أسس مجموعة من طلاب فرع الأكاديمية البحرية بالقاهرة عشقوا العمل التطوعي غير التقليدي، أسرة جامعية أطلقوا عليها اسم صناع الحياة، واختاروا أن تتخطى أعمالهم التطوعية أسوار أكاديميتهم لتصل إلى سكان المناطق الأكثر فقرا القريبة جغرافيا من موقع الفرع شرق القاهرة .
من أجل نجاح أفكارهم راح هؤلاء الشبان يدرسون هذه المناطق بدقة فوجدوا أن عزبة الهجانة القريبة من أكاديميتهم الأكثر فقراً بين هذه المناطق العشوائية، فاختاروا أن يركزوا خدماتهم عليها وبدأوا بمحاربة انتشار الأمراض المتزايدة فيها بتنظيف الشوارع بأنفسهم، وراحوا بجهودهم الفردية وأفكارهم العملية يؤمنون للأسر المحتاجة بهذه المنطقة والتي بها أفراد قادرون على العمل، مشاريع إنتاجية صغيرة تدر عليهم دخلا ثابتا .
أفكار شباب صناع الحياة غير التقليدية لم تقف عند اختيار المنطقة التي سوف يقدمون فيها خدماتهم، أو تحديد طبيعة الخدمات التي سوف يقدمونها، ولكن تخطت ذلك إلى ابتكار طرق جديدة لجمع أكبر قدر من الموارد المالية لتنفيذ ما خططوا له، فراحوا يقفون بأنفسهم يبيعون ملابسهم المستعملة بأسعار رمزية، ويقوم بعضهم بتجهيز بعض الأطعمة وبيعها لزملائهم هذا بجانب تبرعات بعضهم المادية، حتى كبرت أسرتهم وتوسع نشاطها ليشمل أيضا مساعدة بعض الفئات الخاصة مثل الأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة من الصم والبكم .
بداية مجموعة شباب صناع الحياة مع العمل التطوعي جاءت قبل سنتين عندما اقترحت الطالبة ياسمين سعودي على أربعة من زملائها تكوين هذه الأسرة من أجل تقديم خدمات غير تقليدية للفئات الأكثر احتياجا في المناطق الفقيرة المحيطة بأكاديميتهم .
وتقول ياسمين عن البداية: منذ أن التحقت بالأكاديمية البحرية قبل أربع سنوات وأنا أشارك في أنشطة خيرية وتطوعية كثيرة في جمعيات مختلفة ووجدت أن الأغلب يركز جهوده التطوعية في إطار أسوار جامعته وأن من يخرج للمجتمع المحيط يقتصر دوره على تقديم مساعدات مادية للمحتاجين سرعان ما تنفق ويعود الاحتياج من جديد، ففكرت في توسيع نشاطنا الخيري التطوعي ليمتد إلى المناطق الأكثر فقرا المحيطة بأكاديميتنا وأن تكون أفكارنا في عملنا الخيري الجديد هدفها تقديم خدمات تعود على الأهالي بالنفع الدائم وأن ننشئ من أجل ذلك أسرة جامعية حتى تكون جهودنا أكثر فاعلية، وعندما ناقشت أربعة زملاء لي في فكرتي وجدت ترحيباً شديداً واقتناعاً بالفكرة واخترنا لأسرتنا اسم صناع الحياة حتى تكون أكثر تعبيرا عن أهدافنا .
وحتى لا تتشتت جهود شباب صناع الحياة في عملهم التطوعي بدأوا بدراسة المناطق الفقيرة المجاورة لأكاديميتهم دراسة دقيقة بهدف اختيار منطقة واحدة من هذه المناطق يركزون فيها جهودهم، وجاء الاختيار على منطقة عزبة الهجانة المجاورة لأكاديميتهم كونها الأكثر معاناة من الفقر وانتشار الأمراض بين المناطق العشوائية المحيطة بهم .
يقول إسلام أحد أعضاء صناع الحياة: بدايتنا في عزبة الهجانة كانت بدراسة حالة المنطقة وتحديد أهم المشكلات التي يعاني منها سكانها وترتيب أولويات هذه المشكلات ووضع برنامج علمي لنا لمحاربة هذه المشكلات والقضاء عليها، وجاءت مشكلة ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المختلفة بين السكان في المقدمة، وبحثنا عن أسباب انتشار هذه الأمراض فوجدنا أن تراكم القمامة في الشوارع وعدم النظافة أهم أسباب انتشار هذه الأمراض، عندها فكرنا أن نقوم بأنفسنا برفع أكوام القمامة من الشارع الرئيسي بهذه المنطقة وتنظيف الشارع حتى نكون قدوة للأهالي بعد ذلك في تنظيف شوارع منطقتهم بأنفسهم وحتى نكسر لديهم النظرة الدونية لمن يقوم بتنظيف الشوارع، استأجرنا جرارات وسيارات نصف نقل لرفع القمامة بعد أن رفض الحي مساعدتنا وقمنا بأنفسنا برفع القمامة ولم نهتم فقط برفعها من هذا الشارع ولكن ركزنا على الجانب الجمالي، حيث قام مجموعة شباب طلاب الأكاديمية قسم هندسة عمارة بالرسم على جدران الشارع وشراء نباتات لجعله مكانا أفضل لسكانه .
