كثيراً ما ألهمت المدن والقارات المفقودة خيال وشغف العلماء ومؤلفي قصص الخيال العلمي ليتصوروا حجمها ومدى تأثيرها في حياة الكوكب الأزرق لما يحيطها من غموض في تشكيلها واختفائها، ليصبح الأمر أكثر واقعية حينما أكد فريق من العلماء بقيادة ترونت تورسفيك من جامعة أوسلو أواخر فبراير/شباط الماضي أنهم تعرفوا إلى قارة صغيرة تقبع في قاع شرق المحيط الهندي بالقرب من جزر موريشيوس تكونت منذ مليار سنة مع بدء تفكك قارة "رودينيا" العظمى التي تناثرت لتكون القارات الحالية .
يقول تروسفيك، إنه يعتقد أن أجزاء من تلك القارة ما زال موجوداً متمثلا في مجموعة جزر سيشل الواقعة ما بين مدغشقر وشبه الجزيرة الهندية، ويضيف بأن الجزر مكونة من صخور جرانيتية إضافة إلى قشور قارية وتقع الآن في وسط المحيط الهندي بينما كانت تقع في شمال مدغشقر منذ ملايين السنين، ما يبرهن أنها أحد الأجزاء المتناثرة للقارة المفقودة المكونة من القشرة الأرضية وبعض الصخور البركانية في ما بعد . يعتقد فريق العلماء بأن القارة كانت موجودة بالفعل حين كانت الأرض كتلة واحدة ثم غرقت حينما انفصلت الهند عن مدغشقر، كما أنهم اكتشفوا عنصر الزركون الذي يعود عمره لمئات الملايين من السنين، وهو أكثر مما يعتقد أنه عمر الجزيرة التي تكون غالبيتها من الصخور البركانية، ويقول ريتشارد اركولوس أستاذ الجيولوجيا بجامعة أستراليا الوطنية، إن الزركون انتقل إلى السطح بواسطة الأنشطة البركانية التي انفجرت داخل قطعة من القشرة القارية التي يمكن أن تكون من القارة المفقودة الغارقة في قاع المحيط، ويضيف بأن موريشيوس تقع على أرخبيل يمتد منها إلى جزيرة مدغشقر ما يؤكد وجودها، ويقول تروسفيك، إن علماء المستقبل يتوجب عليهم اكتشاف تلك الأرض في الأعماق والتي تمثل قشرة أرضية صالحة للاستثمار بكل ما تحتويه من معادن وثروات .
كان لقارة ليموريا المفقودة صدى كبير بين العلماء ورواة الأساطير، ويعتقد بأنها امتدت لآلاف الكيلومترات بين المحيطين الهندي والهادي، وتضاهي ضعفي القارة الأسترالية ثم غرقت في ظروف غامضة، ويعتقد أنه بسبب التحرك السريع لقشرة القارة القطبية الجنوبية وانحسارها عند قطب كوكب الأرض ما أحدث عدة تخلخلات فيها وانهيارها . وتستمد الأدلة العلمية من وجودها منذ القرن التاسع عشر عام 1864 حينما ألف العالم فيليب سكالتر كتاباِ في علم الحيوان تناول فيه حياة الثدييات في جزر مدغشقر ووجد توحد خصائص بعضها مع أقرانها من ثدييات الهند وجنوب آسيا الواقعين في التصنيف نفسه، وكذلك تماثل نتائج الأحفوريات لبعض الحيوانات المنقرضة، لذا أعتقد أن هناك قارة ضخمة تناثرت إلى عدة جزر ذهب بعضها إلى آسيا وإفريقيا واقترح أن يطلق عليها "ليموريا"، وكانت فكرته غير مقبولة في ذلك الحين، إلا أنها ألهمت علماء عصره في التحقق من العلاقة بين حيوانات الهند ومدغشقر، إلى أن جاء العالم الألماني ملشيور نيوماير عام 1887 بتصنيفه الشهير للكائنات الحية في علم الأحياء القديمة ليقوم على افتراض أنه لا بد من وجود جسور برية ما بين عدة مناطق في النطاق نفسه لتبرهن على التسلسل للكائنات الذي فقد في بعض من أجزائه حلقة وصل ما بين الكثير من الكائنات، وهو ما أكده كتاب "العقيدة السرية" الذي قسمت فيه البشرية لسبعة أجناس احتلت فيها ليموريا المرتبة الثالثة .
