"قلعة الرستاق" حامية عسكرية ومركز علمي

معالم عربية
04:29 صباحا
قراءة 7 دقائق

رغم أنها الشاهد على صراع داخلي مرير بين أطراف الأسرة اليعربية.. اتخذ عدد من الأئمة الذين حكموا عمان منها مركزاً لإدارة شؤون البلاد في فترات تاريخية معينة.

إنها قلعة الرستاق ومن أبرز شواهدها جامع البياضة، حيث كان مركزاً للعلوم الإسلامية، فضلاً عن كونه موقعاً يؤدي فيه العمانيون صلواتهم الجامعة، وله فضل تخريج عدد من أعلام عمان الذين ساهموا في الحركة الأدبية كان من أبرزهم الشاعر محمد بن شيخان السالمي الملقب بشيخ البيان والعلامة الشيخ ماجد بن خميس بن راشد العبري، والشيخ خميس بن سعيد الشقصي وغيرهم من مشاهير الأدباء والشعراء في السلطنة.

* ماذا في داخل القلعة الأثرية؟ وماذا في مدينتها وحصنها الشهير وعينها الساخنة؟!

- ولاية الرستاق هي أهم ولايات منطقة جنوب الباطنة والحجر الغربي، نظراً لعراقتها التاريخية ومكانتها المهمة بينها، وهي تقع على مسافة 160 كيلو متراً شمال غرب العاصمة مسقط.

في هذه الولاية ومن داخلها قلعتها كانت بداية حكم دولة اليعاربة في عمان، حين تولى الإمام ناصر بن مرشد في عام 1624م متخذاً منها عاصمة لحكمه.. ومنها أيضاً انطلق لتوحيد الأجزاء العمانية الأخرى والتي كانت متناثرة بين البرتغاليين من جانب والفرس من جانب آخر، وبدأ حربه ضد المستعمرين محققاً انتصارات واسعة، إلا أن السنوات الأخيرة من عهد اليعاربة حملت شروراً عانت منها عمان، ففي عام 1737م، شهدت الرستاق صراعاً مريراً بين أفراد أسرة اليعاربة، فيما بينهم من ناحية، ومن خارج هذه الأسرة من ناحية أخرى.. حينها استقوى أحد المتنافسين بقوى من خارج عمان لينتصر بهم على خصومه بمن فيهم افراد أسرته، فلجأ سيف بن سلطان بن سيف اليعربي إلى ملك الفرس نادر شاه طالباً عونه، وهو الذي رأى في هذا الطلب فرصة سانحة جاءته على طبق من ذهب ليحقق أطماعه الشخصية في السيطرة على عمان، ففي الوقت الذي كان سيف بن سلطان معتقداً بأن ملك الفرس يعمل لحسابه، إذا بالأخير في حقيقة الأمر يعمل لحساب نفسه وقومه آنذاك،وقد كان له ما أراد. وحين توفي آخر أئمة اليعاربة، كان الفرس يحتلون بعض المناطق العمانية، بما في ذلك مسقط.

عهد جديد

لكن الرستاق بايعت حاكماً جديداً لعمان في العام 1744م، كانت شهرته بأنه رجل السياسة والحرب في آن واحد، هذا الحاكم هو الإمام أحمد بن سعيد، الذي يمثل رأس الأسرة البوسعيدية التي لا تزال تحكم عمان حتى اليوم. وقد تمكن الإمام أحمد بن سعيد من الانتصار في الحرب التي شنها ضد المستعمرين الفرس، وأعتقت عمان مرة أخرى من الغزاة، كما يُذكر للإمام أحمد أنه عمل على تنشيط التجارة وازدهار المال، وأقام توازنا بين عمان الساحل، وعمان الداخل، ونجح بذلك في تحقيق الأمن والاستقرار لبلاده.

وظلت مدينة الرستاق عاصمة لعمان حتى بعد وفاة الإمام أحمد بن سعيد الذي تولى من بعده سعيد بن أحمد، وقد حافظ عليها كعاصمة لعمان لفترة قبل انتقاله إلى صحار، وفي ما مضى كانت الرستاق مركزاً تجاريا مهماً يعرض منتجات الجبل الأخضر من المشمش والرمان والخوخ والعنب، وكانت الدواب تتوافد عليها حاملة تلك الأنواع من الفاكهة، كما كان أهل منطقة الباطنة الساحلية يأتون إليها حاملين معهم إنتاج مناطقهم من الأسماك والموز والليمون.. وهكذا جمعت الرستاق بين السياسة والاقتصاد، كما تشتهر حتى الآن بصناعة الفضة والخناجر التي يتفنن في صناعتها أبناؤها، والتي هي تحف رائعة تشهد على مهارة الصانع العماني.