وتابع: في البداية استغرب الأهالي ما نقوم به عندما شاهدوا شباباً وفتيات جامعيات يقومون برفع أكوام القمامة المتراكمة وتنظيف الشوارع وسرعان ما قام الأهالي بالتعاون معنا ولم نترك المنطقة حتى رفعنا أكوام القمامة وأخذنا وعدا من الأهالي بتنظيف شوارعهم أولا بأول .
وعندما لاحظ شباب صناع الحياة أن كل الجهات الخيرية العاملة التي تقدم خدمات في عزبة الهجانة تقتصر خدماتها على تقديم مساعدات مادية للأسر الفقيرة التي سرعان ما تنفقها هذه الأسر وتعود إلى طلب المساعدة من جديد رغم مقدرة الكثير من أفراد هذه الأسر على العمل عندها راح الشباب بجهود فردية وأفكار عملية يؤمنون لهذه الأسر مشاريع إنتاجية صغيرة تدر عليهم دخلا ثابتا .
عن تلك المشروعات يقول أحمد أحد أعضاء صناع الحياة: فكرنا في عمل مشاريع إنتاجية صغيرة للأسر المحتاجة القادر بعض أفرادها على العمل وليس تقديم مساعدات مادية مثل غيرنا فقمنا بعمل مكتبة صغيرة لأرملة، وأيضاً شراء دولاب وسرير لأرملة كفيفة، وشراء كرسي متحرك لرجل يعاني من مشاكل في قدمه .
وأضاف: كبر عدد أفراد صناع الحياة وتنوعت أنشطتهم الخيرية فنظموا احتفالاً كبيراً للأطفال الأيتام وحاولوا جاهدين رسم البسمة على وجوههم وعندما نجحت الفكرة أعادوها مرة ثانية لعدد آخر من الأطفال الأيتام وبعدها قاموا بتنظيم يوم احتفالي لذوي الاحتياجات الخاصة تحت عنوان مصري مهما يكون بحضور عدد كبير من ذوي الاحتياجات الخاصة وقاموا بعمل مسرح للعرائس والألعاب المختلفة ومسابقات وتعاونوا مع جمعية الأورمان في حملة بطاطين الشتاء من أجل جمع 25 ألف بطانية للأسر الفقيرة في أنحاء مصر المختلفة .
عقبات عدة واجهت شباب صناع الحياة بالأكاديمية البحرية حتى ينفذوا أفكارهم كان أكبرها ابتكار موارد جديدة ينفقون منها على أفكارهم وليس أقلها القدرة على إقناع الشباب بأهمية العمل التطوعي ونبذ فكرة العيب في أداء أي عمل تطوعي حتى لو كان تنظيف شارع في منقطة فقيرة .
وتقول مؤسسة صناع الحياة عن هذه العقبات: العقبة الأساسية التي واجهتنا هي المال الذي ننفذ به أفكارنا، إذ كانت التبرعات المباشرة لا تكفي، ففكرنا في أن ليس كل من حولنا يريد أن يتبرع بشكل مباشر لكن الكل يستهلك بشكل يومي ويقوم بشراء احتياجاته الأساسية من مأكل ومشرب، لذلك فكرنا لماذا لا يكون استهلاك زملائنا أيضا في فعل الخير؟ فقمنا بعمل منفذ لبيع المأكولات والحلويات التي صنعناها بأيدينا .
وتتابع: وبجانب الحصول على الموارد المالية كانت هناك مشكلة أخرى مهمة وهي كيفية إقناع زملائنا بالانضمام إلينا ومساعدتنا، وقد تغلبنا على هذه المشكلة بإصرارنا على التأكيد على أن العمل التطوعي ليس عيبا حتى لو كان رفع قمامة أو تنظيف شارع أو الوقوف لبيع ملابس مستعملة أو ببيع بعض الحلوى والمأكولات الخفيفة .
ما يسعد شباب صناع الحياة تحمل شباب في السنوات الأولى من الأكاديمية المسؤولية، وهو ما يعني استمرار الفكرة بعد تخرج المجموعة الأولى .
وعن ذلك تقول مؤسستها: أكثر ما كان يحزننا أن تنتهي الأسرة فور تخرجنا لكن وجدنا شبابا في السنوات الأولى من الأكاديمية لديهم الحماس لاستمرار الأسرة، وهو ما يعني استمرار العمل بعد تخرجنا وإن كان حلمنا الأكبر هو أن تصبح أسرة صناع الحياة بالأكاديمية جمعية متكاملة تقدم خدماتها للفئات الأكثر احتياجا بشكل غير تقليدي على الدوام .