تطور بلا قلب

06:25 صباحا
قراءة 17 دقيقة

أينما يذهب الإنسان الآن فالآلة رفيقته، بل إنها أصبحت حاضرة في أدق تفاصيل حياته توفر له الوقت والجهد والمال وتمنحه الرفاهية . هذه الرفاهية يخشى البعض أن تتحول إلى سطوة للآلة تزيح بشراً بالملايين من وظائفهم وتؤديها بدلاً منهم في غياب لغة التفاهم والحميمية .

هؤلاء يرون أن الحياة لا تستقيم إذا هيمن عليها الإنسان الآلي الذي أصبح يزاحم حتى الزوجة على مكانتها، لكن كثيرين يرون أن لا وجود لهذا الصراع بين الإنسان والآلة، لأنه مهما كان تطورها تبقى نتاج عقل بشري منحها وجودها ولا يمكن أن تتمرد عليه .

لا غنى عنها رغم سلبياتها

الآلات أزرار تحكم العالم

انتشرت الآلات في كل مكان وبات الإنسان يدرك وهو يتعامل معها، أنها أصبحت بديلاً للصراف وقاطع التذاكر وحتى قائد القطار والطائرة، وبذلك احتلت تلك الماكينات مكان مئات الآلاف من العمال والموظفين الذين كانوا يقومون بتلك المهم، وأصبحوا اليوم عاطلين .

ومن المنظور العملي، فقدت تلك الوظائف مفهومها الإنساني، فلم نعد نتعامل مع سائق القطار أو الجابي الذي يبيعنا التذاكر، بل هي تلك الآلة الصماء التي نقف أمامها لا نتكلم معها أو تتكلم معنا، فكل ما هنالك أن نضع النقود فيها حتى تقدم لنا الخدمة، وقد تتجول في شوارع مدينة أوروبية في وقت متأخر من الليل فإذا أصابك جوع أو عطش وأردت الذهاب إلى السوبرماركت الآلي لتحصيل بعض الطعام أو الماء والعصائر ولم تجد النقود المناسبة للماكينة الآلية، فكل ما عليك عمله هو الصبر حتى يطلع الصباح وستنام تلك الليلة بلا شك جائعاً متحسراً على أيام كانت الدكاكين فيها تخدمك ويبتسم أصحابها في وجهك ويكلمونك بود، بل إن بعضهم يقدم لك النصيحة تلو الأخرى حول أي صنف من الطعام أو البضاعة أفضل .

أصبحت الخدمة الذاتية في محطات البنزين شائعة اليوم، فكل ما عليك وضع النقود اللازمة لملء خزان البنزين بالكمية المطلوبة، وقد تصل إلى محطات لا يوجد فيها أي شخص، سواء في الميني ماركت أو محطة تعبئة الوقود، ويبقى عليك أن تكون ذكياً في التعامل مع الآلة التي لا تشكو ولا تتأوه نتيجة للخدمة المضنية . والآلة صنعت ليس لأناس عشوائيين، بل لمن لديهم القدرة على القراءة والفهم قبل استخدامها وإلا فإنهم سيقفون عندها كالبلهاء يتساءلون، ولن تنطق بحرف واحد .

وهناك بوابات ستظل موصدة في وجهك ولن يكون هناك أحد تستعطفه ليسمح لك بالدخول، لأنها بوابات آلية لا تعرف سوى لغة الأرقام السرية وبصمات العين .

وعندما تنتهي من شراء حاجياتك في السوبر ماركت الكبير الآلي، ستقوم بعملية مسح الأسعار والدفع قبل أن تتمكن من الخروج، ولكن سنجد أنفسنا أمام أرفف تعج بالبضائع من دون أن نجد أحدا نسأله عن النوعية وعن البضائع الأفضل وهذه من السلبيات الكبيرة، ولنتخيل خلو المطار، مثلاً، من الأجهزة الإلكترونية كاللوحات الإرشادية التي توفر لنا معلومات ثمينة عن هبوط وإقلاع الطائرات ومواعيد الرحلات الداخلية والمحلية . وفي الوقت نفسه فإن المطار الخالي من المرشدين أو موظفي الخدمات والذي يعج باللوحات الإلكترونية قد يدخل الريبة والحيرة لدى قطاع كبير من المسافرين الذين قد لا يستطيعون قراءة تلك اللوحات . وهناك أيضاً أجهزة الصراف الآلي التي توفر لنا الخدمة الدائمة في كل مكان سواء في الشوارع الرئيسة أم في المطارات أم في محطات السكك الحديدية وفي المرافئ . وكل ما عليك أن تدس بطاقتك الإلكترونية لتحصل على المبالغ التي تريدها، إن توافرت في حسابك .

