عناية‮ ‬نبوية فائقة بالنظافة وحسن الهندام

02:34 صباحا
قراءة 7 دقائق

التربية النبوية لا تقف عند الوصايا والتوجيهات التي‮ ‬تحث على الأخلاق الراقية لتوثيق العلاقات بين الناس فحسب‮.. ‬بل هذه التربية تتضمن هيئة المسلم الخارجية أيضاً‮ ‬وسلوكه الشخصي‮ ‬فيما‮ ‬يتعلق بالنظافة والأناقة وحسن الهندام‮.. ‬وهذا ما وجدناه في‮ ‬شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي‮ ‬سلوكه وتوجيهاته التي‮ ‬تجسد مجمل أخلاقه‮.‬
الأناقة وحسن الهندام‮- ‬كما‮ ‬يقول د‮. ‬علي‮ ‬جمعة،‮ ‬مفتي‮ ‬مصر السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر‮- ‬ليست كما‮ ‬يظن البعض من مظاهر التفاخر والتباهي‮ ‬التي‮ ‬حذر منها الإسلام،‮ ‬بل هي‮ ‬سلوك وأدب نبوي‮ ‬كريم،‮ ‬فكل تعاليم الإسلام تحث المسلم على أن‮ ‬يرتدي‮ ‬أنظف الثياب وأكثرها جمالا وجاذبية‮.. ‬فالله سبحانه وتعالى قد أمرنا في‮ ‬كتابه العزيز بأن نتزين بأفضل صور الزينة،‮ ‬وأن نرتدي‮ ‬أفضل ثيابنا عندما نذهب إلى المساجد لنؤدي‮ ‬عبادة الصلاة فقال سبحانه‮: «‬يا بني‮ ‬آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد‮» ‬ورفض الحق سبحانه سلوك هؤلاء المتنطعين الذين‮ ‬يحرمون الزينة والجمال فقال عز وجل‮: «‬قل من حرم زينة الله التي‮ ‬أخرج لعباده والطيبات من الرزق‮».‬

المثل الأعلى

ورسول الله صلى الله عليه وسلم‮- ‬وهو مثلنا الأعلى‮- ‬كان‮ ‬يعني‮ ‬عناية بالغة بنظافة بدنه وثوبه ومكانه،‮ ‬وكان‮ ‬يهتم بحسن هيئته وطيب رائحته،‮ ‬ولذلك انجذبت إليه القلوب لكمال مظهره كما التفت حوله لجمال خلقه وسمو تعاليمه‮.. ‬وقد جاء في‮ ‬عدد من الروايات الموثقة أنه صلى الله عليه وسلم كان‮ ‬يتجمل للوفود حين‮ ‬يلقاهم،‮ ‬كما كان‮ ‬يتجمل للقاء ربه في‮ ‬صلاته‮.. ‬يقول عنه أنس رضي‮ ‬الله عنه كما جاء في‮ ‬الحديث الصحيح‮: «‬ما شممت مسكاً‮ ‬ولا عنبراً‮ ‬أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم‮».. ‬ولا عجب في‮ ‬ذلك،‮ ‬فهو القائل‮: «‬لا‮ ‬يدخل الجنة من كان في‮ ‬قلبه مثقال ذرة من كبر‮» ‬قال رجل‮: ‬إن الرجل‮ ‬يحب أن‮ ‬يكون ثوبه حسناً‮ ‬ونعله حسناً،‮ ‬فقال‮: «‬إن الله جميل‮ ‬يحب الجمال،‮ ‬الكبر بطر الحق وغمط الناس‮».‬
من هنا فإن واجب المسلم أن‮ ‬يرتدى أفضل الثياب المتاحة له من دون خيلاء أو تباه أو تفاخر،‮ ‬كما أنه مطالب شرعا بأن‮ ‬يلتمس كل وسائل النظافة في‮ ‬جسده،‮ ‬فهو مأمور شرعاً‮ ‬بالطهارة،‮ ‬والحكمة من الوضوء المتكرر للصلاة خمس مرات في‮ ‬اليوم أن‮ ‬يتخلص المسلم من كل ما‮ ‬يعلق بجسده من أتربة أو وساخات أو ميكروبات‮.. ‬فالنظافة هي‮ ‬شعار المسلم في‮ ‬كل وقت،‮ ‬والطهارة هي‮ ‬ديدنه خلال ساعات الليل والنهار،‮ ‬والتطيب بالعطر سلوك نبوي‮ ‬كريم‮.. ‬والمسلم الذي‮ ‬يقتدى بسيد الأنبياء والمرسلين نظيف طاهر في‮ ‬غاية الأناقة وحسن المظهر ومثال للمسلم الذي‮ ‬يطبق تعاليم دينه‮.‬
ويوضح د‮. ‬جمعة هنا أن إهمال المظهر العام لا علاقة له بالتقوى والورع،‮ ‬كما‮ ‬يتوهم بعض المتدينين الذين‮ ‬يظهرون في‮ ‬ملابس رثة،‮ ‬ويطيلون لحاهم وشواربهم من دون تهذيب،‮ ‬ويقول‮: ‬الذين‮ ‬يبتعدون عن كل قيم النظافة والأناقة والجمال في‮ ‬ملابسهم وحياتهم الشخصية ليسوا أتقى الناس وأزهدهم في‮ ‬الدنيا،‮ ‬بل هؤلاء بعيدون عن تعاليم وتوجيهات الإسلام،‮ ‬وعليهم أن‮ ‬يراجعوا أنفسهم ويقوموا سلوكهم بعد أن‮ ‬يعلموا أن هذا الدين العظيم دين أناقة وحسن هندام‮.. ‬وهذه حقيقة وليست شعارات تتردد هنا وهناك‮. ‬
‮ ‬
تصرفات مرفوضة

