مقاربة أولية للمنجز النقدي في الإمارات

بين الرغبة في التنظير والقراءات السريعة
04:19 صباحا
قراءة 9 دقائق

في عام 1970 قال بول دي مان في كتابه العمى والبصيرة، مقالات في بلاغة النقد المعاصر: ان كل كتاب جديد يظهر، يدشن نوعاً جديداً من النقد. تنقلنا عبارة دي مان إلى الواقع الإماراتي والذي يموج بفعاليات ثقافية يومية تتنوع ما بين إصدار الكتب المؤلفة أو المترجمة وتظاهرات مسرحية أبرزها مهرجان أيام الشارقة المسرحية ومعارض تشكيلية تشمل مختلف الإمارات وتتركز في بينالي الشارقة للفنون فضلاً عن مؤسسات ثقافية تقدم الدعم والرعاية لشتى الأنشطة الثقافية، الأمر الذي يطرح سؤالاً حول فضاءات الحركة النقدية في الإمارات، موقعها على الخريطة الثقافية، رصدها لما يصدر ويحدث يومياً داخل الحركة الثقافية الإماراتية، قدرتها على الإضافة النظرية وكلها مفاتيح يمكن من خلالها الاقتراب من فضاءات الحركة النقدية وتقديم السؤال الإشكالية لكل من يهتم بالحراك الثقافي: إلى أي مدى أسهم النقد في الدفع بالثقافة الإماراتية إلى الأمام؟

يطرح السؤال السابق مشروعيته من جهات عدة، فإذا ألقينا نظرة إحصائية سريعة على نماذج الإبداع الإماراتي في مختلف جوانبه سنجد العديد من الاسماء الواعدة: ففي مجال الشعر لدينا الهنوف محمد، أحمد العسم، إبراهيم الملا، عبدالعزيز جاسم، كريم معتوق، طلال سالم، صالحة غابش، خلود المعلا، عادل خزام وغيرهم، وفي الكتاب الوثيقة الصادر عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات بعنوان عطش البحر وجمرة الصحراء نفاجأ ب 63 قصة قصيرة ل 34 قاصاً يمثلون مختلف أجيال كتاب القصة في الإمارات، ونعرف من مقدمة الكتاب بوجود كتابين سابقين اشتملا على قصص لآخرين.

وتتضح الصورة أكثر عندما نقرأ تقرير لجنة التحكيم حول أعمال الدورة 18 لأيام الشارقة المسرحية والتي انتهت منذ أيام قليلة، حيث تضمن بعض الملاحظات أهمها أن العاملين في هذه العروض قد أغفلوا معظم المعايير التي وضعتها اللجنة العليا المسيرة للأيام ومنها الأصالة في التناول والمعالجة الفنية والابتكار في وسائل التعبير والتقنيات المسرحية وقوة التأثير في البحث والطرح وقرب العرض من روح العصر والمنجز المسرحي المعاصر، حيث جاءت العروض متواضعة لعدم الاشتغال على تقديم عروض رصينة، وأكدت اللجنة على ضرورة امتلاك الممثل المسرحي لأدواته في الاعتماد على الحس الداخلي والتعبير الجسدي والإلقاء المسرحي وأوصت اللجنة بضرورة إقامة الورش المسرحية والدراسات المتخصصة في فنون المسرح بعيداً عن الشكل التقليدي المتعارف عليه بإيفاد الفنانين والفنيين الجادين إلى المؤسسات المسرحية العالمية للاطلاع والاستفادة من الانتاجات والتجارب الحديثة والمعاصرة.

وبخلاف القصة والشعر والمسرح سنجد فنوناً تشكيلية تتميز بالثراء والتنوع في الإمارات ويكفي تصفح كتاب الذاكرة الصادرة بمناسبة العرض السنوي العام لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية لنقرأ اسماء حسن شريف وحسين شريف وعبدالرحيم سالم ومحمد كاظم ونجاة مكي وغيرهم ونطالع تجارب تتورط بأفكارها مع طروحات الفن التشكيلي المعاصر وتنوعه بين مختلف المدارس الفنية في العالم ويختلف سؤال النقد في الفن التشكيلي عن مثيله في الإبداعات الأخرى، حيث ان مهمة الناقد التشكيلي ولظروف عدة تفوق في أهميتها مهمة الناقد في الشعر مثلاً، فلاتزال العديد من الحواجز قائم كسد منيع بين التشكيل والجمهور ليس في الإمارات فحسب وإنما في مختلف أرجاء الوطن العربي، وهنا تصبح مهمة الناقد مضاعفة فعلية وحده يقع عبء تقريب هذه الفنون إلى الجمهور ومحاولة الانطلاق منذ البداية أي تعليم المتلقي كيفية تذوق العمل التشكيلي فضلاً عن فك مفاتيح العمل للاستمتاع به وتحويل اللوحة التشكيلية من أداة للزينة إلى عمل بصري امتاعي ينقل المتلقي إلى عوالم رحبة من الثقافة الراقية.