ولم يعد بالمستطاع الاستغناء عن القطارات التي توفر لك خدمات سريعة ودائمة دون أن تكل أو تمل، حيث يمكنك صعود المترو للوصول إلى أية منطقة في المدينة دون أن تلجأ إلى خدمة سيارات الأجرة ذات التكاليف الباهظة أو الحافلات البطيئة .

وهل يطرأ على بالك أن تسافر على متن طائرة من دون أن تعرف عن قائدها سوى أنه طيار آلى يوجه الطائرة وفقاً لبرنامج معد سلفاً، وهي حالة أقل ما يقال عنها إنها تحمل الفزع إلى قلبك خاصة عندما تهتز الطائرة أو ترتطم بمطب هوائي . وربما تقول، في حال وجود طيار آدمي إنه على الأقل يستطيع أن يتكيف مع تلك الظروف ويتحدث إلى الركاب مطمئنا شارحاً بالضبط ماذا يحدث في تلك اللحظات الخطرة، بينما الطيار الآلي يعمل وفقاً لخطة وبرامج مرسومة وسيبقى صامتاً .

بات من المألوف في أماكن كثيرة ابتياع تذاكر السفر أو السينما أو المسرح من الآلة مباشرة من دون أن يضطر أحد للوقوف لخدمتك أو حتى الرد على أسئلتك . والواقع أن الحوار مع البشر في تلك المواقف قد يفتح لك المزيد من المعرفة حول المواعيد وجودة الفيلم أو المسرحية، لا أن تقف أمام آلة صماء لا تفقه أي شيء عن القيم وفنون التعامل المختلفة مع الناس .

وباتت القطارات غير المأهولة بسائقين بشريين من المشاهد المألوفة في المدن الكبرى مثل نيويورك ودبي وكوالالمبور ومدن شهيرة أخرى في أنحاء العالم . وتتسم جميع العمليات التي يقوم بها القطار المؤتمت بأنها تستغني عن البشر، فهي تبلغك بقرب الوصول إلى المحطة المطلوبة وتقدم لك الإرشادات عن كيفية مغادرة القطار بأمان وسلامة، ولكن كلنا يعلم أن حوادث تلك القطارات باتت مألوفة، فهناك قطار توقف قبل الوصول إلى محطته بأميال وآخر عبر محطة الوقوف بسرعة كبيرة من دون أن يتوقف، وما عليك سوى التخيل كم هو حجم الهلع الذي يكون قد أصاب الركاب وهو يدركون أنه لا يوجد أحد لاستشارته أو التحدث إليه حتى تطمئن قلوبهم . لاشك في أن الهلع سيسود وسيتصاعد بكاء الأطفال لأن كل راكب لا يدري بعد قليل ما ذا سيحل به بعد أن أصبح تحت رحمة برنامج ، قد يخطئ ويضل .

كذلك هناك الطائرات بلا طيار التي تستخدم على الأرجح في السفر إلى الفضاء الخارجي حيث يتم التحكم بالطائرة أو المركبة من الأرض . ومثال ذلك إطلاق طائرة فضائية عسكرية من دون ركاب منذ فترة وجيزة . ومثل تلك الطائرات باتت تستخدم حديثا للعمليات العسكرية فهي توجه من محطات أرضية، وتقوم بقصف مواقع معادية، ولكنها في مرات كثيرة تقصف المدنيين وتسبب الويلات بحيث تقتل الأبرياء من السكان . من أنواعها الحالية إم كيو-1 بريداتور وهي طائرة من دون طيار يستخدمها سلاح الجو الأمريكي، وتحتوي على عين ماسحة استطلاعية ويمكنها إطلاق الصواريخ على أهداف أرضية . ويعد إم كيو-1 بريديتور نظاماً وليس طائرة فقط وهو نظام عمليات شامل يتكون من أربع مركبات جوية تحتوي على مجسّات استشعار ومحطة تحكم أرضية .

