سيارتي

من الواقع
12:54 مساء
قراءة 8 دقائق

يقول صاحب القصة: على العين أن تصور الحياة بكل ما فيها، حتى وإن رأت ما لا يسرّها، على الدموع أن تمنع تبعثر المشاعر التي تعكس اندفاعاتنا، أن نجمع دموعنا مع ذكرياتنا، أن نتوقف عن البكاء وإثارة الأسئلة الدائمة . فمتى يحق لي أن أبكي؟ وأنا الطفل المدلل بين اخوتي، أصغرهم وأكثرهم تعلقاً بثياب أمي، سكبت دموعي في حضنها الحاني، ويا للعجب . كيف لي أن أحبس تلك القطرات؟ كانت أكثر دموعي ملوحة . . هي تلك التي سكبتها حين فقدت سيارتي المفضلة التي أهداني إياها والدي قبل سفره الأخير، بحثت عنها في صندوق الألعاب وأماكن لعبي الخاصة في زوايا المنزل، قالت لي أمي إن هذه السيارة تشبه سيارة أبي التي سافر بها، تلك ذات اللون الأسود الفاخر والنوافذ الزجاجية وحتى مقاعدها الجلدية، كنت دائماً أتخيل وجودي داخلها، أسير بها وسط الشارع الذي صممته بمكعباتي، وحين غضبت وألقيت بها على الجدار تحطم الجزء الخلفي وأصبح هشا، حاولت صيانتها بنفسي فساعدتني أختي على ذلك ووضعت عليها الشريط اللاصق والورق الملون الذي كتبت عليه اسمي (ف ا ر س)، أنام وهي بجواري تشاطرني أحلامي التي أدخلتها في سباق الرالي ووضعت عليها رقمي الذي أحب كتابته ،5 الآن ابكيها . ابحث عنها بلا جدوى، ساعدني إخوتي على البحث عنها في أرجاء المنزل لأنهم كانوا على يقين أنني لن أنام من دونها ولن أرضى ببديل عنها، بحثت عنها وتحريت مكانها، حاولت التذكر . أين عساني أكون قد فقدتها؟ تعبت أخيراً وعدت أبكيها . تجاهلوني واستمروا في البحث بين الوقت والآخر، ركضت نحو أمي وأنا ابكي بمراره، فقدت سيارتي، أضعتها . ولتهدئ من روعي وتدخل السعادة على قلبي، قالت لي: سيشتري لك أبوك سيارة جديدة أحسن منها، فسرعان ما جفت تلك الدموع المؤلمة، فرحت كثيرًا ورحت لإخوتي لأخبرهم بالخبر السار: سيشتري لي أبي سيارة جديدة أفضل منها وأجمل، وكررت ذلك مراراً من دون ملل . وعندما كنت استيقظ كل يوم اسألهم وألح عليهم: متى سيعود؟ ألم يرسل لي سيارة جديدة؟ إلى أين سافر؟ اتصلي يا أمي عليه وقولي له فارس يريد سيارة جديدة . أريد سيارة جديدة، ومع مرور أيام طويلة كانت تزداد نوبة بكائي وإصراري على أن يرسل لي أبي سيارة جديدة، وسرعان ما جاء ذلك اليوم، استيقظت وبجواري سيارتي الجديدة، لم أفكر ممن قد تكون فقط حملتها ورحت بها إلى إخوتي، وأنا اقول: أبي أرسل لي سيارة جديدة، مزقت الكرتون وسحبت السيارة من داخله، نظرت إليهم بعد أن تأملتها قليلاً فهي تختلف لونها أزرق وعليها لاصق وكتابات خربشيه نوافذها داكنة ومتسخة مرعبة جدًا، قلت لهم: إنها لا تشبه سيارة أبي . فقال أخي الذي يكبرني بأعوام: اشترى أبي سيارة جديدة واشترى لك مثلها، فضحكت وقلت له: أجل، ولم تفارقني من يومها . أنهيت المرحلة الأولى من عمري وبلغت مرحلة المتوسط كغيري من إخوتي، وكنت لا أزال متعلقاً بسيارتي ودفعني ذلك لمعرفة أنواع السيارات وهياكلها، وفي وقت طلب منا الأستاذ تدوين بياناتنا على ورق، ورقة طالما عرفت أن أخي هو من يقوم بكتابتها وتدوين ما فيها من معلومات، ومن دون قصد تهورت وقمت بتدوين بياناتي رغم معرفتي بأن هذا سيغضب أخي الأكبر، وأعطيتها الأستاذ ولم أذكر لإخوتي وحتى لأمي شيئاً عن البيانات ونسيت أمرها . وفي حصة مملّة والنعاس يغالبني، طرق الأستاذ الباب وناداني: فارس، تعال معي، فقفزت عن كرسيي وكلي نشاط، وتساءلت عن سبب استدعائي . هل بسبب المشاجرة التي حدثت نهاية الدوام ولأني كنت واحدًا منهم؟ أم لأنني لم أحضر حصة الرياضيات؟ توقفت تساؤلاتي عندما مدّ يده بورقة بياناتي، وقال: فارس . . من قام بتدوين بياناتك؟ وبحذر شديد قلت: أنا يا أستاذ، قال: لِمْ لَمْ تعطها لأخيك ليدون بيانات صحيحة؟ (ففهمت الجزء الأول وتجاهلت الجزء الثاني)، قلت له: لكني أعرف بياناتي وكتبتها كما يكتبها، فصمت طويلاً وهو يقلب الأوراق، فزاد خوفي من أمر أجهله وأحسست بفضول ورغبة بمعرفة ماذا كتب عني؟ ظننته سيجعلني أكتب تعهداً أو أن يضربني خلف رقبتي، استغربت أكثر عندما صرفني إلى الصف، ولم يكن هناك متسع من الوقت، فأنا أريد حل واجب الحصة التالية قبل دخول الأستاذ، انشغلت بكتابة الواجب ونسيت الأمر . عدت إلى المنزل نشيطاً، وكنت قد اعتدت على أن تستقبلني أختي وتسألني عن يومي لكني لم أرها كالعادة، ففتحت الباب وأنا أتحدث ككل يوم: اليوم في المدرسة اختبرنا توحيد والحمد لله الأستاذ بشرني بأن درجتي تمام، وحين أحسست بهدوء غير طبيعي توجهت إلى غرفة أمي وفتحتها بسرعة وأنا أتساءل: هل غادروا المنزل وتركوني؟ وفي منظر لم أنسه وقف إخوتي حول أمي وتلك النظرات تزيد حيرتي، سألتهم: ماذا هناك؟ وسرعان ما أخرج أخي الأكبر الجميع، وبقينا نحن الثلاثة، أنا، وأمي، وهو أخي الأكبر، قلت في نفسي: هذا الأستاذ، كله منه ملقوووف، سيعاتبني أخي الآن، وهيأت نفسي لاستقبال أي كلمة قد يقولها، فبادرته بالاعتذار ورأسي إلى الأرض . فقال لي وهو يمسك ورقة بيانات جديدة أخذها من الأستاذ: هذه بياناتك الصحيحة اقرأها، ظننته يسخر مني ولولا وجود أمي لمزقت الورقة وتركت المدرسة وهجرت إخوتي، سحبت الورقة ونظرت إليها سريعاً فوجدت فيها معلومات جديدة .لم أكن أعرفها، عني أنا، فارس، وعن أبي عبد الله، لم يذكر قط إلا مرة واحدة ثم اختفى، أعيش مع إخوتي وأمي . هذه معلومة صحيحة أما عن أبي، فلم يكتب عنه غير أنه متوفى، كلمة واحدة جمدتني مكاني وبقيت عيني عليها، نظرت لأخي دون أن أتكلم فقال لي بعد أن علم من نظراتي تلك أنني عرفت المعلومات الجديدة: أبونا توفي في حادث سيارة بعد ولادتك بشهور . لم أصدقه ورحت أكذبه، وأنا أجر أمي من ثيابها كما لو كنت لا أزال ذلك الطفل الصغير، عيناي تحملان من دموع السنين الكثير، مصيبتي أنني لم أكن أعلم أن أبي متوفى، كل تلك السنين وأنا انتظر قدومه . السيارة الزرقاء لم تكن من أبي، أخي الأكبر اشتراها لي ليرضيني ولأكف عن السؤال المستمر: متى يعود أبي؟ خدعوني، ضحكوا علي . خرجت إلى الشارع وجلست على الرصيف، أراقب تحركات ما حولي ولم اعد للمنزل منذ تلك الحادثة . هربت لخالتي التي تدللني . عشت عندها في غرفة أشبه بعالم للسيارات ، رغم أن هذا يضايقها إلا أنها تخشى ألا تراني مرة أخرى سرت على منهج أبي، وعرفت أنواع السيارات ومحركاتها، وكنت أنافس المفحطين ببراعتي، لم أعد للمنزل لأنني كرهت تلك النظرات التي نظر إلي بها إخوتي قبل المجتمع، أكملت دراستي في منزل وحدي هو عالمي للسيارات التي أحبها، أخي الأكبر يزورني وينقل لي أخبار أهلي، لم أكن أرغب في رؤيته لولا أنني بحاجة إليه ليساعدني، وبجانب اهتمامي بدراستي، بحثت في محلات السيارات عن سيارة تشبه سيارة أبي . بعد تلك السنين المؤلمة، تخرجت في الجامعة بعد مجهود، جاء أخي الأكبر ليكون أول المهنئين ومعه هدية لي، كانت الهدية سيارة تشبه سيارة أبي، لكني لم أعره اهتماماً، ورفضتها لأنه الكاذب الماكر . ترك المفتاح على الطاولة أمامي ومضى لعمله من أجل أمي وإخوتي، تركتها لأيام معدودة، و لم تكن أمامي سيارة غيرها وأنا احتاج إليها . أدرت المفتاح وتحرك الباب ليفتح، وتفحصتها من الداخل، وكان أجمل ما أعجبني بها، سيارتي السوداء، تلك التي تشبه سيارة أبي حين وقع له حادث، تلك هي الوحيدة التي لامسها أبي ووصلت لي منه، اشتراها لي قبل سفره، كان حريصًا على أن تكون مثل سيارته . أخذت اقلبها، فوجدتها كما تركتها منذ أن كنت في الرابعة من عمري، لازالت حروف أسمي المتعرجة مكتوبة عليها . اتصلت على أخي وأنا جالس في المقعد الأمامي والسيارة السوداء في مقدمة سيارتي، اتصلت بدافع المعرفة: أين وجدوها وكيف؟ ردت علي أختي التي كانت دائماً تلعب معي في مدينتي الخاصة، حدثتني بلهفة وشوق، وسرعان ما جرّ أخي الذي يكبرني بأعوام الهاتف وقال لي ممازحاً كعادته يلاطفني: حركات . وين الناس؟ ثم أخي الأوسط، ذلك الذي كان يصرخ بي عندما أبكي: اسكت، ثم تلك المرأة الصبورة . أمي التي بللت ثيابها بدموعي، صوتها فيه شوق وحنان، لم تكثر الكلام، قالت: فارس . . حبيبي . . متى ستعود؟ ثم أخذ أخي الأكبر السماعة منها، وبدأ يحدثني وأنا خجول من نفسي، الكل يسأل عني، يودون رؤيتي سعيدين بسماع صوتي . خجلت من نفسي وأخي يردد: هل أعجبتك السيارة؟ فطال الصمت أكثر، وشعرت بخطأ وخجل من نفسي وبدأت ألومها، وبين كل كلمة أقولها يقول أخي: هل تسمعني؟ سألني عن سيارتي السوداء، فانتهزت الفرصة لأسأله: أين وجدتموها؟ قال: في وقت كنا نجهز أشياءنا استعداداً لانتقالنا لمنزلنا الجديد، أنهيت المكالمة بعدها بقليل، بحجة أنني مشغول الآن، وكانت تلك كذبة واضحة، لشاب عاطل تمنعه كبرياؤه من الاعتراف والاعتذار، بل يستمر في لوم نفسه . لا أعرف ما هي الطريقة الصحيحة للعودة للمنزل، حاولت المراوغة فرسبت لأن حساسيتي دائماً تفضحني، إخوتي يعرفوون الكثير عني، كيف لي أن أنسى أنني أنا المدلل بينهم، أنا الذي طلباته أوامر، بدأت بجدية أفكر، كيف سأعود؟ وأي طريقة تناسب حالتي؟

