سميح القاسم كاتباً مسرحياً

04:47 صباحا
قراءة 3 دقائق
نشر الشاعر الراحل سميح القاسم مسرحيةً شعريةً بعنوان "قرقاش" (المكتبة الشعبية في الناصرة، مطبعة الاتحاد، 1970)، ثم تلاها بمسرحيتين: الأولى "كيف رد الرابي مندل على تلاميذه" عام ،1973 والثانية مسرحية "الابن" عام ،1974 لكنهما لم تنالا شهرةً مثل الأولى .
اشتق القاسم عنوان "قرقاش" من اسم "قراقوش" (كلمة تركية تعني الطائر الأسود)، وهو في التاريخ أبو سعيد قراقوش بن عبد الله الأسدي الملقب ببهاء الدين، المتوفى في القاهرة سنة 1201م، وكان وزيراً لصلاح الدين الأيوبي، وباني القلعة . لكن شخصيته التاريخية تختلف عن صورته الشعبية، فالثانية أنموذج للحاكم المستبد الذي يضطهد الشعب، ويسخره بقسوة شديدة في تنفيذ نزواته، وهي الصورة التي وظفها سميح القاسم . وقد غير الاسم إلى "قرقاش" (معناها بالتركية الحاجب الأسود، ويذهب بعض الدارسين إلى أنه الاسم العبري لهذا الحاكم!)، حتى لا يصطدم في قليل أو كثير مع شخصية "قراقوش" التاريخية، حسب رأي رجاء النقاش، لأن "قراقوش" له تاريخ معروف، وبعض كبار المؤرخين يدافعون عنه، ويرون أنه من المظلومين وليس من الظالمين .
يرسم القاسم في المسرحية شخصية الحاكم النذل "قرقاش"، بوصفه طاغية ومغرماً بالحروب والقتل وسفك الدماء، ويسير القاسم وفقاً للرواية التي تقول إن "قرقاش" قد تميز بإصدار القوانين الحمقاء القاتلة للحريات . وهو، أي القاسم، يعدد هنا الفرمانات والأوامر والقوانين في شكلها المعاصر، لربطها بالحاضر، حيث يمنع "قرقاش" الناس من التجول في أثناء قيامه بالرحلات، كما يمنع الغناء الشعبي، ويسوق أبناء الشعب، رغماً عنهم، إلى الخدمة العسكرية (الإلزامية)، ويشنق من يتعمد عدم الإنجاب، أو العقم، متهماً من يفعل ذلك بأنه ضد الدولة، في صورة مشابهة لقوانين الدولة الاستبدادية في رواية 1984 لجورج أرويل .
من قوانين "قرقاش" العجيبة شنق الأطول إذا كان المجرم قصيراً، وقد أمر في أحد مشاهد المسرحية بشنق رجل طويل من مساعديه الأقربين، لأن المواطن المحكوم عليه قصير بحيث لا تصل رقبته إلى حبل المشنقة، وممنوع على الشعب أن يحزن، وعلى جميع المواطنين أن يكونوا فرحين، تعبيراً عن سعادتهم بشقائهم في ظل الطاغية المجنون، ولذلك عين وزيراً للحزن ليحزن باسم الشعب! وفي أحد المشاهد يُلقى القبض على امرأة بكت حزناً على ابنها المقتول في الحرب، فيسخر منها "قرقاش"، ويخاطبها:
من أين تعلمتِ الحزن
يا بنت الخائن والبلهاء؟
ومتى أصبح في هذي الدولة
يفعل ما طاب له . . من شاء؟
لكن المسرحية تنتهي بهزيمة ساحقة لم يكن يتوقعها "قرقاش" أبداً، مثل العديد من الحكام المستبدين في عالمنا العربي، فالطغيان أعمى، ولا يستطيع أن يرى أي شيء آخر غير نفسه . وفي خط درامي آخر في المسرحية يتعرف ابن "قرقاش" إلى فتاة حسناء من بنات الشعب، ويذوب فيها حباً، بيد أن الحب ممنوع في مملكة "أبيه"، كما أن حب ابن الحاكم لفتاة من عامة الناس جريمة لا تغتفر، ولذلك أمر "قرقاش" رجاله بقتل الفتاة، وحينما يعلم الحبيب بموتها يلجأ إلى الانتحار، على غرار انتحار هيمون ابن الملك الطاغية كريون حين سمع بنبأ موت حبيبته أنتيغونا، في مسرحية سوفوكليس الإغريقي، ويطفح كيل الظلم، فيندفع الشعب، ويقتل "قرقاش" ووزيره، ويجلسون على كرسي الحكم .
درامياً تتسم المسرحية بحبكة متماسكة، والصراع يجري فيها متدفقاً يشد أنفاس المتلقي، والشخصيات مرسومة بمهارة وأبعاد واضحة ودوافع مقنعة، وأسلوبها الشعري سلس، تهكمي لا صنعة فيه ولا تجريد ولا تنميط كما في العديد من المسرحيات الشعرية العربية، يعبر عن مواقف الشخصيات وتصوراتها بكثير من العفوية والصدق، وربما كان للمسرحية تأثيرها في بعض النصوص المسرحية العربية النثرية، وكذلك الروايات، التي قاربت، أو شرحت شخصيات استبدادية مطلقة متهورة، في هيئة زعماء أو جنرالات، مثل: مسرحية "حديقة الموتى" لإبراهيم جابر إبراهيم، و"الجنزير"، لمحيي الدين زنكنة، ورواية "سعيد الأول والواحد والعشرون" لحافظ البرغوثي .


عواد علي

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"