قد يكون مصطلح الواقعية في الفن هو من أكثر المصطلحات التباساً من حيث التوصيف، وخاصة في الفن التشكيلي الذي عرف منذ بدايات القرن الفائت تحولات هائلة، زلزلت تباعاً كل ما هو كلاسيكي في النظرة إلى اللوحة، حتى أن النقد الفني نفسه عانى من مسألة التوصيف، تلك العملية الضرورية كأرضية لا بد منها في التعامل مع المدارس الفنية المختلفة، ويعود اليوم الحديث عن مصطلح الواقعية وفقاً لكثير من المتغيرات الفنية والمعرفية والجمالية التي طرأت في العقدين الأخيرين على وجه الخصوص، ولم يعد على سبيل المثال القبول بالتنظير السابق على اللوحة، ما طرح وما زال أسئلة على المصطلح نفسه من شأنها أن تشكل جدلاً حقيقياً وصحياً حول المفاهيم والرؤى الفنية.
إذا ما دخلنا في التفاصيل سنرى أن الآراء حول الواقعية تأخذ أكثر من منحى منها ما هو متعلق بالتكوين الفني، ومنها ما له علاقة بثقافة الفنان ومعرفته ومواقفه من الحياة، ومنها ما هو متعلق بالمتغيرات التي طرأت في مجالات العلوم والتكنولوجيا وغيرت معها أمورا كثيرة على مستوى شبكة العلاقات الإنسانية في كافة مجالاتها، فعلى مستوى التكوين الفني ترى الدكتورة نجاة مكي أن الفنان ينبغي أن يمر بالمرحلة الواقعية على المستوى الأكاديمي التقني فتقول: تعلم الواقعية الفنان الأسس الأولى التي يجب أن يمتلكها في البدايات قبل الخوض في التجريب، فالواقعية تعطي الفنان إمكانية امتلاك المفاتيح الأساسية مثل الخط، واللون، والإيقاع، والتكوينات التشريحية للجسم البشري، فتلك الخبرات ضرورية فيما بعد حين ينطلق الفنان لتشكيل هويته الخاصة من خلال التحوير ،فهو يعيد استخدام تلك التقنيات التي تمنحه إياها الواقعية من وجهة نظره الخاصة.
أما بما يخص العلاقة الموجودة بين مفهومي البيئة والواقعية ترى د مكي أن المسألة تتوقف على العلاقة الخاصة التي يقيمها الفنان نفسه مع البيئة بوصفها جزءاً من واقع قد يكون محدوداً أو واسعاً وتقول: من البديهي أن البيئة تشكل جزءاً من المفهوم الواقعي للفن، لكن المسألة لا تنتهي عند حدود هذه النقطة النظرية، وإنما تتعداها إلى قدرة الفنان على التقاط التفاصيل وإعادة صياغتها، واختيار الزاوية التي سيتعامل فيها مع فكرته عن البيئة، كما أن الخامة نفسها تلعب دوراً مهماً على المستوى التقني في إبراز الواقعية، أو تحديد انتساب العمل إلى الواقعية، فهناك خامات تناسب طرحاً ما دون غيره، ففي النحت مثلا يمتلك الحجر ميزات تختلف عن الرخام، كما أن هناك خامات عاكسة للضوء أكثر من غيرها، وبالتالي فإن التكامل مطلوب بين الفكرة وبين الخامة كي يتمكن الفنان من التعبير عما يراه واقعيا.
تطورات متلاحقة
من جهة أخرى تشير الدكتورة مكي إلى دور العولمة وثورة الاتصالات وما أفرزاه من تطورات على مستوى المعارف والفنون حولا الكثير من المفاهيم، ومنها الواقعية نفسها، فالعولمة أعطت الفنان حرية أكبر في التعامل مع المفاهيم، فالفن المفاهيمي الذي يستخدم مواد لم تكن مألوفة سابقا على المستوى الفني مثل الليزر والنفايات وغيرها ما فتح النقاش من جديد حول سؤال الواقعية، فنحن نجد أن الكثير من الفنانين أصبحوا يركزون على الفكرة في أعمالهم لوجود قناعة أن المتلقي ينجذب نحو الفكرة بالدرجة الأولى قبل أن يتعمق بالتفاصيل، ولكن تبقى المسألة هنا هي قيمة الفكرة نفسها.