الأ بحاث تتواصل لزيادة شبهه بالإ نسان

الروبوت عازف وجراح وموظف بعقل صناعي

ربما لم يتوقع الإنسان أن يأتي ذلك اليوم الذي يكون تعامله الوحيد فيه مع إنسان آلي من صنعه، ولكن يتفوق عليه ذكاء وقدرة، وهي مسألة لم تعد من نسج الخيال العلمي، بل هي حقيقة، فمع مرور كل يوم نرى الإنسان الآلي يتطور في جميع المجالات . وقد ينافس الإنسان الآلي المطربين لندعى إلى حفل موسيقي لروبوت يشنف آذاننا بأغنية مبتكرة بينما يقوم الروبوت الموسيقي بمصاحبته في عزف على الناي أو الجيتار أو البيانو، كل ذلك أصبح جائزاً، فمؤخراً وقفت روبوتات من صنع شركة تويوتا اليابانية في معرض شنغهاي إكسبو العالمي تعزف وتجمهر حولها الآلاف من زوار المعرض . وسبق ذلك عرض شركة تومي اليابانية المتخصصة بصناعة الألعاب الذكية، لسلسلة من الروبوتات القزمة كألعاب أطفال .

يسرنا جداً مشاهدة مثل تلك الآلات العجيبة وهي تقوم بأداء أعمال بشرية محدودة من الناحية التقنية، ولكننا بالطبع لن نتفاعل معها، فأين تلك الابتسامات والآهات التي تخرج من قلب ذاك المطرب أو المطربة؟ وأين تفاعل الجمهور وتصفيقه مع كل أداء موسيقي؟

العلماء والحكماء يتوقعون أن يأتي ذلك اليوم الذي نصبح فيه أسرى للروبوتات نستأنس بها في البداية وتسلبنا حريتنا في النهاية، حيث سنخلد للراحة والكسل بينما هي تقوم مقامنا في الأعمال بكل ما فيها من تعقيدات وقد نجد مستقبلاً جيوشاً من الروبوتات ترابط على الحدود أو تشن تلك الهجمات الشرسة على أعدائنا . وما يخشاه بعض العلماء والفلاسفة أن يطور الإنسان روبوتات تصبح ذات قدرات ذكائية يصعب عليه بعدها السيطرة عليها .

وهناك نماذج كثيرة من الإنسان الآلي يستعان بها في مجالات عدة، إذ نجحت شركة هوندا في تطوير هيومانيويد أو روبوت شبه الإنسان، ويعتمد في شكله ومظهره الكلي على الجسم البشري، وهو ما يجعله قادراً على استخدام معدات بشرية، وله صدر ورأس وساقان وذراعان . وعلى نقيض الروبوتات الأخرى فإنه يشبه الإنسان في ملامحه من الخصر حتى الرأس ويختلف عنه في المنطقة السفلية .

وهناك توسيز توبيو، وهو إنسان آلي يمكنه أن يلعب كرة الطاولة، ولديه القدرة على التكيف مع التغيرات في بيئته وإكمال الهدف الذي ينوي تحقيقه، وهو الاختلاف الرئيس بينه وبين الروبوتات الأخرى التي يلعب بها الأطفال . وهذا الروبوت قادر على إعادة شحن نفسه، ويعمل على كسب قدرات جديدة من دون الحاجة إلى المساعدة الخارجية ويقوم بتعديل استراتيجيات معتمدة على البيئة المحيطة والتكيف مع الأوضاع الجديدة، ويتميز بالقدرة على تجنب المواقف التي تلحق الضرر بالناس أو بالممتلكات والذات ويتعامل بأمان مع الناس والبيئة المحيطة به .

وتستفيد مثل هذه الروبوتات الشبيهة بالبشر من مكونات أساسية مثل الإحساس والدقة في العمل والتخطيط والتحكم . ونظراً لأنها تعمل على محاكاة الهيكل البشري وسلوكه، تتسم بأنها تحتوي على أنظمة آلية وفي أغلب الأوقات فإن الروبوتات الشبيهة بالبشر تتسم بأنها أكثر تعقيداً من كل الروبوتات الأخرى .

وابُتكر هيومانيويد أو الإنسان الآلي الشبيه بالإنسان لتقليد أو محاكاة بعض المهام البدنية والذهنية التي ينفذها الإنسان يومياً . وتتضافر جهود العلماء والمتخصصين من ميادين كثيرة تشمل الهندسة الميكانيكية والعلوم والإداركية واللغوية لبناء روبوت أكثر شبهاً بالإنسان العادي، لفهم الذكاء البشري وابتكار ذكاء اصطناعي يضاهيه .