وفي ولاية الرستاق قلعة الحزم الشهيرة، التي تتخذ موقعها في منطقة الحزم البعيدة عن مسقط بحوالي 120 كيلو متراً، والتابعة لولاية الرستاق حالياً، وبناها الإمام سيف بن سلطان اليعربي عام 1708م، وتوفي بها أيضاً، وتمتاز بعدم وجود أية أخشاب لسقوفها، فهي أي السقوف عقود مستديرة ثابتة على إسطوانات، وأسوارها ضخمة مبنية بالجص والحجر الأصم، ولايقل عرض الجدار عن ثلاثة أمتار، كما لها عدة أبواب ضخمة لا تلتقي بممر واحد، وبها مدافع أثرية برتغالية وإسبانية كانت مستخدمة للدفاع ضد العدو القادم من مسافات بعيدة، وبها عدة سلالم خاصة لصعود الخيل، بالإضافة إلى ممرات سرية عرض كل منها متران، بارتفاع مترين أيضاً، وهي تمر بجهات القلعة الأربع، خارجة بعد ذلك إلى المدينة، ولكل طريق منفذ خاص يؤدي إلى خارج القلعة في حال تعرضها للحصار، وفيها مساقط للعسل المغلي، وفيها كذلك غرف خاصة كانت مستخدمة في تدريس القرآن الكريم وعلوم الفقه الإسلامي، وقد تم بناؤها بطريقة تسمح بدخول الهواء البارد إلى حجراتها وممراتها والصالات الرئيسية فيها، الأمر الذي يساهم في تلطيف الأجواء خلال فترة الصيف،كما يخترق قلعة الحزم فلج تتدفق مياهه لتسقي من بداخلها وتروي النخيل المحيطة بها، بالإضافة إلى ذلك يوجد احتياطي استراتيجي من المياه، يتمثل في عدة آبار جوفية يتم اللجوء إليها في حالات الحرب عندما ينجح الخصوم في قطع مياه الفلج.

وعلى مسافة لا تتعدى كيلو متراً واحداً، هناك عين داوودية بمياهها الكبريتية التي تكاد تغلي طوال الوقت، تتصاعد منها فقاعات صغيرة كعلامة مميزة لحالة سخونتها الدائمة، وهناك من يعتقد بأنها تشفي المريض وتداوي العليل، وتزيل حتى حب الشباب وهي واقعة في منطقة لايقطع الصمت فيها غير مئذنة المسجد القائم إلى جوارها، وحركة الساعين إلى التبرك بها وازدحام الراغبات في ملء الأواني حين تنكسر حدة الشمس.

تشير الأحداث التاريخية إلى أن قلعة الرستاق بناها الجلنديون قبل الإسلام بخمسين عاماً، وجددوها عام 50ه/ 629م، وهي تحتل رقعة من الأرض تبلغ مساحتها كيلو متراً مربعاً، وكانت القصر الذي يقطنه الإمام الحاكم آنذاك، ويتبعها جامع البياضة.

وتمثل قلعة الرستاق فن الهندسة المعمارية العماني في موقعها وأهميتها وتحصيناتها وتقسيماتها ومرافقها وجمال مظهرها.. وعلى امتداد حقب التاريخ، توسع بناء القلعة وملحقاتها.

وتتكون حالياً من طابقين، بالإضافة إلى الطابق الأرضي، وتحتوي على مساكن ومخازن أسلحة وغرف استقبال وصباحات ومسجد وسجون وآبار ومرافق أخرى.. وتضم أربعة أبراج:

أولهما البرج الأحمر: وقد بُني في عهد إمامة بني خروص في القرن السادس الهجري ويزيد ارتفاعه على ستة عشر متراً، وقطره تسعة أمتار ونصف المتر، وتحيط بسوره الأعلى مثلثات تمثل جمال الهندسة المعمارية. وعددها خمسون مثلثاً، ومعروفة محلياً باسم بالسروج.

البرج الثاني برج الريح: بُني في عهد الإمام سيف بن سلطان اليعربي الملقب بقيد الأرض عام 1062ه/1641م، وقبره موجود في الركن الغربي من القلعة، وارتفاع البرج اثنا عشر متراً، وقطره اثنا عشر متراً، وعلى محيط سوره مائة من المثلثات التجميلية.

وثالثها برج الشياطين: والذي بُني في عهد الإمام قيد الأرض أيضاً، وارتفاعه ثمانية عشر متراً ونصف المتر أما قطره فيبلغ الستة أمتار تقريباً، وعلى محيط سوره خمسون من المثلثات.

