جذور التعليم شديدة المرارة لكن ثماره حلوة المذاق

د. عائشة السيار في حوار مع "الخليج" :
00:38 صباحا
قراءة 6 دقائق
حوار:ميرفت الخطيب

عندما تتحدث عن المرأة القيادية الإماراتية، تخطر على بالك مجموعة من الأسماء التي لا يمكنك أن تغفل عنها، وعن مشوارها، وحراكها المجتمعي والاقتصادي والتربوي، خاصة أنها تحل ضيفة في أي حدث كان، وعائشة السيار تعرف أنها من أوائل الإماراتيات اللاتي سافرن للخارج للحصول على الشهادات العليا، وهي من الرعيل الأول للقيادات النسائية اللاتي بدأن كبارا، ومستمرة في صعودها الإيجابي إلى الآن.
نشاط وحيوية وديناميكية، صديقة وصدوقة، هي الدكتورة عائشة السيار التي حملت الكثير من الألقاب، ومثلها الكثير من الجوائز الرفيعة المستوى، ولكنها بقيت متواضعة بابتسامتها، وترحيبها، وتلقائيتها، هنا تتحاور ابنة الشارقة «الإمارة الباسمة» بأريحية مع «الخليج»:

كنت أول إماراتية تكمل الدراسة الجامعية وتحصل على الدكتوراه. هل لك أن تحدثينا عن تلك الفترة؟ وكيف كان تعليم المرأة؟ وما التحديات التي واجهتك؟
نعرف أن الشارقة ودبي كانتا الأوائل في احتضان المدارس النظامية الأولى التي شهدها مجتمع الإمارات قبل إعلان دولة الاتحاد، وكان من حظي أن تتفتح طفولتي في مدرسة البنات، وحرصت أسرتي على تعليمي كحرصها على تعليم إخواني الذكور، على أن فرص التعليم في المراحل الأعلى بعد المرحلة الابتدائية كانت قليلة بالنسبة للجنسين، وبدرجة أكثر بالنسبة للبنات، وكان التعليم لكل منهما يتوقف عند نهاية المرحلة الثانوية.
وكمثال للتحديات التي كانت تواجه من يرغب في مواصلة تعليمه، لم تتوفر وقتها إدارة حكومية للتعليم بالمعنى المعروف، واضطررت أنا وعدد من زميلاتي في مدرسة الزهراء إلى أداء امتحان الثانوية العامة في الكويت، وكنت ورفيقات المدرسة نحلم بالدراسة الجامعية، ولكننا كنا نعرف أن الطريق غير ممهد، ولم ترتده من قبلنا فتاة بعد.
وبقدر غير قليل من الإرادة والإصرار كنت بين الأوليات اللاتي اجتزن الطريق إلى الجامعة، وكان من حظي أن تشاركني الحلم ابنة الشيخ صقر القاسمي، رحمه الله، فتؤمن لي الصحبة والإقامة الآمنة في كنف والدها بالقاهرة.
متعة المعرفة
ما الذي دفعك إلى طريق العلم آنذاك؟
عندما يأخذني الحديث إلى رحلة حياتي على طريق التعليم تحضرني الكلمة المأثورة التي تقول جذور التعليم شديدة المرارة لكن الثمار مذاقها حلو، فرحلة الحياة على طريق التعليم حافلة بالمشقات، لكنها أيضاً حافلة بمتعة الاستكشاف وبهجة المعرفة.
وصاحبني هذا الشعور بصفة خاصة، على مدى دراستي الجامعية، حيث تلقيت تعليمي الجامعي على يد أساتذة، منهم المؤرخ المصري الدكتور يونان لبيب رزق، وصلاح العقاد، وخلالها التقيت الدكتورة بنت الشاطئ أعظم الشخصيات تأثيراً في حياتي.
الخدمة الاجتماعية
بعد تعيينك في وزارة التربية والتعليم كأول وكيلة وزارة أسست قسم الخدمة الاجتماعية والتربية الخاصة، فما أهمية وضرورة تلك الخطوة؟
أنا أؤمن بأن المدرسة ليست لتحصيل العلم فقط، بل للتنشئة المتكاملة للطلاب علمياً واجتماعياً ونفسياً، والخدمة الاجتماعية في الأساس تعنى بالنواحي الاجتماعية والنفسية للطلبة وتساعدهم على التكيف والنجاح في المجتمع المدرسي.