جاء الاعتقاد بوجود قارة ضخمة تتوسط شرق العالم وسط المحيط الهادي ما بين أستراليا والأمريكتين اندثرت منذ بضعة آلاف من السنين تدعى "مو" وتناثرت أجزاؤها مكونة اليابان وتايوان وجزر هاواي، وكانت حلقة الوصل ما بين الشرق والغرب وبغرقها أدى إلى انعزال الأمريكتين حتى اكتشافهما منذ بضعة قرون، وذكرت لأول مرة بواسطة الرحالة وعالم الآثار الفرنسي أغسطس بلونجوين أواخر القرن ال،19 إذ أدعى أنه ترجم نصاً من حضارة "المايا" القديمة وسط أمريكا ذُكر بها اسم قارة مو، ثم تناولها عدد من الأدباء في أوائل القرن العشرين في روايات الخيال العلمي، ولم يتم أي رصد لحدث جيولوجي أو كارثة أدت لغرقها أو حتى وجودها إلى أن جاء عام 1987 وعن طريق الصدفة اكتشف أحد الغواصين اليابانيين بقايا أرض وطرق ممهدة وهياكل مسطحة تقبع بالقرب من تايوان اعتقد العلماء أنها ترجع للقارة المفقودة، وبالفعل بتحليل جزء من التربة حولها اكتشف فريق بحثي من جامعة سيدني أن هناك بقايا لعنصر الكربون الناتج عن الاحتراق ويرجع تاريخه ل 10 آلاف سنة، وهو العمر الافتراضي الذي وضعه بلونجوين من قبل، وفي ديسمبر/كانون الأول عام 2011 قامت بعثة علمية لاكتشاف بقايا القارة المفقودة بالقرب من جزر هاواي، وبالفعل اكتشفوا جزيرتين غارقتين بحجم جزر تسمانيا الواقعة جنوب شرق أستراليا، ويقول العالم الجيولوجي سيمون ويليامز قائد البعثة، إنهم اعتقدوا أن يروا صخوراً عادية تكونت في قاع المحيط منذ بداية نشأتها، ولكننا اندهشنا حينما وجدنا أجزاء من القشور القارية وصخور الجرانيت والصوان وبقايا صخور رملية يعتقد أنها ترجح لقارة مو القديمة ويؤكد وجودها منذ نحو 80 ألف عام .
43 جزيرة يكتنف اختفاءها الغموض
هناك العديد من الجزر في مختلف بقاع العالم ظهرت بوضوح على الخرائط القديمة التي يعود بعضها إلى خمسة قرون فقط، وتم تحديد مواقع بعضها بدقة شديدة، كما وصفها العديد من الرحالة والمغامرون حيث نزلوا عليها أو شاهدوها من بعيد، ولكن مع تطور التكنولوجيا ونمو رحلات الاستكشاف وتقنيات الأقمار الصناعية لم يعثر على أي أثر لغالبيتها، ولم يعرف إلى الآن كيف اختفت وأين ذهبت، ويقدر عدد الجزر المفقودة التي تم حصرها بنحو 43 جزيرة في مختلف البحار والمحيطات، فعلى سبيل المثال ظهرت مجموعة جزر "فريسلاند" على خريطة "زينو" عام 1558 والتي أظهرتها لتقع بشمال المحيط الأطلنطي، وكذلك ظهرت مرة أخرى عام 1660 في عدة خرائط للمستكشفين الإنجليز والبرتغاليين بالقرب من اسكتلندا ثم اختفت فجأة مع اولى الرحلات التي زارت المنطقة أوائل القرن السابع عشر، ولا يملك أحد تفسيراً لما حدث، كما ظهرت جزيرة "ساندي" الواقعة في بحر الكورال ما بين استراليا وجزر كاليدونيا الجديدة في عدة خرائط منذ القرن الثامن عشر حتى الآن، ولكن العام الماضي فوجئ طاقم سفينة مسح جيولوجي استرالية بمفاجأة ثقيلة وهي عدم وجود الجزيرة على الإطلاق، وبسبب حجمها الصغير الذي يضاهي حي مانهاتن بمدينة نيويورك، لم يعر أحد اهتماماً ليلاحظ عدم وجودها، وبالرجوع لخرائط الأقمار الصناعية و "Google map" اكتشف العلماء عدم وجودها منذ بضعة أشهر، وحينما انتقل فريق من العلماء من جامعة "سيدني" إلى الموقع، قالت ماريا سيتون عضوة فريق الباحثين، إنه بمجرد وصولهم توقعوا وجود الأرض التي اعتادوا أن يجدوها، ولكن على العكس فوجئوا بمياه بحر الكورال الزرقاء التي يصل عمقها إلى 1500 متر .