أما الرابع فهو البرج الحديث الذي بُني في عهد الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي، وأدخلت عليه بعض الترميمات في عهد الإمام محمد بن عبدالله الخليلي عام1356ه/ 1935م، ويبلغ ارتفاعه خمسة عشر متراً، وقطره حوالي أحد عشر متراً ونصف المتر، وعليه ثمانون من المثلثات.

وتشمل المرافق أربعة صباحات هي: صباح اليعاربة، وقد بني في عهد الإمام قيد الأرض وصباح العلعال الذي بناه الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي، وصباح الوسطي، وبناه الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، وصباح الشرجة، الذي بناه أيضاً الإمام الخليلي، كما توجد في الطابق الأرضي ثلاثة مواقع للسجون ومخزن للتمور وسجن رابع (قنطرة)، ومخزن للأسلحة، وغرفة مسائية للبرزة، وفي الطابق الأول، توجد ست غرف ومخزن لحفظ التمور ومخزن للسلاح ومسجد وغرفة للاستقبال وبئر ماء، ومسبح للنساء. أما في الطابق الثاني، فتوجد ست غرف للسكن، ومخزن للسلاح، ومطبخ ومخزن للمواد الغذائية، وغرفة صباحية للبرزة.. وتوجد في القلعة نفسها ثلاثة مخازن للتمور والأسلحة، وثلاثة آبار للماء، كما يوجد في أعلى القلعة قبران، أحدهما لسعيد بن إبراهيم بن قيس بن عزان 9321ه/1908م.. والآخر لسعيد بن محمد بن هلال بن علي بن بدر 1355ه/1934م. إلى جانب قبر كل من ابراهيم ومحمد ابني فيصل بن حمود بن عزان البوسعيدي وجميع أسقف القلعة مبنية من جذوع النخيل وحطب الكندل، ويزيد سمك جدارها على ثلاثة أذرع تقريباً.

وفي القلعة عشرة مدافع.. أربعة منها في البرج الحديث، وثلاثة في برج الريح، والثلاثة الأخرى في أسفل القلعة، وفي القلعة أربعة مساقط، أحدها يقع في أعلى باب صباح العلعال، والثاني في أعلى باب صباح اليعاربة، واثنان بداخل القلعة نفسها، وفيها اثنان من السجون المشددة التي تدعى باللهجة المتعارف عليها مطامر أحدهما في برج الريح، والثاني القلعة نفسها، وتزين أعلى محيط القلعة ثمانمائة وسبعين مثلثاً، وعلى محيط سورها الكبير حوالي ألفين من المثلثات، وسورها ضخم يحتوي على أحد عشر برجاً، وله مدخل واحد من باب صباح الشرجة، ومحيط يقع في خمسمائة واثنين وستين متراً ونصف المتر تقريباً.

في طابقها الأرضي وعلى يمين المدخل غرفة للعسكر الذين يتناوبون الحراسة على مدار الساعة، وفي نفس الطابق عدد من السجون للعقوبات المختلفة.

ويعد مجلس الشورى من أهم المواقع في القلعة في الطابق الثاني منها ففي هذا المكان كان يجتمع أهل الحل والعقد وقت اشتداد الأزمات، حيث كان الإمام الحاكم يتشاور معهم وقادته في هذه الغرفة التي يمكن أن نطلق عليها بلغة العصر الحديث اسم غرفة العمليات، حيث يجري رسم الخطط اللازمة للدفاع عن المنطقة والقلعة أيضاً.

أما غرفة الإمام، فقد كانت محروسة برجال أشداء، خاصة أن بها مسقط العسل الذي يحكم الواجهة الأساسية للقلعة، وهي وسيلة دفاعية مضمونة بنسبة عالية، حيث تحقق عنصر المفاجأة، فلا يتوقع المهاجمون وجود مثل هذا المسقط الذي يصب من فوق رؤوسهم عسلاً مخلوطاً بالزيت المغلي، وكذلك المنجنيق، وهو سلاح يشبه إلى حد بعيد ما نعرفه حديثاً باسم قنابل النابلم الحارقة.

وفي جانب من الطابق الأخير، يحتل مستودع الأسلحة والذخائر مساحة طولها حوالي 40 متراً وعرضها سبعة أمتار، وفي داخله توجد فتحة لايتجاوز طولها متراً واحداً، تقود إلى نفق سري يصل إلى مواقع أنصار الإمام الذي يمكنه طلب المساعدة عن طريق أحد عيونه أو رسوله الخاص إلى أنصاره في محاولة أخيرة لفك الحصار عن القلعة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"