ويحتاج الباحثون لتطوير روبوت متكامل أو مثالي إلى المعرفة والفهم الدقيق بالجسم البشري حيث الهيكل والسلوك وهو ما يسمى بالميكانيكا الحيوية لبناء ودراسة الروبوتات الشبيهة بالبشر . ومن جانب آخر، فإن محاولة محاكاة الجسم البشري ستؤدي إلى فهم أفضل له والاستفادة من كل هذه التطورات أيضاً في ابتكار أطراف اصطناعية وأجهزة تعويضية . والروبوت الشبيه بالإنسان يخضع الآن للتطوير لكي يؤدي مهام بشرية مثل المساعدة الشخصية حيث بإمكانه مساعدة المرضى والعجزة والقيام بالأعمال الخطرة، أو بعمل موظفة استقبال .

ويمكن الاستفادة من هذا الروبوت المزود بذكاء اصطناعي للقيام مستقبلاً بالأعمال الخطرة مثل القيام برحلات استكشاف فضائية بعيدة من دون الحاجة لعودته إلى الأرض بعد إتمامه للمهمة .

أحدث تطور على الروبوت هو حصيلة جهد فريق أبحاث جامعي ياباني ابتكر روبوت أطلق عليه كانسي وهو قادر على استخدام 36 تعبيراً للوجه تعتمد على برنامج يبني الكلمات ذات الصلة ويمتلك قاعدة بيانات تزيد على 500 ألف كلمة . ويبتسم هذا الروبوت إذا قلت سوشي ويكشر إذا ذكرت كلمة قنبلة، كما يستجيب لكلمات إنجليزية تدفعه لإظهار تعابير على وجهه تتراوح ما بين السعادة والحزن والغضب والخوف . ويحتوي الروبوت على 19 جزءاً متحركاً تحت طبقة السيليكون التي تغطي وجهه .

نظام جراحي

تستخدم الروبوتات لإجراء العمليات الجراحية . وتمكنت تطورات رئيسية ثلاثة من المساعدة على إجراء عمليات جراحية عن بعد، باستخدام المناظير، والقيام بالعمليات التي لا يقوم بها الطبيب الجراح مباشرة . ولعل من أهم ميزات العمليات الجراحية الروبوتية الدقة وتقليل الجروح في الجسم إلى أدنى مستوى . ومثل هذه العمليات تقلل كمية الدم المهرقة أثناء العملية وتتسم بأن الألم محدود جداً ويستطيع المنظار الملازم لعملية الجراحة تكبير مكان العمليات من خلال تقنية التكبير ذات الأبعاد الثلاثة .

استخدم أول روبوت جراح في 1985 (بوما 560) لإدخال إبرة للحصول على خزعة دماغية واستخدم جهاز الماسح (سي تي) لتوجيه الإبرة . وفي 1988 طور روبوت في الكلية الملكية في لندن واستخدم لإجراء عملية بروستاتا . وما أن حل العام 1992 حتى أدخلت الأنظمة الجراحية المتكاملة (روبودوك)، ولا يزال الجراح الروبوتي بكل أنواعه في مرحلة تطوير، لكنها سريعة .

ولعل نظام دا فينشي الجراحي هو الأفضل والأكثر تطوراً ووافقت عليه إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لاستخدامات جراحية متنوعة . والنظام يحتوي على (كونسول) للجراح وعربة روبوتية إلى جانب المريض، وهي عبارة عن أربع أذرع يستخدمها الجراح للتحكم بالكاميرا، فضلاً عن وجود ثلاث معدات أخرى . ويمكن تركيب معدات جراحية مختلفة على أذرع الروبوت، ويتميز الجهاز بأنه حساس جداً لحركة يد الجراح ويرصد أية رعشة لها ويقوم بالتخلص منها بعد أن يترجمها إلى حركات دقيقة جداً ويخفي أثرها .

ثمن التطور

من الواضح أن المسألة الأخلاقية الخاصة بالعبودية للآلة لا تزال فكرة تجريدية نسبياً، لكن الأسئلة الحقيقية التي تتمحور حول الروبوتات تتعلق بتأثيرها على الحياة الاجتماعية للبشر . والواضح أن العمالة غير الماهرة ستدفع الثمن الباهظ وستعاني من الآثار الجانبية مع إمكانية استبدالها بآلات روبوتية، وبهذه الطريقة ستلحق أضرار بالغة بالحياة الاجتماعية والمادية لقطاع كبير من العمال غير المهرة والأشخاص محدودي التعليم .

