خيبة أمل عريس

00:02 صباحا
قراءة 4 دقائق
بعد التحاقه بكلية الهندسة اختار إبراهيم دراسة الحاسب الآلي وبرمجياته حباً في الكمبيوتر وعالمه، وكان ذلك دافعاً لتفوقه وحصوله على بكالوريوس الهندسة بتقدير امتياز، وفور تخرجه وجد إعلاناً في الصحف عن طلب لتخصصه في إحدى الدول العربية، وعلى الفور تقدم للوظيفة، ومع أنه لم يكن لديه أي خبرة بهرت اللجنة التي امتحنته به وبثقافته، فقد بدا أفضل بكثير ممن لديهم خبرة سنوات طويلة فتم قبوله، وفي غضون شهر واحد أعد حقائبه وسافر للعمل، وكما حقق نجاحاً في الدراسة كان له أيضاً نصيب كبير من النجاح في عمله، ما جعل الشركة التي يعمل لديها تغريه بالمال كلما فكر في العودة إلى الوطن وتمنحه إجازة وتذكرة سفر مجانية ليزور ذويه ثم يعود.
مرت السنوات ومر معها العمر وتعدى عمره الخامسة والثلاثين من دون أن يتزوج، فقد أفنى عمره وكل وقته في الكمبيوتر والتميز فيه حتى حقق ثروة لا بأس بها، والتفت حوله زميلات له في الغربة كل واحدة تحاول أن تحظى به، لكنه كان يشتاق إلى فتيات وطنه وصمم على ألا يتزوج إلا منهن وأخذ قراراً بالزواج في إجازته المقبلة وطلب من والدته وشقيقاته البحث عن عروس مناسبة.
عاد إبراهيم إلى وطنه وكله أمل في أن يصطحب عروسه معه في رحلة العودة، وبمجرد عودته بدأ رحلة شاقة وصعبة في اختيار العروس المناسبة، فكان قد أعد مواصفاته المطلوبة في شريكة حياته أولها ألا تعمل حتى لا تضحي بعملها من أجله، كما أنه لا بد أن يكون هناك اعتبار في اختياره لثقافة العروس وجمالها وحسبها، فكان يومياً يزور العروس المرشحة له حتى قاربت الإجازة على الانتهاء وهو ما زال حائراً ولم يستقر على العروس المناسبة، فإذا وزن الأمور بواقعية فلا توجد من اللاتي شاهدهن واحدة تناسبه لكن إصراره على تنفيذ قراره بضرورة الزواج حتى لا يفوته قطار العمر علاوة على إلحاح والدته عليه، كان يجعله يعيد النظر لعله يجد واحدة تلائمه بعض الشيء، وفي النهاية كانت قائمة المرشحات قد أوشكت على الانتهاء وبالمصادفة أثناء حضوره حفلة تعرف إلى فتاة على قدر كبير من الجمال نالت إعجابه ولم يفكر في السؤال عنها وعن أسرتها وقرر التقدم لأسرتها ليطلب يدها، وعندما تقدم لطلب يدها حظي بالموافقة على الفور ونظراً لضيق الوقت لم يكن هناك مجال للخطوبة، وتم الاتفاق على عقد القران والزفاف في يوم واحد لكن عند عقد القران أخفت أسرة العروس أنه تم عقد قرانها على رجل آخر من قبل وتم الطلاق قبل الزواج، كما أخفت العروس حقيقة أهم هي أنها فقدت عذريتها مع زوجها الأول، وقام المأذون بتحرير شهادة الزواج وأثبت فيها أن العروس بكر.
انتهى الحفل بسلام وبارك المدعوون الزواج واصطحب العريس عروسه إلى عش الزوجية، ومقابل فرحته العارمة بالعروس لم يجد منها سوى البكاء المستمر، فتركها حتى الصباح لعل أعصابها تهدأ، وبحب شديد ترك لها حجرة النوم ونام في الحجرة الأخرى، وفي الصباح جهز طعام الإفطار ودخل عليها حجرة النوم ليجدها ما زالت تبكي، فأصر على معرفة السبب ومن بين دموعها التي انسابت بغزارة اعترفت له بأنها ليست بكراً، وهنا تحولت كل الألوان الزاهية أمام عينيه إلى سواد وظلمة وشعر بأن الدنيا تنقلب من حوله أو أن هناك من ضربه على رأسه حتى كاد يفقد وعيه. جلس في حيرة يفكر في أمر عروسه التي راحت تعترف له من بين دموعها بأنه سبق أن عقد قرانها على شخص آخر أفقدها عذريتها أثناء لقاءاتها معه من دون علم أسرتها على أساس أنه زوجها وعندما تأخر في تنفيذ وعده بإتمام الزواج حدثته في الأمر فاعتذر بوجود بعض المشاكل لكن الانتظار طال وتكرر اعتذاره وفي النهاية غدر بها وطلقها ولم تستطع أن تخبر أسرتها بما حدث ومع مرور الأيام أصبح ذكرى باهتة في حياتها.
لم يستطع إبراهيم أن يصفح عن عروسه لعدم مصارحتها له قبل الزواج، وكذلك إخفاء أسرتها حقيقة زواجها السابق فطردها وأسرع إلى محكمة الأسرة وأقام دعوى يطالب فيها بفسخ عقد الزواج لعدم صحته، حيث إنه بني على الغش والخداع وقال في الدعوى إنه اكتشف ليلة الزفاف أن عروسه ثيب وليست بكراً ما يخالف ما جاء في وثيقة الزواج التي أقر فيها والد الزوجة بأنها بكر، في حين أنه تم عقد قرانها قبل ذلك على أنها عذراء، واتهم زوجته بالتزوير في عقد الزواج.
طلب محامي الزوجة رفض الدعوى تأسيساً على ما استقرت عليه أحكام محكمة النقض بأن إقرار الزوجة في وثيقة الزواج بأنها بكر في حين أنها ثيب لا يعد من قبيل التزوير المعاقب عليه قانوناً لأن البكارة ليست شرطاً من شروط صحة عقد الزواج، وحيث إنه ليس هناك نص في القانون ينظم تلك المسألة، يجب الرجوع إلى الفقه الحنفي وهو الفقه الواجب التطبيق عند خلو القانون من تنظيم حل لنزاع معين، وقد أشار مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة إلى أنه ليس للرجل في هذه الحالة طلب فسخ عقد الزواج وينحصر حقه في طلب تخفيض المهر بما يتناسب وحالة الزوجة كثيب وليست بكرا.
أثناء نظر الدعوى فوجئت المحكمة بالزوج يقوم بتطليق عروسه من دون انتظار الفصل فيها قضائياً، وبالتالي رفضت المحكمة طلب فسخ عقد الزواج، فقد أصبحت الدعوى ليس لها محل في الفسخ أو إنقاص المهر، وقالت المحكمة في حيثيات حكمها إن انحلال الزواج بالطلاق لا يرد إلا على عقد زواج صحيح، وأن الزوج بتطليق عروسه يكون قد أقر بصحة العقد وبما فيه المهر، وعلى ذلك فإن دعواه ليس لها محل في الفسخ، كما أنه ليس له الحق في طلب إنقاص المهر.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"