الإسلام . . دين وحدة وتعاون وتضامن على مختلف المستويات . . والمسلمون لن يشعروا بالأمان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو النفسي إلا إذا تابوا عن رذيلة الفرقة والتشاحن والصراع وعادوا إلى تعاليم دينهم التي تفرض عليهم أن يتعاونوا على كل ما يحقق مصالحهم ويحمي عقيدتهم ومجتمعاتهم وثرواتهم .
هذه حقيقة تؤكدها تعاليم الإسلام . . كما تكشف عنها كل الأحداث والخلافات التي يموج بها عالمنا الإسلامي .
د .أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية والرئيس الأسبق لجامعة الأزهر يؤكد في البداية أن التعاون والتضامن بين المسلمين ليس أمراً ترفياً بل هو فريضة واجبة فقد أمر القرآن الكريم المؤمنين بأن يعتصموا بحبل الله جميعاً، فقال جل شأنه: واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا وفي دعوة القرآن الكريم لوحدة الأمة توضيح للأساس الذي تنهض عليه هذه الوحدة، وهو الدين والاعتصام به وبكتاب الله تعالى الذي هو سبب النجاة، ووضح القرآن هذا الأساس محذراً من التفرقة، لما لها من أخطار محدقة .
وترسيخاً لأسس هذه الوحدة كلف الله الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، انتصاراً للدين وإقامة لقوته ودفعاً لآفات الشر والفساد التي قد تثار حول حماه، أو ترتكب في الوطن الإسلامي، وضرب القرآن الكريم المثل بمن قبلنا حين اختلفوا بعد أن جاءتهم البينات فكان لهم الوعيد الشديد .
عن تلك الملامح كلها تحدث القرآن الكريم حديثاً شافياً، فقال جل شأنه: واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون . ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون . ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم .
وحدة العقيدة والعبادات
كما وضح الرسول صلوات الله وسلامه عليه أن الاعتصام بدين الله وكتابه من الأمور الواجبة على هذه الأمة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً . فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال .
والناظر إلى جميع التعاليم الإسلامية - كما يقول د . هاشم - يرى أنها تدعو إلى التأليف بين القلوب وجمع الصفوف، ففي جانب العقيدة: نؤمن بالله وحده ولا شريك له، ونتجه جميعاً إليه معلنين في كل صلاة: إياك نعبد وإياك نستعين . أي أن عقيدة التوحيد تجمعنا ولا تفرقنا، وفي ظلالها ننضوي تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله كما نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، حلوه ومره .
وفي جانب العبادات: نقيم الصلاة ونؤدي الزكاة ونصوم رمضان ونحج البيت إن استطعنا إليه سبيلا، وفي صلاتنا يزداد الأجر والثواب حين يؤدي الإنسان صلاته في جماعة فتفضل صلاة الفذ أي الفرد بخمس وعشرين درجة، وفي رواية للحديث بسبع وعشرين درجة مع أن الصلاة هي الصلاة وعدد الركعات لم يزد ولم يتغير .
وفي صلاة الجمعة اجتماع أسبوعي أكبر، وفي صلاة العيدين اجتماع على مستوى أكبر وأكبر .
وفي أداء الزكاة تكافل اجتماعي وتراحم وتواد بين الغني والفقير، وتقريب بين الناس وتوحيد بين المشاعر على الألفة والتعاون .
وفي الصيام غرس لمعاني الوحدة، ففي وقت واحد يمسك المسلمون عن المفطرات، وفي وقت واحد يفطرون، وفيه إحساس بالحرمان والجوع، وحث على البذل والإنفاق .
وفي الحج اجتماع لأكبر عدد ممكن من مختلف الأقطار الإسلامية والبلاد، ومن شتى الألوان والأجناس .
وفي جانب الأخلاق، يدعو الرسول صلوات الله وسلامه عليه، أمته إلى أن تكون يداً واحدة في المودة والرحمة والعطف، فيقول صلى الله عليه وسلم مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى .
مفهوم البر
د . أحمد الطيب شيخ الأزهر يرى أن التعاون والتضامن بين المسلمين ضرورة لصناعة حياة طيبة للجميع . . ويقول : لا يستطيع الإنسان أن يعيش وحده في هذا العالم فهو في حاجة إلى غيره من بني البشر، ليس فقط من أجل تبادل المنافع والاحتياجات المادية الأساسية التي تمده بأسباب الحياة واستمرارها، وإنما كذلك لتطوير شخصيته، وتقدمه في معارفه وزيادة علمه، وتهذيب أخلاقه وتقويم سلوكه، وهذا كله لا يمكن أن يحدث إلا إذا كان هناك تعاون وثيق بين الناس في كل ما يعود عليهم وعلى مجتمعهم بالخير . ولا يتصور أن يحدث أي تقدم في المجتمع إلا إذا تضافرت الجهود وتوحدت من أجل بلوغ الأهداف المشتركة للوصول بالمجتمع إلى الرقي المأمول والتقدم المنشود .
ويضيف: التعاون الذي يرسخ الإسلام أسسه ومبادئه ليس على المستوى المادي فقط وإنما على جميع المستويات المعنوية التي من شأنها الوصول بالإنسان إلى استكمال شخصيته الإنسانية، وقد اهتم الإسلام اهتماماً بالغاً بهذا الجانب لأنه يشكل الأساس للجوانب المادية الأخرى . ولذلك يقول القرآن الكريم: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان .
والبر مفهوم شامل لكل أنواع الخير . وقد فسر القرآن الكريم معنى البر بالتفصيل في آية أخرى بقوله: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون .
وهذه الآية توضح لنا أن البر يشمل كل أنواع الخير التي يتصورها الإنسان، والتي يتسع معناها ليشمل عناصر العقيدة والعمل والأخلاق، وتبين لنا أيضاً أن مفهوم البر الذي يعنيه القرآن الكريم ينصب على حقائق الأمور وجوهرها، ولا يتعلق بالأشكال والمظهريات . وهذا البر بهذا المفهوم الشامل يتساوى مع مفهوم التقوى . ولذلك نجد ختام الآية يقول: أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون .
صلاح الدين والدنيا
ومن هنا يمكن القول: إن البر يشمل كل عمل يقوم به الإنسان في هذه الحياة سواء كان هذا العمل دينياً أو دنيوياً طالما قصد به الإنسان وجه الله، ونفع الناس، ودفع الأذى عنهم، وذلك يعد أيضاً تقوى لله سبحانه وتعالى . فالتقوى والبر والعمل الصالح تتعانق معانيها، وتتلاحم مراميها، وتنصهر في بوتقة القرب من الله تعالى .
وبالنظر إلى هذا المعنى الشامل للبر والتقوى كان الأمر القرآني بالتعاون على البر والتقوى لشمول ذلك لكل ما يتصل بصلاح الدين والدنيا للإنسان . وهذا التعاون من شأنه أن يرتقي بالإنسان في الاعتقاد والفكر والأخلاق والسلوك الإنساني، ومن شأنه كذلك أن يعمل على تطوير الحياة وتقدمها وازدهارها على جميع المستويات فالأساس الروحي إذا كان سليماً فإنه يشكل القاعدة القوية والركيزة الصلبة لكل تقدم مادي .
وقد اهتمت السنة النبوية اهتماماً واضحاً بقضية التعاون على الخير لما له من أثر كبير في تنمية الحياة، فالله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، ويد الله مع الجماعة، ويشبه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم بالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى فالناس في المجتمع يشكلون فريقاً متكاملاً يقوم كل فرد فيه بدور يسهم به في دفع مسيرة الحياة في المجتمع .
وكل عمل يدفع إلى العمل والإنتاج في شتى المجالات يعد من البر، ومن المعروف الذي لا يجوز الاستهانة به مهما بدا ضئيلاً، فحتى وإن كان شيئاً رمزياً فإن له مردوداً إيجابياً لا يجوز التقليل من شأنه، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق أي بوجه بشوش .