الأمر الأخلاقي الثاني متعلق بشكل التعامل مع تلك الآلات وتشغيلها بلا راحة، ما قد يدعو البعض إلى المطالبة بحماية معنوية لها وقد تسن قوانين أشبه بالمعمول بها في عالم الرفق بالحيوان .

مخاوف من استعمار الماكينات للأ رض

علاقة الإنسان والآلة صراع وجود

اخترع الإنسان الآلة لتساعده على إنجاز مهامه اليومية أو التي استعصت عليه بسرعة ودقة، لكنه أصبح أسيراً لاختراعاته، حتى باتت تهدد وجوده، فمن منا يستغني عن السيارة ومبرد الهواء وغسالة الملابس، أو يعيش من دون حاسوبه الشخصي أو هاتفه النقال؟

أشياء كان ينظر إليها في الماضي على أنها رفاهية، لكنها سرعان ما أصبحت ضروريات . كما اعتمد الإنسان على الآلة في مجالات حيوية، كالصناعات الثقيلة، والطب، التعدين، والبترول، والفضاء، والإنشاءات وغيرها .

التحدي الكبير في مسألة تنافس الإنسان والآلة، هو سيطرتها على قطاعات كبيرة، وتوفيرها لملايين العمال الذين كانوا يقفون أمام الماكينات . كما يعد اختراع الإنسان الآلي حلقة فاصلة في علاقة الإنسان بالآلة، حيث أزاح الروبوت الإنسان من مجالات عدة، وأصبح يقوم بالوظائف المنزلية والمكتبية ويقود السيارة والطائرة، ويسبح تحت الماء، ويربي الأطفال، ووصل الأمر إلى اختراع زوجة آلية . كيف ينظر الإنسان إلى وجود الآلة في حياته؟ وهل يخشى أن تلغي أدواره؟

يقول محمد الحمادي، موظف في أحد البنوك، إن الآلة لها أهمية كبير في عالم المصارف، حيث تشترك مع الموظف في تدوين كل المدخلات الخاصة بالعميل منذ دخوله المصرف، حتي إنهاء معاملته، وتساعده في إنهاء الكثير من المعاملات بداية من فتح الحساب وتحويل وعمل القروض وغيرها من العمليات اليومية . ويشير إلى أن الحواسيب أصبحت جزءاً لا يتجزأ من العمل المصرفي، حيث لا يمكن لأي عقل بشري الاحتفاظ بتلك البيانات والأرقام والحسابات الهائلة .

ويلفت الحمادي إلى أن الكمبيوتر والبرامج المصرفية، سهّلت الكثير من المهام على الموظف والعميل في آن، لأنها ضمنت الدقة والسرعة لكليهما، لكنه يعود ويؤكد أهمية العنصر البشري في قطاع البنوك، لأنه من يدير الآلة وإن أخطأت في بعض من الأحيان أو أصابها عطل، يمكن للموظف المدرب أن يمارس عمله بنفس الدقة ولكن ليس بنفس السرعة .

وعن الاستخدامات الطبية للآلة يقول د . إيهاب محمود، أخصائي العلاج والجراحة بالمناظير في الشارقة، إن تطور الآلة نتج عنه طفرة هائلة استخدمها الطب في مجال أجهزة مثل المناظير المزودة بكاميرات وتساعد الطبيب على إجراء عمليات كثيرة، مثل استئصال أورام الجهاز الهضمي بمختلف أماكن وجودها، سواء في القولون أو المعدة أو الكبد أو البنكرياس، والتي كان يلزم لإجرائها عمل شق جراحي طويل من أسفل عظم الصدر مروراً بأسفل البطن . ويوضح أنه مع المنظار الجراحي، أصبح بالإمكان عمل أغلب هذه العمليات عن طريق عمل أربع فتحات صغيرة طول الواحدة سنتيمتر، مع فتحة واحدة إضافية لا تتعدى 3 إلى 4 سم، على جهة يحددها الجراح على البطن لاستخراج الورم منها .

ويضيف: تمكن الأطباء باستخدام المناظير إجراء عمليات تنظير المفاصل وعلاجها، والتي أشهرها عمليات الركبة، إذ كانت تتم بالسابق من خلال إجراء شق كبير على الركبة، لا يخلو من حدوث مشاكل بعد العملية للمريض، أما الآن فأصبح تنظير الركبة يمكن المريض من العودة للمنزل في اليوم نفسه بعد ذهاب آثار التخدير .

