج دائماً انما الفاعل. تقول الدكتورة وفاء لتضيف: هذا الحضور المتأزم حيناً، وغير المستقر حيناً آخر، يدل من غير شك على اشكالية تواجه الفلسفة، ليس في سعيها لأن تكون، إنما في كونها نفسه. فمنذ ان ظهر هذا النشاط العقلي بدا كأنه قدر الوجود الانساني.

أسماء مبكرة

يبدأ تاريخ الفلسفة الغربية عند اليونان منذ القرن السادس قبل الميلاد بالمدرسة الأيونية طاليس ومدرسته ويظهر اسم الفيلسوفة كليوبولينا التي وضعت بعض الأسئلة والمشكلات الفلسفية، وربما كانت هي أم الفيلسوف طاليس الذي يشار إليه على أنه أبو الفلسفة الطبيعية وقد وصفت هذه السيدة بأنها أحكم امرأة.

وكذلك ظهرت الفيلسوفات في المدرسة الفيثاغورسية، التي مكّنت المرأة من التعلم والتفكير والمناقشة وإعمال العقل، ومن أمثلة هؤلاء النساء ثيانو زوجة فيثاغورس، التي قامت مع بناتها الثلاث برئاسة المدرسة الفيثاغورسية وأدارتها بعد وفاة مؤسسها فيثاغورس.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"