قصر الحصن يدوّن حكايات وإنجازات المكان

تحفة فنية ومعمارية تلخص تاريخ فنون البناء
01:38 صباحا
قراءة 4 دقائق

يبدو قصر الحصن اليوم بسوره الأبيض وأبراجه الدائرية بقعة بيضاء غارقة بين غابة العمارات الشاهقة التي تحيط به وتعلوه بعشرات الأمتار، كأنه لم يكن يوماً يتيه ببنائه الحجري العظيم المتفرد على امتداد الشاطئ الفسيح وقد ترامت من حوله بيوت السعف الضئيلة، إنه قصر حكام آل نهيان الذي ما زال رغم تغير الزمن وتبدل دوره يقف شامخاً وسط مدينة أبوظبي، يحكي تاريخها الذي كان هو بدايته والشاهد عليه، وفي أروقته حيكت خيوطه، وتحت نيران مدافعه وعلى أسواره تكسرت مطامع كثيرين ممن طمعوا في الظفر بذلك الموقع الاستراتيجي لمدينة أبوظبي .

لم يكن قصر الحصن في البداية سوى قلعة صغيرة بناها الشيخ شخبوط بن ذياب آل نهيان في عام 1795 عند بئر المياه العذبة في جزيرة أبوظبي التي تحاصرها مياه البحر المالحة، وذلك عندما انتقلت قبيلة بني ياس التي كان يقودها من منطقة ليوا في عمق الصحراء إلى شاطئ البحر لتكون القلعة مركز حكمه في ظرف استقطبت فيه تجارة اللؤلؤ سكان المنطقة الشرقية من شبه الجزيرة العربية، فتداعوا إلى تكوين مراكز لهم على الشواطئ، ليكونوا قريبين من مواقع الغوص وليحموا تلك التجارة من القراصنة، ويقيموا مناطق تبادل تجاري مع الهند وأوروبا .

ظل الحصن شامخاً منتصباً شاهداً على تبدل معالم الحياة في أبوظبي وتطورها، من حياة الصحراء إلى حياة مدينة هي عاصمة للحكم في المنطقة، اختزن تاريخها بكل تفاصيله، ودونت وثائقه إنجازات حكامها السابقين، فقد كان القصر على مر السنوات عصب الحياة السياسية لإمارة أبوظبي، ومركز القيادة، دارت بين جدرانه الحوارات الساخنة والمفاوضات المطولة، وأنصتت حجارته إلى القرارات النافذة والمصيرية التي كان يصدرها الحكام، ويوحي شكل بنائه المتمثل في السور العظيم والأبراج المرتفعة في الأركان وما بها من أشكال الفتحات الكثيرة الأفقية والشاقولية المخصصة لفوهات المدافع بكل أحجامها، بالوظيفة الدفاعية التي كان يقوم بها ذلك البناء الضخم، فقد أراده شيوخ آل نهيان حصناً منيعاً يحمي من بداخله من غارات الغزاة، ويمنح مركز الإمارة الاطمئنان، لذلك جلبوا إليه على مر السنين كل أنواع الأسلحة، وطوروه باستمرار، ليلائم تلك الوظيفة، وقد أدى وظيفته على أكمل وجه، فصد عنه أطماع الطامعين وبقي متماسكاً حانياً على ساكنيه .

أصبحت قلعة الحصن منذ تأسيسها محط أنظار قبائل المنطقة، لأنها مسكن الحاكم، فكانوا يقصدونها لنيل الحظوة وفض الخلاف والتوصل بعطاء، وتظهر الصور الملتقطة للقصر في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين عصباً من أولئك عرب المنطقة بخيلهم وإبلهم وهم يتجمعون حول القصر بين قادم تحدوه مطامح وآمال شتى، وذاهب قد أصاب ما يريده، ويحتفظ قسم الوثائق في القصر بكثير من تلك الصور التي تحكي تاريخه .

وبعد اكتشاف النفط وتغير ملامح الحياة في أبوظبي والإمارات تغير مشهد قصر الحصن فعكست صور بنيانه في الستينات والسبعينات من القرن الماضي التطورات المعمارية الحديثة التي طرأت عليه، وظهرت حوله سيارات اللاندروفير الأثيرة في الصحارى والأراضي الرملية، ومشاهد الجنود المنتشرين حول القصر، والزوار الغربيين ببدلاتهم الحديثة، حيث أصبح القصر مركزاً مهماً من مراكز القرار في عالم الاقتصاد والمال في الخليج، وفي عهد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد مؤسس الدولة تطور البناء كثيراً، وزود بكل الوسائل الحديثة، قبل أن تنتقل إدارة الحكم إلى قصر جديد ويحول الحصن منذ الثمانينات إلى أهم معلم تراثي وسياحي في مدينة أبوظبي محافظاً على طرازه المعماري ومكوناته المتعددة المشارب التي أضيفت له على مدى مئتي سنة .

يعتبر قصر الحصن تحفة فنية ومعمارية تحيل على ذوق الحكام الذين سكنوه، وفهمهم لضرورة أن يكون قصر الحاكم جميلاً، كما أن شكله يوحي بتطور العمران في الخليج والساحل العماني، وعلى مدى تاريخه تأثر بناؤه بطراز النظرة المعمارية للمهندسين الذي عملوا فيه، فبدأ بطراز خليجي تقليدي مع بناته الأول الذين كانوا من أبناء الأرض، وما زالت آثار ذلك الطراز بارزة في البوابات الخارجية والداخلية وتسمى البوابة محلياً (الدروازة) وجميعها مزخرفة بزخارف ذات طابع محلي، كما تضم كل غرف القصر وجدرانه العديد من النوافذ المستطيلة والمربعة الشكل، إضافة إلى الكوى الصغيرة والمتوسطة وخاصة الكوى المقوسة التي تعلو النوافذ أحياناً، ودعم سقف إحدى الغرف بركيزة كبيرة تشبه إلى حد كبير جذع النخلة، ثم ظهرت على القصر فنون العمارة الفارسية عندما تولى مهندسون إيرانيون توسعته والإضافة إليه، ويبرز ذلك بشكل خاص في أشكال التصاميم الداخلية التي وضعها الفنان محمد البستكي وكان ذلك في عام ،1939 وتمثلت في أشكال الطيور مثل الطاووس والغزلان التي زينت الغرف، وتوجد أيضاً رسوم لزهرية وورود تنبثق منها بانتظام، وأشكال نباتية كثيرة، وعندما تولى ترميمه لاحقاً فريق تونسي في ستينات القرن الماضي بأمر من المغفور له بإذن الله الشيخ زايد برز الطابع الإسلامي المغربي في شكل الأقواس والأروقة والفصوص التي تربط بين الغرف وأجنحة المبنى .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"