كما تجد الدكتورة مكي أن هناك فرقاً واسعاً بين المباشرة في الطرح الفني وبين الواقعية، وتقول: في كثير من الأعمال الواقعية نجد أن الواقع أو البيئة ممثلان من خلال عنصر بسيط، أو من خلال تفاصيل صغيرة، وهو ما يختلف عن الطرح المباشر للفكرة، الذي يدعي أصحابه الواقعية، لكني أجد أن التفاصيل تعكس الكثير من الحالات الإنسانية التي هي جزء أصيل وجوهري من أي واقع، وتعبر عن المخزون الشعوري الإنساني، من دون الحاجة إلى الطرح المباشر الذي يأتي غالبا على حساب جماليات العمل الفني.
أما الفنان بسيم الريس فيرى أنه من الضروري التمييز بين الواقعية في الفن وبين الفن الواقعي وهو تمييز من شأنه أن يوضح الكثير من الالتباسات بحسب رأيه فيقول: يبدو للوهلة الأولى بأن المصطلحين متشابهان مفهومياً، وهما على العكس تماماً، فالمدرسة الواقعية لا تعترف إلا بالمنطق الرياضي والفيزيائي للواقع فتهتم برسمه ووصفه كما هو وتبحث في الشكل بعيداً عن الجوهر والمضمون، فتكون بذلك أقرب إلى الموضوعية عن طريق تسجيل الواقع كحالة عين الكاميرا، ما يغيب ذاتية الفنان ونظرته وموقفه لما يحيط به،أما الفن الواقعي فهو دراسة للواقع ورصد له بمختلف أوجهه، وهي تهتم بواقع الانسان وتطوره وتواكب مسيرته، وهي عملية استنباط وتحليل وانتقاء وابداء رأي لكل الموجودات ووالمتغيرات التي تطرأ على محيطه، وهكذا تكون الواقعية قد أعطت الفن بعداً اضافياً مختلفاً عما سبق، وذلك بمشاركة أساسية من الفنان الذي يضيف ذاتيته عليها.
ويضرب الريس مثالاً على الفن الواقعي كما يراه من خلال لوحتين الأولى الجيرنيكا لبيكاسو، والأخرى بائع اليانصيب للفنان لؤي كيالي فيقول: تمثل لوحة الجيرنيكا حالة رصد وتسجيل وتحليل وإعلان موقف واضح من الواقع المؤلم للحرب الأهلية الاسبانية، بغض النظر عن الاسلوب التي رسمت به وهو التكعيبية.
أما بائع اليانصيب فهي تعبير عن حال الفقراء والمغلوب على أمرهم بأسلوب التعبيرية الواقعية.
أما عن الدور الذي لعبه ويمكن أن يلعبه الفن الواقعي يقول الريس: تمكن الفن الواقعي من إخراج الفن من أحضان الصالونات والاستديوهات إلى الشارع ليمر على الموظف والبقال والعامل والفلاح، ويقف بجانب الافراد العاديين المهمشين ليظهر للعالم معاناتهم ومشاكلهم، خرج من حالة رصد للجمال الموجود بحد ذاته إلى تصوير وتشخيص وتحليل للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والبيئي، وكشف أمراضه وإرهاصاته، واهتم بكل ما يشغل بال الفرد العادي في مجتمعه وما يعانيه من مشاكل حياتية بسيطة، ولم تتخذ الواقعية في الفن مدرسة محددة أو منهجاً معيناً أو أسلوباً خاصاً للتعبير، بل استخدمت كل الوسائل الممكنة وكل التقنيات المتاحة أداة لهاعلى مر العصور. وهو ما يجعلها تصور الحياة من منظور الفنان، ومواقفه مما يجري من حوله.