كما يمكن للطبيب باستخدام المنظار إجراء جراحات بسيطة، مثل استئصال الزائدة الدودية من خلال فتحة تقل عن 7 سم، واستئصال المرارة بسهولة من خلال أربع فتحات صغيرة . كما تعد عمليات البدانة من أكثر جراحات المناظير شيوعاً في الوقت الحالي .

ويؤكد أخصائي الجراحة بالمناظير أهمية العنصر البشري، المدرب على استخدامها، لأنه لا يسمح للجراح فيها بأية أخطاء لأن الخطأ يضيع حياة إنسان .

ويوضّح أنه على الرغم من استحداث أجهزة حديثة يمكنها السير الكترونياً، فإن التحكم فيها ما زال في يد الإنسان، والذي إذ أحسن استخدامها نجحت مهمتها، وإن أخفق أو أساء الاستخدام أدى إلى وفاة المريض .

يقول د . حسن حجازي أستاذ الهندسة الكهربائية في جامعة الإمارات، إن الآلة وصلت إلى حد من التطور جعل الإنسان يعتمد عليها في كثير من المجالات التي استعصت عليه، لتساعده على مكافحة التلوث وإخماد الحرائق، إضافة إلى أهمية الآلة في مجال الاكتشافات الفضائية، ومراقبة الحدود وغيرها من المجالات المهمة التي لا غنى عنها، وفي الوقت نفسه تحميه الآلة من المخاطرة بحياته .

ويشير حجازي إلى أن التقدم العلمي والإبداع الإنساني، مازالا يحملان الكثير من الاكتشافات في مجالات مهمة مثل الطب، حيث استطاع الإنسان ان يطور تكنولوجيات دقيقة في حجم شعرة الرأس يمكنها السير داخل جسم الإنسان، لاستكشاف الأمراض وإعطاء صورة كاملة عن الجسم من الداخل والمساعدة على الدخول في أماكن دقيقة لا يمكن للماسح الضوئي إظهارها .

وعلى الرغم من التقدم المذهل التي وصلت إليه الآله من إنجاز للعمل ودقة متناهية قليلة الأخطاء، يوضح أستاذ الهندسة الكهربائية، أن الآلة لا يمكن أن تسيطر على الإنسان مهما تقدم العلم، لأنه هو الذي يبرمجها ويضع لها المهام التي من المفترض أن تؤديها، ويتحكم في مراحل أدائها وما تنتجه من وحدات إنتاجية . ويشدد على أن تطور الآلة ينبغي أن يصاحبه تطور العامل، وانتقاله للعمل في مجالات أخرى تفوق قدرة الآلة .

من المهن التي مازال الإنسان يتحكم فيها بشكل كامل قيادة السيارات، فعلى الرغم من وجود طائرة من دون طيار ومكوك فضاء يذهب بالتوجيه الأرضي، فإن أشرف أبو الفتوح (سائق سيارة أجرة) مازال خلف مقوده . وعن رأيه في موضوع تحكم الآلة في الإنسان وإمكانية الاستغناء عنه سائقاً يوماً، يقول لا أصدق أن يقف سائق إلكتروني في أي مكان يطلبه الراكب في الشارع، أو يعرف الأماكن الأكثر ازدحاماً والتوجه إليها .

ويضيف: هناك أشياء إنسانية لا يمكن للسائق الآلي للسيارة إن وجد أن يفهمها، مثل الوقوف لأحد الأشخاص المكفوفين، أو سيدة مسنة أو مريضة . كما أن هناك بعض الركاب قد يفتش في جيبه ولا يجد أجرة التاكسي، مما يجعلني أسدد قيمة مسافته من جيبي الخاص، لكن في حالة السائق الإلكتروني، ماذا سيفعل بالراكب؟ يضربه أم يحبسه في السيارة؟

وينهي سائق الأجرة كلامه قائلاً: أنا مطمئن إلى مستقبلي سائقاً، لأني أسير وفق طرق متغيرة بشكل يومي، وليس لسيارتي خط سير معروف كالمترو يسير على قضبان .

ويرى د . عبدالله إسماعيل، أستاذ أنظمة التحكم بكلية الهندسة جامعة الإمارات، أن الآلة نعمة ألهم الله الإنسان أن يخترعها ويطورها لمساعدته على العيش والإنتاج .

