أما البداية مع الصايغ فتبدأ دائماً بالموت، الموت الذي يؤسس لحياة أخرى، يبني عوالم ما بعد الخراب الجميل، ويؤنسن الأشياء بوحدة الانمحاء، أو الإمحاء القسري الذي يمارسه الصايغ لكل كائنات الحبر والبشر والورق، فكأنه يستعمل في جبلته السحرية عناصر الوجود من ماء وهواء وتراب ونار، وعلوم الحياة من فلسفة وشعر ومنطق اللا منطق، وهو في ذلك يطلب مطلباً أوحد منذ عرفناه في قصائده الأولى، حتى كتابته الأخيرة الأكثر إشارةً إلى الموت كحياة، وإلى الجنس كفضاء، وإلى الأنثى كمحفز يومي على الشعر، وعلى العشق وعلى العبث بكل ما سبق من عناصر ومسلّمات في الفكر والشعر وغيرهما .
إنها لعبة الخلود عند الصايغ، مؤامرته ضد الحياة، محوه لكل ما كان لأجل ما سوف يكون، كما في طقوس الخصب والولادة في الأساطير والميثلوجيات القديمة، وهو العربيّ فيبقى الأقرب إليها، والأقدر على التماهي بها، وإن برمزيات التشكيل اللوني الحداثي أو لعبة الأضداد سبيلاً إلى الخلود الكلي والبقاء الشعري في المطلق، في وحدة الكائن والكون، بياء نسبة المفرد في السنين والشروق والغروب والنحيب، ثم بياء المفعولية مواربةً ومهادنةً لهذا الموت الذي يمر كالرصاصة في القلبِ تماماً، إلا أنّ الشاعر يغافله ويحيد عن دربه قليلاً، بالأبيض والمطر وطقوس التحولات والفصول، ثمّ يكون الإسناد إلى الفاعل كعنصر أقوى في بنية النص وككائن قادرٍ على البقاء والخلود اللذين لا يكونان إلا بالموت، يقول حبيب الصايغ في نصه البطريق:
يا سنيني
أمطريني في شروقي وغروبي
يا غيوماً ريشها الأبيض
يرتاح على سفح نحيبي
أمطريني أمطريني
وأمطري بي
واشهدي موتي لأبقى خالداً .
لماذا الخلود في الإشارة والدلالة الشعرية عند حبيب الصايغ، لأنه القارئ في كتاب الحياة بكل اللا مبالاة، كما غوته في فهمه للخلود في الحياة بالشعر والأثر/ الإرث الشعري، كما شكسبير في مقولة ميلان كونديرا نقلاً عن غوته، يقول ميلان كونديرا في روايته الخلود حرفياً: الخلود، لم يكن غوته يخاف تلك الكلمة، يتحدث في كتابه حياتي الذي يحمل العنوان الفرعي الشهير شعر وحقيقة، عن الستارة التي كان يتأملها بشراهة وهو شاب يبلغ التاسعة عشرة، في مسرح لايبزغ الجديد، يظهر في خلفية الستارة معبد المجد، وأمامه جميع كتّاب المسرح في جميع الأزمنة، ويظهر وسطهم/ دون أن يعيرهم اهتماماً، رجلٌ يرتدي سترةً خفيفة يتجه إلى المعبد مباشرةً، صوّر من الخلف وليس في مظهره شيء خارقٌ للعادة، إنه شكسبير الذي يسير دون أيّ دعم إلى لقاء الخلود، دون مبشّرين، لا مبالياً بالنماذج الكبيرة .
لماذا الموت إذاً؟
لأنه في الأساطير الإغريقية القديمة كما في طقس ديو نيزيوس الزراعي كان موضوع احتفال وتفاؤل، يؤخذ به ويؤدى وفق إيقاع فصلي، يبدأ من الشتاء إلى الربيع، فالشتاء هو الموت، والربيع هو الحياة، ومن موت النبات إلى تجسيد الحياة والخصب بفعل الآلهة، كانت تقام تكريماً لديونيزيوس أعياد مختلفة، في كبرى المدن، كما في التجمعات الريفية، وكانت تجري في آذار ونيسان .
تشكل الأسطورة بعامةٍ والأساطير اليونانية بخاصةٍ في مضمونها المعرفي وتشكيلها اللغوي البناء الأساسي الذي انطلق منه الفكر الإنساني، ثم الشعر لاحقاً في اتجاهات فهم الأضداد والنقائض، حول ماهية الموت والحياة والخلود .