أما الفنان محمد كاظم فيرى أن تغيرات كبرى طرأت منذ أن أطلق الفنان غوستاف كوربيه مقولته الشهيرة ليس بإمكاني رسم الملائكة لأنني لم أر واحدة منها حتى الآن. تلك التحولات التي أعادت صياغة الواقع وفقا لمعطيات لم تكن موجودة سابقا فيقول: المظهر الجديد للحياة الحديثة هو الميزة المعقدة في عملية التفاعل للعناصر الموجودة بين العالمي والاقليمي، فمن جهة هناك اتساع في سيطرة السوق العالمي للموسيقى والأزياء وغيرها على الذائقة الحياتية الاجتماعية، خاصة عند فئة الشباب الذين تهجنت ثقافتهم، فعلى سبيل المثال يمكن لشاب في العشرين من عمره أن يستمتع بالأغاني الهندية، والفارسية، والأوروبية وغيرها، وهو ما ينطبق على مسألة الزي أو الموضة في اختيار الملابس وتسريحات الشعر، وهذا ما نشاهده اليوم في المقاهي أو على شواطىء البحار، وفي المراكز التجارية، ومن جهة أخرى هناك حساسية مفرطة لدى بعض قطاعات الشباب تجاه المحلية أو الأقليمية، ما يولد توترا ديناميكا بين ظاهرتي التشابه والاختلاف.
ويرى كاظم أن التطورات العالمية خلال العقدين الأخيرين من القرن الفائت شهدت نوعا من الخلط بين الكثير من المفاهيم الفنية التي انعكست على الأعمال الفنية فيقول: تشبه الأعمال التشكيلية الخاصة بفترة الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين كتلا متشابكة ومختلطة وغامضة جدا إلى درجة أن المتلقي لا يفقه الكثير من رموزها، تلك الميزة المتعددة الوجوه والمتنوعة والمتناقضة أيضا أعطت الفن البصري الجديد ميزة المعاكس والتي ولدت عند العديد من متذوقي الفن الشعور بالذعر أو القلق والاندهاش تجاه أعمال تلك المرحلة والتي بمرحلة ما بعد الحداثة.
ويشير كاظم إلى تغير جملة من المفاهيم التي أثرت على تغير مفهوم الواقعية نفسه، ومنها مفهوم المكان فيقول: في الزمن الحاضر نحن نعيش في مجتمع اللامكان، حيث أصبح باستطاعتنا أن نرى الآخر القريب من خلال النافذة الصغيرة والمغلقة للسيارة بينما نتحدث ومن دون انقطاع مع إنسان آخر بعيد جدا عن طريق جهاز الهاتف المتحرك، ما يجعلنا نعيش في أكثر من مكان في الوقت نفسه، وقد تحولنا إلى مجتمع يعيش على العلاقة الرقمية والصورية، وأصبح واقعنا هو واقع الصور والأرقام.
من هذا المنطلق يرى كاظم أن مفهوم الواقعية تحول منذ غوستاف كوربيه، لكن الوظيفة الاجتماعية للفن التشكيلي أخذت أشكالا وأطراً أخرى من خلال استفادته من الفنون الأخرى، وبهذا الصدد يقول كاظم: استطاع الفن التشكيلي منذ ثمانينات القرن الفائت أن يوسع مجاله ومن دون عوائق، وتشابك مع حدود الفنون المجاورة له مثل التصميم، والإعلان، والعمارة، والسينما، والأدب، والمسرح، والرقص، والموسيقا وحتى مع التجارة والسياسة ولم يترك أو يتغيب عن أي مجال فكري، وعلمي، واجتماعي، وثقافي، واستفاد من جميع العلوم الإنسانية، وهكذا أعيدت للفن وظيفته الاجتماعية مرة أخرى منذ واقعية كروبيه.
أما بما يخص علاقة الفنان بالواقع فيرى كاظم أن الجيل الجديد من الفنانين توجه نحو مساحات لم تكن مألوفة سابقاً كنتيجة حتمية للتغير العالمي الذي ألغى الكثير من الفواصل والحدود وزود الفنان بعلاقات خارج نطاقه المباشر فيقول: يمتلك الجيل الجديد من الفنانين التشكليين ولعاً شديداً بالمجازفة والتجرؤ على دخول واقتحام أقاليم فضاءات جديدة ومختلفة عما كان سائداً، ما يجعل أعمالهم تحمل الكثير من القسوة والتهكم على الواقع السائد، وهو ما يشكل واقعاً جديداً موازياً للواقع نفسه.