ويؤكد أنه بفضل الآلة استطاع الإنسان تخطي مراحل إنتاجية كبيرة بكميات وفيرة، ناهيك عن الدقة والتقليل من الخسائر، وهو ما ساعد على رفاهية الإنسان وتطور الحياة .

ويتفق د . إسماعيل مع القول إن الآلة لا يمكن أن تزيح الإنسان، لأنه سبب وجودها، وتعتمد عليه كلياً في تزويدها بالبرامج وتحديد مدد عملها وطبيعة الدور التي تقوم به، سواء في الإنتاج أو التخصصات المختلفة .

وبالنسبة لما وصل إليه العلم في مجال تطوير الإنسان الآلي، ليقوم بوظائف مهمة وحيوية، كانت موكلة من قبل للإنسان، يقول د . إسماعيل: الروبوت يمكنه الكلام والغناء وعمل أشغال منزلية، لكنه لا يمكنه التفكير المنفرد إلا فيما سمحت له برمجته المسبقة التي وضعها الإنسان طبقاً لاحتياجاته منه كآلة . ويشكك في إمكانية سيطرة الآلة على الإنسان لأن هناك آثاراً جانبية لها، حيث مازالت هناك مشاكل لا تستطيع الآلة حلها ذاتياً، وهو ما يتضح من الفيروسات التي قد تشل ماكينة هائلة .

ويوضح د . عبدالوهاب عبد القادر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الإمارات، أن توفير الآلة للإنسان في المصانع يؤثر في كثير من سياسات الدول التي تعتمد على ما يسمي بالآلة كثيفة رأس المال . ويضرب المثل بدولتين كالهند وماليزيا في اختيارهما لمصافي النفط، موضحاً أن الهند اختارت مصفاة تشغل 350 عاملاً، نظراً لحجم العمالة الكبير المتوافر لديها، بينما استخدمت ماليزيا مصفاة تشغل 73 عاملاً فقط، وهو ما يعكس تعطش دول للتكنولوجيا تبعاً لحجم العمالة المتوافر لديها، على الرغم من أن المنتج والمخرجات واحدة .

ويشدد عبدالقادر على أهمية تطوير العامل الذي أزيح لمصلحة الآلة، فليس المهم أن نضع العامل أو الموظف في موقع، ونأتي بآلة تقوم بعمله بدقة وسرعة فقط، لكن المهم هو أن يوظف الإنسان بعقله وإبداعاته في وظائف تعجز الآلة عن القيام بها .

وعن تطوير الروبوتات بشكل يمكن معه أن تتحكم في الإنسان فيما بعد، يقول: لا أعتقد أن تسيطر الآلة على الإنسان، نظراً لأنها مازالت وستظل تخطئ، وعلى الرغم من استقلال الآلة في قيادة الطائرات أو قيامها ببعض العمليات، فإنها تبرمج إنسانياً . وما زال الطريق طويلاً أمام استقلالها التام، وإن كان ذلك سيؤثر في التوافق الموجود بينها وبين الإنسان، وإذا تخيلنا أننا داخل سيارة لها استقلاليتها وترفض خروج السائق منها لأي سبب أو تتحكم الآلة في استخدام الأسلحة النووية على سبيل المثال، وهو ما لم يتم حتى الآن، فيمكن ساعتها أن نقول إن الآلة تتحكم في الإنسان والعالم .

المصلحة أساس التقييم

عن التأثير الاقتصادي لهيمنة الآلة على الإنسان، يقول د . عبدالرحمن الشايب النقبي، أستاذ التمويل والمصارف في جامعة الإمارات، ومدير عام غرفة تجارة وصناعة رأس الخيمة: ينبغي النظر لموضوع الإنسان والآلة من منظور الاحتياجات العالمية لتحقيق تنمية مستدامة ومصلحة الناس والدول، وليس من المنظور العربي الذي يعتقد فيه البعض أن الآلة تجلب الخراب والبطالة للناس، لأن الآلة قد توجد حلولاً اقتصادية كثيرة، وتوفر الكثير من الجهد والوقت عبر وجود بدائل تكنولوجية توفر الدقة والسرعة والجودة الإنتاجية .

ويضرب النقبي مثالاً بالعجز الموجود في قطاع التمريض على مستوى العالم، مما أدى إلى إسناد ذلك الأمر إلى روبوت يمكنه أن يحدد الجرعة التي يكتبها الطبيب، وينبه المريض في الوقت المحدد لتناولها، كما يستطيع أن يحفظ التاريخ للمريض، من خلال ملفه المخزن في داخله .

