في فلسطين: لا انتخابات ولا مصالحة

03:15 صباحا
قراءة 7 دقائق

كان من المفترض أن يذهب الفلسطينيون لصناديق الاقتراع في الخامس والعشرين من شهر يناير/كانون الثاني الجاري، وللمرة الثالثة منذ تأسيس السلطة الفلسطينية في العام ،1994 لاختيار من يمثلهم ويقودهم في مرحلة حساسة من تاريخ نضالهم الوطني، لكن هذا لم يحدث، بفعل الخلاف السياسي والانقسام القائم في الساحة الفلسطينية بين القطبين الرئيسين ممثلين في حركتي فتح وحماس للعام الثالث على التوالي .

مع الاستحقاق الانتخابي، عادت حركتا فتح وحماس للجدل والمناكفة، إذ تمسكت الحركة الاسلامية بأغلبيتها البرلمانية في المجلس التشريعي التي نالتها في الانتخابات السابقة، واستنادها لمادة في القانون الأساسي المعدل تنص على أن المجلس التشريعي يستمر في عمله لحين أداء المجلس الجديد اليمين الدستورية، وتشكيكها في الوقت نفسه في شرعية المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذي قرر قبل بضعة أسابيع تمديد ولاية الرئيس محمود عباس والمجلس التشريعي لحين إجراء انتخابات جديدة .

ورأت حركة حماس أن المجلس التشريعي يمكنه أن يلعب دوراً مهماً ومحورياً في الخروج من الأزمة الداخلية وانهاء الانقسام، ودعت على لسان رئيس المجلس التشريعي القيادي الحمساوي البارز في الضفة الغربية عزيز دويك، باسم ربع أعضاء المجلس من كتلة حماس البرلمانية، جميع الكتل للجلوس تحت قبة البرلمان وبحث موضوع المصالحة ووضع حد لحال الانقسام والتشرذم .

حركة فتح سارعت على لسان أمين عام الرئاسة الطيب عبد الرحيم ورئيس كتلتها البرلمانية عزام الأحمد، إلى رفض موقف حماس ودعوتها لجلسة للمجلس التشريعي، وتمسكها باستمرار عمل المجلس، على اعتبار أن الرئيس هو من يملك حق دعوة المجلس للانعقاد، فيما يحق لربع الاعضاء الدعوة لعقد جلسة في الوقت الطبيعي وليس في مثل هذا الوقت الذي انقطع فيه المجلس عن الانعقاد منذ ثلاثة أعوام تقريباً، فضلاً عن أن تصريحات دويك وتمسكه باستمرار عمل المجلس لا مبرر لها، على اعتبار أن المجلس المركزي مدد ولاية الرئيس والمجلس معاً .

الخلاف والجدل بين الفريقين يعمقان اليأس في نفوس الفلسطينيين بإمكان الخروج قريباً من الأزمة الداخلية وانهاء الانقسام، واستعادة الوحدة الوطنية، خصوصاً مع تمسك حركة حماس بموقفها من الورقة المصرية للمصالحة ورفضها التوقيع عليها قبل أخذ القاهرة بملاحظاتها على الورقة .

ويقول الكاتب والمحلل السياسي محمد ياغي إن بكاء الكتاب على خراب روما، ودعواتهم التي لا تنقطع للاستماع لصوت العقل والحكمة، لا يساهم في حل إشكالية الصراع بين فتح وحماس، لأن الخلاف يتجاوز مسألة رغبة طرف أو كليهما معاً في الاستحواذ على السلطة وعلى الفوائد المترتبة على ذلك . الصراع سياسي بامتياز، وهو خلاف بين نهجين، بين مشروعين، ولكل طرف منهما حلفاؤه وحساباته التي لها ارتباطات إقليمية ودولية، وبالتالي ما لم يتم حسم الصراع حول المشروع السياسي بالاتفاق على برنامج وحيد وآلية موحدة لإدارة الصراع مع الكيان الإسرائيلي، فإن الوحدة لن تكون، وإذا حدث الاتفاق لضغوط إقليمية، ولحسابات تتعلق بالرغبة في عدم الظهور أمام الجمهور الفلسطيني كمن يعادي الوحدة الوطنية، فإن الوحدة لا يمكنها أن تصمد عدة أشهر، وسيجد طرف أو كلاهما، ذرائع عديدة للفكاك من هذه الوحدة الإجبارية .