وتشكّل أسطورة طائر الفينيق أو أدونيس، أو تموز ذات الأصول المشرقية السورية القديمة المحور اللغوي ومفردة المركز في الحقل المعرفي والدلالي للشعر العربي تحديداً، حيث إن طائر الفينيق بحسب تعريف معجم أكسفورد هو طائر وحيد في جنسه بعد أن عاش في الصحراء العربية خمسة أو ستة قرون، أحرق نفسه في كوم من الحطب، ونهض من رماده، بشباب يتجدد، يعيش دورة أخرى، ويهزم ويحترق من جديد، وهكذا مجسداً تجدد الحضارة في تقويم دوري .
وطائر الفينيق هو رمزية التعبير الشعري في أوضح تجليات التشكيل أو ما أسمّيه الجمع بين ثنائية الشكل والمعنى، البناء والمضمون، في حركة انبعاث وموت يتجددان على الدوام كإحالةٍ شعرية لأمور الوجود والحياة، والذي يضفي في نهاية المطاف وحدة هذا الأساس البنائي اللغوي الأكثر حضوراً في الشعر: الحياة = الموت والموت = الحياة، وصورة الفينيق تعني نظرة الإنسان إلى الحياة والموت وعلاقته بالزمن والوجود .
تعطينا الأساطير الكنعانية القديمة، وأساطير ما بين النهرين وأساطير اليونان، مفهومين أساسيين لفكرة البعث: بعث الموتى وخاصة الآلهة الميتة، وهناك آلهة يونانية كديونيسبوس ابن زيوس، وبرسيفوني، وآسكليبوس، الذي جمع بين أشمون إله صيدون وآدون إله بيبلوس، أما المفهوم الثاني فهو في إعادة الحياة إلى الأرض الموات بالمطر والشتاء، كأنّ الشاعر الصايغ في ما تقدّم يشير إلى ذلك بالعلاقة التي يقيمها بين الشاعر والغيم، بينه وبين المطر/ الخارجي بصورته الشتائية، والداخلي في صورته كنحيب، وكأنه يستدرج المعنيين والمفهومين معاً إلى حقل حضوره ككائن وإنسان، فيصير حيناً عنقاء القصيدة الخالد، وحيناً آخر بطلها وحبيبها وأدونيسها، الإله آدون ويسميه الإغريق أدونيس، وهو الإله الشاب الذي يموت ثم يعود إلى الحياة: في الشكل الإغريقي للأسطورة، يظهر أدونيس كإله صياد يقتل في صراع مع الخنزير البري، وفي الجحيم ترفض برسيفون أن تردّه إلى حبيبته الآلهة أفروديت، وبعد خلاف بين الإلهتين يسمح لأدونيس أن تعود إلى الأرض .
والخلود بالموت، في الإشارة والدلالة الشعرية عند حبيب الصايغ أيضاً، تتفق تماماً مع ما يؤكده ميلان كونديرا في روايته الخلود من أنّ لا علاقة للخلود الذي يتكلّم عنه غوته، وبطبيعة الحال، بالإيمان بخلود الروح، المقصود هنا هو خلود آخر، دنيويّ، لمن يبقون بعد موتهم في ذاكرة الأجيال اللاحقة، يستطيع كلّ إنسان الوصول إلى هذا الخلود العظيم، إلى هذا القدر أو ذاك، المديد إلى هذا القدر أو ذاك، ومنذ المراهقة يبدأ كلّ إنسان بالتفكير به، ومنذ الطفولة المراهقة بدأ الصايغ بتلمّس دربه إلى هذا النوع من الخلود، حين أشار إلى جهة شرق الأساطير، ورأى بعين الشاعر ورؤياه بالتخييل، أقاليم وحدائق وشوارع تنتظر أن يكمل الطفل درس قراءته في الحياة، الطفل/ الصايغ هو الفتى المارد الذي رسم في كتابه الصغير طفولته المقبلة، يقول الصايغ في نصه الرايات:
شرق بيتي أقاليم منسية
وحدائق آيلة للسقوط
شرق بيتي
شوارع آيلة للسقوط
شرق صوتي
مدارس قد سقطت
أين نكمل درس القراءة
قال فتىً ماردٌ
راسماً في كتاب صغير طفولته المقبلة .