د‮. ‬عبد الله النجار،‮ ‬أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث بالأزهر،‮ ‬يتفق مع د‮. ‬جمعة في‮ ‬أن الإسلام‮ ‬يأمر المسلم دائما بالنظافة ويحثه على التجمل،‮ ‬ولا‮ ‬يقر أبدا سلوك المسلم الذي‮ ‬يهمل نظافة جسده،‮ ‬ويؤذي‮ ‬الناس برائحته،‮ ‬فالنبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮ ‬يقول‮: «‬حق على كل مسلم أن‮ ‬يغتسل في‮ ‬كل سبعة أيام‮ ‬يوما،‮ ‬يغسل فيه رأسه وجسده‮»‬،‮ ‬وليس معنى هذا التوجيه النبوي‮ ‬أن‮ ‬يلتزم المسلم بالأيام السبعة أو‮ ‬يضع لنفسه برنامجا لكي‮ ‬يغتسل كل أسبوع،‮ ‬فالأيام السبعة تمثل الحد الأقصى لعدم الاغتسال،‮ ‬لكن المسلم مأمور بأن‮ ‬يكثر من الاغتسال وتنظيف جسده حتى ولو فعل ذلك سبع مرات في‮ ‬اليوم‮.‬
والرسول صلى الله عليه وسلم وهو من‮ ‬يقدر جيداً‮ ‬كفاح الإنسان وعرقه وتواضعه نصح بعدم اختلاط المسلم بالناس وهو‮ ‬يرتدي‮ ‬ثياب عمله إلا للضرورة،‮ ‬أو أن‮ ‬يسير بينهم بثياب رثة أو‮ ‬غير نظيفة‮. ‬فقد جاء في‮ ‬الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً عليه ثياب وسخة،‮ ‬فقال‮: «‬أما كان‮ ‬يجد هذا ما‮ ‬يغسل به ثوبه‮».‬
لذلك فليس من آداب الإسلام وأخلاقه أن‮ ‬يهمل المسلم ثيابه،‮ ‬أو أن‮ ‬يختلط بالناس بثياب عمله،‮ ‬أو‮ ‬يزاحم الناس بها،‮ ‬خاصة إذا ما كانوا‮ ‬يتضررون منها،‮ ‬فالمسلم مأمور بأن‮ ‬يحافظ على مشاعر الآخرين وألا‮ ‬يؤذيهم بقوله أو سلوكه أو ملابسه‮.. ‬وليس من الدين أن‮ ‬يترك المسلم شعره ثائراً منفراً،‮ ‬فقد رأى النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم رجلاً‮ ‬شعثاً‮ ‬قد تفرق شعره فقال‮: «‬أما كان‮ ‬يجد هذا ما‮ ‬يسكن به رأسه‮».‬
ومن هنا‮ ‬يرفض د‮. ‬النجار سلوك هؤلاء الناس الذين أنعم الله عليهم بالخير الوفير ويهملون مظهرهم ويكتفون بأبسط الثياب،‮ ‬ويقول‮: ‬إهمال المظهر والهيئة الحسنة ليس دليل زهد في‮ ‬الدنيا بقدر ما هو علامة إهمال وعدم اكتراث من الإنسان،‮ ‬فبعض الذين أنعم الله عليهم بالمال الوفير ويهملون مظهرهم ويرتدون ملابس بسيطة‮ ‬يهدرون نعم الله عز وجل في‮ ‬أمور أخرى،‮ ‬مثل الطعام والشراب والإنفاق على اللهو والعبث،‮ ‬والجري‮ ‬وراء النساء وتعدد الزوجات من دون ضرورة مع ما‮ ‬يستلزمه ذلك من إهدار للمال من دون داع ودون حاجة‮.‬
والاهتمام بالملبس والإنفاق باعتدال عليه ليس ضرباً‮ ‬من ضروب الإسراف،‮ ‬بل هو من باب التنعم بنعم الله،‮ ‬فالله سبحانه وتعالى كما أخبرنا رسوله الكريم‮ ‬يحب أن‮ ‬يرى أثر نعمته على عبده‮. ‬والقرآن الكريم‮ ‬يقول‮: «‬وأما بنعمة ربك فحدث‮».‬

