رشيد الضعيف و”اللغة” الثالثة

مرايا الزمن
03:32 صباحا
قراءة 3 دقائق

يصعب أن نتحدث عن الرواية اللبنانية بمعزل عن المساحة المرموقة التي انتزعها رشيد الضعيف لنفسه داخل المشهد الروائي المعاصر في لبنان، فالضعيف الذي بدأ حياته الأدبية في السبعينيات بوصفه واحداً من شعراء قصيدة النثر، ما لبث أن انصرف عن الشعر بشكل شبه تام مكرساً نفسه لكتابة الروايات، رغم أن مجموعتيه الشعريتين حين حل السيف على الصيف، ولا شيء يفوق الوصف لفتتا إليه أنظار النقاد والمتابعين لما تملكانه من قدرة على التكثيف والاختزال والتصويب إلى جوهر المعنى، ومع ذلك فإن الروائي الذي فيه قد انتصر على الشاعر بشكل حاسم بما دفع بصاحب عزيزي السيد كاواباتا، وتصطفل ميريل ستريب إلى موقع متقدم في الرواية العربية المعاصرة .

على أن اللافت في هذا السياق هو أن انقلاب رشيد الضعيف على الشعر لم يقتصر على هجر الكتابة الشعرية كنوع أدبي مستقل، بل بدا ذلك الانقلاب أكثر جذرية من ذلك بحيث لم يسمح الكاتب للشطحات الشعرية أو للبلاغة الفائضة أن تتسلل إلى رواياته . كأن شيئاً في داخله يريد أن يتخفف من تركة الشعر السابقة ويذهب بالرواية إلى النثر الخالص حيث السرد يتصل بالحياة اليومية العادية كما بالتوصيف المحايد للأشياء، وقد أخذ البعض على الكاتب هذا الجنوح المفرط إلى النثرية التبسيطية التي تلامس، وفق هذا البعض، حدود الركاكة وتتعدى الخطوط الحُمر للغة الأدبية . والحقيقة أن ما يسميه البعض تبسيطاً مبالغاً فيه للغة والأسلوب، ليس ناجماً البتة عن فقر في المخيلة أو عجز عن اقتراف البلاغة، بقدر ما هو خيار أسلوبي طوعي للكاتب الذي حاول المطابقة التامة بين السرد، والحياة غير آبه للإغواء الجمالي أو للشجن الرومانسي الذي يستسلم له الكثير من مجايليه .

لم تعد اللغة عند رشيد الضعيف عائقاً في وجه السرد، بل إنها لشدة عفويتها تبدو مجرد حامل حيادي للفكرة أو الحادثة أو المعنى . البلاغة هنا في حدودها الدنيا حيث لا نكاد نعثر على شبهة للتأليف أو ركض وراء استعارة أو تصيّد لمفارقة تعبيرية . واللغة التي يستخدمها الكاتب تبدو وكأنها لغة ثالثة بين المحكية والفصحى، أو كأنها ملتقطة من مجرى الحياة الطازج لا من بلادة القواميس أو من اختبارات المهارة التأليفية . ولعل هذا التقشف التعبيري يبدأ من العناوين بالذات حيث يكفي أن نطلع على بعض هذه العناوين من مثل ليرننغ إنغليش أو إنسي السيارة أو أوكي مع السلامة لكي نتأكد من ذهاب المؤلف نحو الحدود القصوى للتبسيط، غير متردد في استخدام الكلمات الأجنبية أو العامية .

لست على المستوى الشخصي من مؤيدي الخيار البلاغي في الكتابة الروائية، خاصة إذا بدت اللغة علايلية بامتياز، نسبة إلى الشيخ عبدالله العلايلي، بحيث يتحول الشكل إلى قناع للمعنى أو معوق له، وقد سبق لي أن أشرت إلى عقم هذا الخيار من خلال مقالة سابقة تناولت من خلالها الجموح البلاغي في رواية رشا الأمير يوم الدين، حيث يحول الاحتفاء المفرط بالبيان ومتانة الأسلوب بين القارئ وبين الحدث الروائي بما يرهق السرد ويرهق القارئ على حد سواء .

لكن التخفف من أثقال البلاغة لا يعني ذهاباً تلقائياً نحو الخيار المضاد الذي لا يحفل بأي بعد جمالي أو رومانسي أو شاعري، فإذا كان الضعيف، وآخرون غيره، يحتجون بالموضوعية والحياد إزاء أبطال الرواية أو مجريات أحداثها، فإن ذلك لا يعني إعداماً كاملاً لشعرية اللغة أو جماليتها، لا بل إن هذه الموضوعية بالذات هي التي توجب التماهي مع اليومي حيناً ومع الشطحات الرومانسية أو الشاعرية حيناً آخر، باعتبار أن للأبطال مخيلاتهم البعيدة وعواطفهم الجياشة ولغاتهم المتغايرة وفق مقتضيات الحالة أو الموقف .

ورغم إعجابي الشديد بالكثير من روايات رشيد الضعيف بدءاً من المستبد وصولاً إلى روايته الأخيرة تبليط البحر، حيث تتنوع الرؤى والأساليب والمقاربات، فإن ثمة خشية لديّ من إفراط الكاتب في النثرية أو التفريط الزائد باللغة، فالتعسف في الجمالية الشعرية لا يوازيه سوى التعسف المقابل في التنكر لها، خاصة أن رشيد الضعيف يستطيع بموهبته المميزة أن يسلك الخيار الثالث بين الخيارين .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"