لماذا الموت؟
لأنه لعبة الصايغ في اللغة والحياة ومحفّزه على الشعر المشاكس ليلوّنه باللذات المعجّلة، والموت قناعُ تنكّره المفضل، والموت لم يؤرق باله ولم يشغل تفكيره إلا لأنه سليل طرفة بن العبد، وعروة بن الورد، وزهير بن أبي سلمى، وآخرين منذ شعراء طروادة المقاتلين في ما رواه هوميروس عنهم، هؤلاء الذين نظروا في عين الموت وهزؤوا منه، بأن كشفوا عن حقيقة الزمن في جدليات الموت/ الحياة والحياة/ الموت، وهو الذي يردد في نصه الشاعر ما يعرّف به الشاعر، وهو سليله وقتيله وقاتله، وهو الحياة بين نقيضين لا ثالث لهما، وهما الموت والحب بين ما نحن فيه من الموت والحب، والموت في القصيدة اتساعها وضيقها، إذاً هو النقيض الجامع المانع سأقول القصيدة كالموت ضيقة وكالموت فضفاضة، وللموت في تجربة الصايغ طائرٌ لم يطر إلا ليصفعه بجناحي الغربة والعويل، والعويل صراخ والصراخ قولٌ والقولُ حضورٌ شاعرٌ، لم يطر طائر الموت/ إلا ليصفعني بجناحين من غربة وعويل، والموت رداءُ الجسد، كما في مذهب المتصوفة والصعاليك معاً، مذهب المتعبّد والخليع، والموتُ اختناقٌ ثم يكون بعده التنفس والهواء على اتساعه وامتداده، والصايغ شاعر الأضداد المجتمعة سر النساء عميقُ/ ولهن المساواة حيث النساء وأشجارهن سواء/ النساء الرداء/ الهوية أن نرتديهن كالموت أو كالهواءْ، ثم تكون الولادة الجديدة للشاعر كما سلفادور دالي ونظريته السوريالية في الحلول والحياة مجدداً، كما يقول الصايغ: في معدن التيه، وتوق التائه، والموت البلاغة والإنشاء والبناء لا الهدم والخراب الإليوتي، وبليغاً كلسان الموت في إنشائه، وهو يقول للبطريق إن يعمّم الموت في البلاد كاحتمال أفق/ الآن/ ولا تنشد نشيد الموت/ إلا في احتمالات البلاد، يردد الصايغ لا . . كيف ندرك موتنا/ لا الموت يسعفنا، ولا يأتي الكلامُ، وينتصر على الموت باللذة، بالحبّ، وإنني أهواك حتى الموتِ/ حتى الموتِ/ حتى الموتِ ثمّ ماذا حدث بعد الموت؟/ قلت لك أحبك .
ويقيم الشاعر الصايغ في كل نصٍ من نصوصه الشعرية، حتى السياسية منها هذا الطقس الإحيائي الذي يحيل الموت حياةً، إذ يتعمّد الجسد بالورد والموت معاً، يسأل هل يترك الجسد المتعمد بالورد والموت، ويصير الحب أقوى من الموت، وأثرُه أبعدَ من أثر الموت نأيُ الأحباب/ إن الموت أهون، غير أن كلامه الشعبي مهدور، ويبقى كل شيء ناقصاً في الحياة الأولى، العمر الأول للشاعر، ذاكرته عن الطفولة والاصدقاء والحب والموت، فيصير الموتُ ذاكرته عن ماضٍ والغدُ الحياة، وبيننا يا رفيق الطفولة/ سيرة من الحب الناقص/ والموت الناقص، ويصير بينه وبين سيدته العاشقة هذا التضاد، حين تختار لها اسماً موصولاً ولا يصل به إلى مبتغاه بالموت التام كي يبدأ خلوده بها، ولأجلها أيتها السيدة التي ما لاسمك الموصول/ لا يوصلني إليك/ كي أتم موتي فيك .
إنه الصايغ في استعداده للموت، لا يهادن الموت ولكن يحتمله، لأنه اشتغال الشاعر بسؤال الحياة والشعر، لأنه انشغال الشاعر بالحياة وبأخرى تأتي بعد الموت، لن أهادن موتيَ/ موتي سؤال/ وموتي انشغال، لتبقى الأمنية الأخيرة للشاعر أن يتقمص شكلاً أكثر رقةً، أكثر هدوءاً، أقرب إلى صدق الحياة في الفطرة، واشتهاء الطيران والتحليق بحرية، لو أموت، إذن، لاختلطت بلحم العصافير، وهي تهاجر نحو المساء .
حبيب الصايغ يتوضأ بالنور ويغتسل بماء الشعر فالشعر التوتّر كما الحياة، والشعرُ التحوّلات والمراحل في لعبة الفصول والحلول، يسأل فكيف نهدأ أو نموت وبيننا موتان لا موتٌ، بل يغتسل بماء الحب، بعطر حبيبته، بشكل حبيبته وحضورها الرمزي بالعطر والرائحة، تمنيت لو كنت عطرك، حتى أموت قليلاً، وهو الذي يجرّب الحب والحياة معاً، هو وحبيبته، إلا أنّه يعلم تماماً، أنه بين شكلينِ للحياة، وشكلين للحب، وشكلين للشعر، يختار أن يكون البطل منفرداً، أن يجرّب الموت وحده، قلت: أجرب موتي وحيداً .