قضية إيمانية

ويرتبط بمظهر المسلم وجمال ملابسه‮- ‬كما‮ ‬يشير المفكر الإسلامي‮ ‬د‮. ‬محمود حمدي‮ ‬زقزوق‮- ‬عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر‮- ‬قيمة حضارية أولاها الرسول أهمية كبيرة،‮ ‬وجاءت الوصية بها في‮ ‬العديد من توجيهاته الكريمة،‮ ‬وهي‮ ‬قيمة النظافة حيث تتردد على ألسنة المسلمين عبارة‮ «‬النظافة من الإيمان‮» ‬وتجسد هذه العبارة قيمة كبرى‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تسود حياة المسلمين،‮ ‬وهي‮ ‬جعل النظافة جزءاً لا‮ ‬يتجزأ من الإيمان،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬يجعلها ذات أهمية بالغة في‮ ‬سلوك الإنسان،‮ ‬لأنها بذلك لم تعد مجرد أمر مرغوب فيه،‮ ‬وإنما صارت بالإضافة إلى ذلك قضية إيمانية تتصل بالعقيدة المتأصلة في‮ ‬النفوس‮.‬
والنظافة التي‮ ‬حث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مسلم تنطلق من أسس دينية راسخة،‮ ‬فالنصوص القرآنية والتوجيهات النبوية التي‮ ‬تحث المسلم على النظافة والطهارة والحرص على المظهر الحسن كثيرة ومتنوعة‮.. ‬فديننا‮ ‬يأمرنا بالنظافة قبل الدخول في‮ ‬الصلاة خمس مرات في‮ ‬اليوم والليلة،‮ ‬ويحرص على أن نأخذ زينتنا عند الذهاب إلى المسجد،‮ ‬وهذا أمر‮ ‬يتطلب النظافة حتى لا‮ ‬يؤذي‮ ‬مسلم‮ ‬غيره في‮ ‬المسجد برائحة كريهة أو ملابس‮ ‬غير نظيفة،‮ ‬فيكون بذلك سبباً في‮ ‬تنفير الناس من الذهاب إلى المسجد‮.‬
يقول د‮. ‬زقزوق‮: ‬إذا كانت النظافة مطلوبة في‮ ‬أمور الدين،‮ ‬فمن باب أولى‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تكون مطلوبة في‮ ‬كل سلوكياتنا اليومية،‮ ‬فنحرص عليها داخل بيوتنا وأمام زوجاتنا وأولادنا حتى نكون قدوة طيبة لهم في‮ ‬النظافة وحسن الهندام،‮ ‬فتربية أولادنا على النظافة والأناقة والاهتمام بملابسهم،‮ ‬من أساليب التربية الإسلامية،‮ ‬وليس في‮ ‬ذلك تكبر وتعال على الآخرين كما‮ ‬يزعم البعض،‮ ‬فالتكبر والتعالي‮ ‬على الناس شيء،‮ ‬والحرص على ارتداء ملابس جيدة والظهور بمظهر حسن شيء آخر‮.‬