والتربية الخاصة هي جزء هام من تلك الخدمة، سواء كانت تقدم لفئات ذوي الاحتياجات الخاصة، أو لفئات المتفوقين والموهوبين، من هنا جاءت فكرة تأسيس هذا القسم.

الوحيدة بين القيادات
في حواراتك الصحفية دائماً يسألونك عن تجربتك كأول وكيلة لوزارة التربية والتعليم في الدولة. ما الصعوبات التي اعترضت طريقك حينها؟
قبل أن أكون وكيلة كنت المرأة الوحيدة بين القيادات التي تولت العمل في أول وزارة وطنية تولت التأسيس للنظام التعليمي في الدولة عند إنشائه.
وحين أصبحت وكيلة الوزارة لقطاع الأنشطة التربوية والمركزية، توليت مسؤولية خمس إدارات تهتم بكل جوانب النشاط المدرسي الذي أصبح هو الركيزة الفاعلة لتطوير المناهج الدراسية، ورفدها بوسائل وأنشطة متنوعة تمكن الطلبة من الإقبال على التعلم وحفز قدراتهم وتنمية مهاراتهم ورعاية إبداعهم.
المسيرة المهنية
يحسب لك التنوع في مسيرتك المهنية، فمن التعليم والتربية إلى مجال الأعمال ليس المحلي فقط، بل والعربي أيضاً. كيف تشرحين هذا الزخم في العطاء؟
أحب العمل كثيراً ولا أهاب الفشل، ودائماً خطواتي محسوبة وهذا ما ربيت عليه، وكلما حققت هدفاً، برزت أمامي أهداف جديدة، فعندما كنت عضوة في مجلس سيدات الأعمال في الإمارات عملت لعضوية مجلس سيدات أعمال العرب حتى تبوأت منصب نائب رئيسة مجلس سيدات الأعمال العرب 2014 وما زلت.
واعتبر أن هذا المنصب يأتي انطلاقاً من اهتمامي بقضايا تنمية الإنسان بعامة، والمرأة خاصة، ومن خلال عضويتي في تلك المجالس والمؤتمرات التي تنظمها أتحدث بكل فخر واعتزاز عن إنجازات بلادنا، وعما حققته المرأة في دولة الإمارات من تنمية وتمكين حتى تبوأت الكثير من المناصب التنفيذية الهامة بالدولة.
أما مشوار التربية فهو يسري في دمي، لذا قمت بإنشاء عدة مدارس في عدة إمارات في الدولة، وحظيت هذه المدارس بثقة المجتمع، وتعد اليوم المدرسة من المدارس الناجحة في الإمارات، كما كنا أول مدارس تطبق التعليم الإلكتروني في التعليم.
الجوائز التربوية
نلت «الشخصية التربوية» في جائزة الشارقة للتميز التربوي، فكيف تسهم الجوائز التربوية في تجويد أداء الفئات المستهدفة وإيجاد حالة من التنافس الإيجابي؟
الجوائز التربوية أصبحت بتشكيلها ولجان تحكيمها مؤسسات تربوية وأكاديمية وبحثية ترسي معايير الجودة والأداء التعليمي المتميز، وتبرز نماذجه الحية في الميدان، وتطلق بمسابقاتها روح التنافس بين أطراف العملية التعليمية وتحرك فيها طاقات الإبداع. وأصبحت هذه الجوائز بأنشطتها ونواتجها من علامات الريادة لنظامنا التعليمي، وهي بعد ذلك كله شواهد تؤكد أن التعليم كان، وسيبقى في موقع القلب من مشروع دولتنا الحضاري.
مواقع الريادة
وصلت الإماراتية إلى مواقع الريادة في المجتمع، وتقلدت مناصب مهمة، إلى من تدين بالفضل، وكيف تنظرين إلى المرأة العاملة، وما نصيحتك إليها؟
وضع المرأة باتفاق الكثير من منظمات الأمم المتحدة المتخصصة، من أكثر المعايير تعبيراً عن تقدم المجتمع في مجال التنمية الإنسانية، لما يحمله من دلالات قاطعة على عدم التمييز بين البشر، بسبب الجنس، أو النوع، وفي تقديري أن وضع المرأة الإماراتية من أكثر الوجوه تعبيراً عن تفرد التجربة التنموية الإماراتية في مجال التنمية الإنسانية.
وحول الفضل، ولمن يعود في وصول المرأة إلى هذه المكانة، لا أجد أبلغ من هذا الرد الذي جاء على لسان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، حين قال «إن ما أتيح للمرأة من فرص ليس منة أو تفضلاً، بل هو طبيعة الأشياء، فالإماراتية قبل أن تكون وزيرة، أو نائبة، كانت ولا تزال أماً، وربة أسرة».
لقد تجاوزنا في دولة الإمارات التمييز بين الرجل والمرأة، فالمعيار هو الكفاءة والقدرة.
ومن واقع خبرتي العملية في وزارة التربية والتعليم ومشاركتي في أعمال الجمعيات النسائية منذ نشأتها، أستطيع القول إن ما وصلت إليه الإماراتية اليوم حصاد لجهد متواصل منذ بدء مسيرة التنمية لتعليم المرأة.
وإذا كان من فضل فيعود في المقام الأول إلى رؤية بناء الإنسان من دون تمييز بين رجل وامرأة، ويعود إلى الجهود التي بذلها الوالد الشيخ زايد، مؤسس دولة الإمارات، رحمه الله، وجزاه عنا خير الجزاء، والتي تعززت بمؤازرة سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام، الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، «أم الإمارات»، فقد آمنت سموها بأن تعليم المرأة هو طريقها لتحقيق ذاتها وإثبات وجودها فتواصلت جهودها على مدى المسيرة صوب هذا الهدف، وكانت قدوتنا وسندنا في الوقت نفسه.