الحل لهذه المتاهة في التركيز على جوهر الخلاف، بنقاش البعد السياسي للصراع بين الطرفين، وجعله واضحاً كشمس الظهيرة، كما يقال، للجمهور الفلسطيني . سيؤدي ذلك في النهاية الى حث الجمهور على اتخاذ موقف سياسي بعيداً عن العاطفة التنظيمية التي تجعله قريباً من أي من التنظيمات . . ومن يدري، فقد تستقطب وجهة نظر سياسية مختلفة جمهوراً يفوق ما لهذا الطرف أو ذاك، أو قد يدفع ابتعاد الجمهور الفلسطيني عن الطرفين، الى حال من الخوف لديهما، ربما تسمح بمقاربة بينهما للاتفاق على برنامج سياسي . في الخلاف السياسي، يرى ياغي، أن مواقف حركة فتح كما هي معلنة من قبل قيادتها السياسية واضحة . هي تسعى لدولة على الأرض التي احتلتها دولة الاحتلال الإسرائيلي في العام ،1967 مع استعداد لمقاربات حول قضايا الحدود والقدس واللاجئين . وسيلتها لتحقيق هذا الهدف هي المفاوضات، التي يجب أن تتوج بمعاهدة سلام تنهي أية مطالب فلسطينية سابقة له . أما حركة حماس من جانبها فلا تخفي سياساتها . الهدف الآن، كما تعلنه قياداتها، هو دولة فلسطينية على الارض التي احتلتها دولة الاحتلال في العام ،1967 ولا يوجد أي استعداد لمقاربات في شأن الحدود والقدس واللاجئين . وسيلتها للوصول الى ذلك، هي المقاومة المسلحة فقط التي ستجبر دولة الكيان في نهاية المطاف على القبول بالدولة الفلسطينية كاملة السيادة، من دون مفاوضات، ومن دون معاهدة سلام تشتمل على اعتراف بدولة الكيان، وإنما بهدنة قد تكون طويلة الأمد نسبياً، أو تجدد كل بضع سنوات أو العشرات منها . ما يهم حماس أن الدولة لن تضع حداً لمطالبة الشعب الفلسطيني بحقوقة التاريخية كاملة في ارض آبائه وأجداده، وسيحصل عليها إذا ما تغير مسار التاريخ الحالي . هذا ما يجب إيصاله للناس بعد إخصاعة للتحليل بشكل مختصر .

هل موقف فتح وحماس يعبر أولاً عن مصلحة الجمهور الفلسطيني؟ ثم، هل رؤيتهما للوصول الى أهدافهما ممكنة؟ وهل يوجد تصور ثالث ورابع وخامس يمكن عرضه على الجمهور الفلسطيني بشأن الصراع مع الكيان ويمكن استقطاب الجمهور الفلسطيني له؟

يقول ياغي: لست ضد مقاربات فتح لإنهاء الصراع من تعديل للحدود، أو بشأن إيجاد حل يمكن القبول به لمسألتي القدس واللاجئين . لكن كيف تسللت هذه المقاربات الى القاموس السياسي الفتحاوي ومنه الى الجمهور الفلسطيني، من دون أن تجتمع أي من مؤسسات فتح أولاً لتصادق على ذلك، ومن دون ان تجتمع بعد ذلك، أي من مؤسسات منظمة التحرير لتصادق على ما صادقت عليه فتح . ثم ما هي هذه المقاربات التي يمكن قبولها؟ مثلاً، ما هي النسبة التي يمكن قبولها في مسألة تبادل الأراضي، أهي مطلقة؟ وفي الجانب الجغرافي، أين يمكن السماح لإسرائيل بأن تأخذ، وأين يمكن للسلطة- للمنظمة أن تقبل، وهل يوجد حقاً ما يمكن تسميته نفس النوعية من الأرض؟ وما هو الحل الممكن مثلاً لمسألة السيادة على الحرم الشريف؟ هل المنظمة على استعداد للقبول بإدارة إسلامية أو عربية او فلسطينية عليه من دون أن تأخذ كلمة الإدارة بعداً سيادياً؟ ثم ما هو المقترح الفلسطيني لمقاربة بشأن القدس واللاجئين؟ موقف فتح غامض في أفضل الاحوال بشأن هذه القضايا، وفي تقديري الشخصي جداً، هذا الغموض لا يعطي الانطباع بأن لدى فتح إجابات عن هذه الأسئلة، وهي تأمل بأن تتمكن عبر المفاوضات من الحصول على ما يمكن أن تسميه أفضل ما تمكنا من الحصول عليه من دولة الاحتلال . هذه الأسئلة وغيرها يجب أن تسأل وبما يحرض قيادات فتح للإجابة عليها . هل طريق المفاوضات أبدي إذا لم يتم التوصل الى ذلك الذي يمكن تسميته أفضل ما عرض علينا، وماذا ستفعل فتح إذا لم تتمكن من ادعاء ذلك . هل ستفاوض لمائة عام أخرى؟ وهل ستبقى أرض يمكن الحديث عنها؟