أوووووووه . . . لقد نسيت، انتقلوا لمنزل جديد، لم أذهب إليه ولو بالخطأ، كيف لي أن اتصل مرة أخرى على أخي لأسأله هذا السؤال الغبي: أين نسكن؟ أدركت وقتها مدى حماقتي وأنانيتي .

لست أنا الوحيد الذي فقد أباه . . لست أنا الوحيد الذي ضحك بعد ممات أبيه . . لست أنا الوحيد الذي تعلق بهدية من أب راحل . لست أنا الوحيد الذي سار على نهج أبيه في حياته . كنت أحدث نفسي وأنا أسير بالسيارة في شوارع حقيقية، شوارع فيها ضوء كشموع الليل، لازلت أحدث نفسي وأنا اسمع صوت الإسعاف يقترب مني، لازلت أحدث نفسي وأنا أضغط على الجوال . متردداً هل سيقبلون عودتي، لازلت أحدث نفسي وأنا نائم في غرفة يلفها الهدوء بالمستشفى، نمت طويلاً، ولم يكن النوم مريحاً، بقيت أتقلب على جنبيّ، لم أستطع التوقف عن التفكير إلا عندما شعرت برائحتها بجواري، تلك الأم الحنون، لازلت أشم رائحتها، دموعي لازالت عالقة بنسيج ثيابها، فتحت عيني وهي تسقيني من دموعها المتلألئة، تلك الدموع الغالية التي أعرف كيف أجعلها ترثيني وأعجز عن إيقافها .

الدموع التي جعلتني أعرف أنني سأخرج من المستشفى إلى المنزل لا لشقتي الوهّمية .

الدموع التي أجبرتني على الاعتذار من دون أن تترك لي فرصة لأفكر .

شعرت براحة أعادت لي طفولتي، عرضت أجمل لحظاتها، وحفظت حواراتها العفوية، كل شيء عاد كما كان إلا أن أبي لن يعود، عادت لي ذكرى انتظار طويل، وعلقت بذاكرتي قصة وفاة أبي، والسيارة التي ربطتني به، كان ولا يزال له وجود في حياتي، وقد يورث الولد من أبيه أشياء، تجعلهم يعرفون أنه هو ابن أبيه، لذا فالجميع يقولون أني أكثر أولاده شبهًا به، وإن لم أكن أشبهه في شكله، لكني ورثت منه حبه للسيارات، ولكن ما يميزني عن أبي أنني لا أحب جميع السيارات، بل فقط تلك السيارات التي تحمل مواصفات سيارتي (ف .ا .ر .س) .

Mrim_r@yahoo .com

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"