شهر رمضان
حدثينا عن رمضان بين الماضي والحاضر، وما الذي تحرصين على تعليمه لبناتك في شهر رمضان وغيره؟
رمضان له خصوصية بين شهور السنة، وتصعب المقارنة بين الماضي والحاضر، لكن لرمضان أيام الطفولة مذاق خاص، حيث كنا نشعر بجلال المناسبة، وتغمرنا خلاله مشاعر المرح والبهجة بكل تلك الأكلات المتنوعة ومظاهر الاحتفال بمقدمه، والصلاة مع الأهل في الجوامع، ثم أيام العيد ببهجته وأفراحه. وبالطبع، وفي كل وقت أعلمهن التمسك بالعبادة، وحثهن على فعل الخير، من تكافل، وبر، وإحسان، والحقيقة أنني أشكر الله على التزامهن وحرصهن الدائم على أداء فروض العبادة، وحبهن للخير والسعي فيه وإليه.

تكريم
كنت من الأوائل الذين كرمهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ضمن جائزة الأوائل، فما ذكرياتك لحظة التكريم؟ وماذا تعني لك جوائز التكريم التي حصلت عليها؟
ذكريات كثيرة مرت كالشريط أمام عيني، ولكن ذكريات البداية وصعوبة الواقع حينها والطفرة الكبرى التي تحققت في جميع مجالات الحياة فرضت نفسها.
واعتز بكل جائزة حصلت عليها، فلكل واحدة طعم خاص، ولكل تكريم محبة وتقدير من الناس لي، ولكن تبقى جائزة قيادة العمل النسائي، وتكريم رائدات العمل الاجتماعي، وتكريم الأوائل مكانة أثيرة في نفسي وأعتز بكل منها كثيراً.

شرف المحاولة والتسلح بالعلم

حول السلاح الأقوى بيد الإماراتية، تقول الدكتورة عائشة السيار: نصيحتي لكل فتاة إماراتية ألا تتردد في خوض غمار التحديات والنجاحات، إضافة إلى الحصول على شرف المحاولة والتسلح بالعلم والإرادة هما خير وسيلة لمواجهة التحدي وحصد النجاحات. ولولا الرغبة في المحاولة مرة بعد مرة لما حقق الإنسان أي تقدم في الحياة.
وأعتقد أننا جميعاً ننظر بفخر واعتزاز إلى ما حققته المرأة، ونلمس الدور الإيجابي الذي تنهض به المرأة المتعلمة العاملة في خدمة مجتمعها، وفي الارتقاء بنوعية الحياة لأسرتها وفي تنشئة أطفالها، ولا أظنني في هذا المقام أملك نصيحة لها ويكفيني مؤونة ذلك الموروث الثقافي والروحي الذي يمثل رصيداً لا ينفد من الخبرات الحياتية، وحكمة الأمهات والجدات. ولنتذكر أن المرأة الإماراتية حتى عهد قريب، وقبل عصر النفط كانت امرأة عاملة بجانب تحملها المسؤولية الأكبر في إدارة شؤون بيتها، وأسرتهان وتربية أطفالها.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"