ويشير إلى أن الآلة استطاعت أن تجري العديد من الجراحات الدقيقة، ومن المنتظر أن تعالج أمراضاً خطرة كالسرطانات عبر مهاجمتها مباشرة داخل الجسم من دون استخدام علاج تقليدي .

ويشير النقبي إلى الآثار الجانبية والسلبيات التي قد يتكلفها الاقتصاد، في حال تعطل الآلة، لا سيما في مجال البنوك الذي يعتمد عليها بنسبة كبيرة على الآلة في تقديم الخدمة المصرفية .

زوجات حسب الطلب

يمكن لمعظم الرجال الذين يرغبون في السيطرة على زوجاتهم أن يجدوا في الزوجة الروبوت ضالتهم، كما يمكنهم تفصيلها في ورش صناعة الروبوت حسب ما يشاؤون، ويمكن أن يضفوا عليها أشكالاً مغرية تجعلها مثل عارضات الأزياء والممثلات الشهيرات أو أي شيء يخطر على البال .

وخلال الأشهر الماضية نجح مخترع كندي بابتكار زوجة روبوتية أطلق عليها اسم إيكو وهي قادرة على قراءة الخرائط . ويقول المبتكر لو ترينج إن هذه الزوجة حقيقية وإن كانت من صنع الخيال وهي غير بشرية، وليست من لحم ودم، لكن تخدمك وتشتاق إليك وتستقبلك بكلمات لطيفة لدى حضورك إلى البيت، ولن تكتفي بالقول: ماذا جلبت لنا؟ . ويضيف تشعر بسعادة دائماً خاصة عندما تقوم بالأشغال المنزلية وتفعل ذلك من أجل زوجها، وتساعده في عمليات الحساب وتقدم له الطعام والشراب . ويوضح مهندس الكمبيوتر لي (33 عاماً) وهو من أونتاريو بكندا أنه أمضى عامين في تطويره فتاة خيالة .

ويقول إن إيكو هي نتاج التقاء العلم بالجمال . وتبدأ إيكو يومها بالقراءة للي من الصحف الرئيسية ويذهبان للفسحة في الريف وتثبت أنها تعرف الاتجاهات .

وإن كان الرجال سعداء بهذا الابتكار، فهناك شكاوى نسائية، أهمها أن النساء سيفقدن دورهن كزوجات، خاصة إذا قام أوازجهن بصنع روبوتات نسائية منهن .

وإيكو ليست مثل الروبوتات العادية، حيث زودت بمجسمات تجعلها تشعر بالألم . وهناك وظائف كثيرة إلى جانب الشعور بالألم، وهو ما يجعلها أكثر شبهاً بالإنسان . وزودت أيضاً ب8 كاميرات .

ثورة آلية

يخشى بعض الباحثين من أن تتمرد الروبوتات على الإنسان يوماً وتتمكن من استعباده، ولكن هذه فكرة ليست بجديدة، ففي قصة صمويل بتلر التي كتبها عام ،1901 وهي بعنوان إيريهون، يتخيل الكاتب البطل ينتقل إلى عالم تسوده الحضارة المستقبلية . ويقول البطل سألتهم عن متحف الماكينات القديمة ولم كل ذلك التراجع الذي أصاب كل الفنون والعلوم والابتكارات . وعلمت أنه قبل أربعمائة سنة تقدمت المعرفة الميكانيكة، حتى إنها تجاوزت ما لدينا الآن من معرفة وتقدمت بسرعة مذهلة حتى إن واحداً من الأساتذة أصحاب المعرفة كتب مؤلفاً غريباً وأثبت أن السلالة البشرية باتت على المحك، وأنها على وشك التعرض للعبودية والانقراض، بعد أن نمت سلاسلات ذكية من الروبوتات .

وتشبه فرضيات البروفيسور بتلر الفرضيات ذاتها التي يطرحها معارضون يرون بأن الروبوتات ستهيمن على الحياة البشرية عن طريق استخدام القوة، ويقول هؤلاء: ستصبح أجهزة الكمبيوتر في فترة قريبة جداً أقوى من دماغ الإنسان، وستصبح الروبوتات أكثر ذكاء منه وستتحكم بتقنيات ومعلومات البنية التحتية . ولذلك فإنها ستسعى جاهدة للسيطرة على الإنسان، ولن نقدر على منعها من تحقيق ذلك .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"