أما ما يتعلق بخطاب حماس السياسي فهو بلا شك خطاب مستحيل . هو خطاب لتأبيد الحرب، خطاب لا يمكن جمع حلفاء له، وهو خطاب يساهم في استمرار الحصار على الشعب الفلسطيني، خصوصاً على غزة . كيف يمكن إقناع أحد في العالم كله، بأن عليه أن يدعم الشعب الفلسطيني لتأبيد الحرب، بدلاً من الانتهاء منها؟ تأبيد الحرب هو الاستنتاج الوحيد لما تقترحه حماس كبديل لمعاهدة سلام بين الدولة التي تريدها باسم الشعب الفلسطيني، وبين دولة الكيان . وهل يوجد حل لعودة اللاجئين في ظل رفض حماس لأي مقاربة بشأنها من دون أن يعني ذلك دولة واحدة على كل فلسطين التاريخية؟ وإذا كانت هذه الدولة الواحدة هي الحل، فهل تعرض حماس أن تكون هذه الدولة، دولة جميع مواطنيها، بحيث تكون فيها المسألة الدينية قضية شخصية جداً ومنفصلة تماما عن الدولة حتى يمكن التعايش مع ستة ملايين يهودي سيستمر وجودهم على أرض تلك الدولة الواحدة؟

حماس تتجنب الإجابة عن أسئلة من هذا النوع، لأن تمسكها بالقول إن من حق الفلسطينيين أن يعودوا الى الأرض التي طردوا منها، له دلالتان . الأولى، هي ان تريح نفسها من الإجابة عن المسألة المتعلقة بهوية الدولة الواحدة، أهي ديمقراطية يمكن للجميع أن يعيش فيها بشكل متساو في الحقوق السياسية والدينية مثلاً، أم هي دولة دينية يتمتع فيها غير المسلمين بنظام الحماية مقابل حقوق أقل؟ السبب الثاني الذي قد يكون وراء هذا التمسك، هو الاستعداد لمقايضة هذا الحق بالهدنة كبديل عن معاهدة سلام . هنا حماس يمكنها الاستمرار بادعاء أن مطالبات الفلسطينيين لم تنته لأن قضية اللاجئين لم تحسم بعد، لكن في الواقع العملي، ستكون حماس قد تنازلت عن مسألة اللاجئين الى أن يحدث تغير في الإقليم يدفع بالصراع للواجهة من جديد .

ضمن هذا الفهم، هل يمكن لدولة الاحتلال أن توافق على هدنة بشروط حماس كما هي معلنة؟ فقط إذا حدث تغيير في الإقليم لصالح حماس، وبخلاف ذلك فإن قبول الكيان بهدنة سيكون ضمن شروط أخرى تماماً . مثلاً، دولة في غزة مقابل هدوء لعشر سنوات قادمة، وربما أقل من ذلك، لأن إسرائيل كما يبدو قد حصلت على ما تريد بعد حربها الوحشية على غزة العام الماضي، من دون أن تقوم حتى بفتح معابر القطاع .

برامج فتح وحماس بحاجة الى نقاش جدي وعلني ويجب دفع قيادتهما للاشتراك فيه، بدلاً من انتظار وحدة مصطنعة لن تؤدي الى تسوية للخلاف بينهما . ثم إن من حق الجمهور الفلسطيني أن يكون على بينة من حقيقة ما هو معروض عليه من قبل حماس وفتح . معزوفة المفاوضات والمقاومة جيدة جداً، لكن يجب الكشف عن البرامج السياسية التي تختفي فيها هذه المفردات . بمعنى آخر، هل الممكن مقبول على الفلسطينيين -سياسة أفضل ما حصلنا عليه؟ وهل المستحيل ممكن- سياسة تأبيد الحرب باسم الهدنة القابلة للتجديد؟

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"