تجمل بلا تكلف

سألت عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر‮: ‬هل تجمل الإنسان وظهوره بمظهر حسن‮ ‬يدخله في‮ ‬باب الخيلاء المنهي‮ ‬عنها شرعاً؟
قال‮: ‬المسلم مطالب شرعا بالتجمل من دون تكلف،‮ ‬وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‮: «‬إن الله جميل‮ ‬يحب الجمال‮»‬،‮ ‬فالجمال قيمة مطلوبة في‮ ‬كل شيء،‮ ‬وهو مطلب قرآني‮ ‬قبل أن‮ ‬يكون مطلبا أو سلوكا نبويا،‮ ‬فلفظ الجمال والتجمل قد ورد في‮ ‬كتاب الله عز وجل على صور متعددة ويشمل كل شيء في‮ ‬الكون،‮ ‬وهو‮ ‬يعني‮ ‬مظهر الإنسان ومظاهر الكون،‮ ‬كما‮ ‬يعني‮ ‬خلق الإنسان‮- ‬بضم الخاء‮- ‬وشعور الإنسان تجاه الجمال الطبيعي‮ ‬الذي‮ ‬خلقه الله سبحانه هو في‮ ‬حقيقة الأمر شعور بالجلال وإحساس بالانبهار،‮ ‬ولابد أن‮ ‬يقابل بالحمد والثناء على الخالق المبدع الذي‮ ‬نشر الجمال وعم إحسانه وإتقان صنعه كل شيء‮.. ‬فالجمال صفة لمخلوقات الله كما ورد في‮ ‬قوله تعالى‮: «‬ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون‮»‬،‮ ‬كما أنه وصف للسلوك الإنساني‮ ‬كما في‮ ‬قوله تعالى‮: «‬فجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون‮».‬
والله سبحانه وتعالى‮ «‬بديع السموات والأرض‮»‬،‮ ‬وقد خلق الإنسان في‮ ‬أجمل صورة‮ «‬ولقد خلقنا الإنسان في‮ ‬أحسن تقويم‮».‬
وواجب المسلم أن‮ ‬يعيش كل معاني‮ ‬الجمال،‮ ‬بمعنى أن‮ ‬يحرص على النظافة والتجمل في‮ ‬هيئته من دون تكلف أو افتعال،‮ ‬كما‮ ‬يجب عليه أن‮ ‬يكون جميل الخلق في‮ ‬كل تصرفاته مع الناس،‮ ‬وأن‮ ‬يصبر صبرا جميلا،‮ ‬والصبر الجميل‮- ‬كما قال علماء الأخلاق‮- ‬هو صبر لا شكوى معه،‮ ‬وأن‮ ‬يصفح صفحا جميلا تنفيذا لقول الله تعالى‮ «‬فاصفح الصفح الجميل‮»‬،‮ ‬وهو العفو من دون عتاب‮.‬

مطلب قرآني

والمسلم مطالب أيضاً‮ ‬بأن‮ ‬يتأمل جمال خلق الله وإبداعاته في‮ ‬خلقه،‮ ‬وهذا مطلب قرآني‮- ‬كما‮ ‬يقول د‮. ‬حذيفة المسير،‮ ‬الأستاذ بكلية أصول الدين بالأزهر،‮ ‬فالله سبحانه قد خلقه كما نص القرآن في‮ ‬أحسن تقويم،‮ ‬ثم‮ ‬يتأمل صنع الله في‮ ‬السموات والأرض وما فيهما من جمال وإبداع إلهي‮.. ‬ثم‮ ‬يتأمل جوانب الإبداع في‮ ‬أنحاء الكون الكبير،‮ ‬والتي‮ ‬أشارت إليها نصوص قرآنية كثيرة‮.. ‬منها قوله تعالى‮: «‬أفلم‮ ‬ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج‮. ‬والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي‮ ‬وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج‮. ‬تبصرة وذكرى لكل عبد منيب‮. ‬ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد‮. ‬والنخل باسقات لها طلع نضيد‮. ‬رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج‮».‬
وختاما‮: ‬فإن واجب المسلم أن‮ ‬يعيش حالة الجمال التي‮ ‬رسمها له دينه،‮ ‬من خلال الاهتمام بنظافته وحسن هندامه،‮ ‬ومن خلال التخلق بالصبر الجميل والصفح الجميل والتزين دائماً‮ ‬بالخلق الحسن في‮ ‬كل ما‮ ‬يصدر عنه من أفعال وأقوال‮.. ‬كما‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يستمتع بما‮ ‬يحيط به من جمال كوني‮ ‬وأن‮ ‬يتأمله ليقف على بديع صنع الخالق سبحانه‮.‬

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"