فضاءات النقد المتعددة

يتوزع النقد الأدبي في وطننا العربي بين رؤى عدة تتجاذبها دائماً ثنائية الايديولوجي- الجمالي، الانطباعي- الأكاديمي، الصحافي- العلمي، القديم- الحداثي، بالإضافة إلى طروحات تسأل عن جدوى النقد وأخرى تؤكد غياب النقد، وثالثة تبرز ظاهرة غموض النقد وتحوله إلى نوع من التحليلات الهندسية والرياضية، وهناك محاولات سعت إلى تقديم مغامرات تنظيرية في النقد إسهاماً منها في الإضافة العلمية من جهة، ومحاولة لتجاوز إشكالية الوافد والموروث تلك الثنائية المهيمنة على الفكر العربي المعاصر بأكمله، وليس النقد الأدبي فحسب وكثيراً ما يتهم النقد الجمالي والانطباعي والصحافي بالسطحية وعدم القدرة على فك مفردات النص الأدبي أو تقديم إضاءات كاشفة له، وبالمثل فإن النقد الأكاديمي والحداثي وما بعد الحداثي ينظر إليه كنتاج لنظريات البنيوية والأسلوبية اللسانية والتفكيكية وغيرها من أفكار يرى البعض أنها لا تصلح للتطبيق على تجاربنا العربية، ولا يختلف الحال عند النظر إلى الساحة النقدية في الإمارات.

يطمح الدكتور صالح هويدي في كتابه لعبة النص، مقاربات نقدية في الشعر والسرد إلى تقديم قراءة نقدية تتخذ من النص الأدبي أساساً ومنطلقاً أولياً لأية مقاربة نقدية، وليس العكس وتقوم هذه القراءة على مبدأين، الأول اعتبار أن البنية الخاصة للنص ومنطقه الفني هو الذي يجترح شكل مقاربته محدداً المنهج الملائم لتناوله، أما المبدأ الثاني الذي يقترحه هويدي فيقصد به حاجة النصوص الأدبية إلى تشريحها عبر أكثر من مدخل بعد أن ثبت عجز الرؤية المنهجية الواحدية عن الوصول إلى الحقيقة النهائية لتلك النصوص، ويقول هويدي لقد أثبت النص الأدبي فشل جميع المحاولات المنهجية في ادعائها وحدها فهم حقيقة النص والقدرة على امتلاكه، فعلى الرغم مما كشفت عنه المقاربات النقدية الشكلانية والسيميولوجية واللسانية والأسلوبية والبنيوية والتأويلية ونقد استجابة القارئ وسواها من معطيات نقدية مهمة وتجليات لا غنى عنها في مقاربة النص فإن أية محاولة للانتصار على مقاربة دون أخرى من شأنه أن يوقع هذه المقاربات في المغالطة وفي وهم امتلاك الحقيقة وحدها دون سواها من المقاربات الأخرى.

وتدور فصول الكتاب حول إضاءات يسعى من خلالها المؤلف إلى الإسهام في ما يمكن وصفه بالمشكل النقدي في الوطن العربي عبر دراسات عن مشكلات الخطاب النقدي وإشكالية العلاقة بين النقد العربي والنقد الغربي ومفهوم الحداثة في النقد العربي القديم وإشكالية التراث في الخطاب العربي المعاصر وغيرها من دراسات نظرية أو تطبيقية يختفي فيها الخطاب الإبداعي الإماراتي.

وانطلاقاً من الطموح نفسه يأتي كتاب نصوص النصوص للدكتور عمر عبدالعزيز حيث يسعى إلى تعميم مفهوم النص على أكثر الأعمال تجريداً وغنائية كالموسيقا ويقول في هذه المقاربة سنعتمد على أدوات الفن باحثين عن القواسم المشتركة بين النصوص المختلفة، معتمدين على علوم الجمال التشكيلية والمضمونية ورائين للتقاطعات بين النصوص المختلفة، فالنص البصري لا يخلو من غنائية وتجريده الخاص، والنص المكتوب ليس بعيداً عن الصورة، والموسيقا تماهٍ مع المكتوب والمسموع والمتخيل، والسينما وما يشابهها من أشكال إبداعية تمازج بين عناصر فنية ونصية مختلفة، ان اسهامات عبدالعزيز في هذا الكتاب المتنوعة بين التنظير للآداب والنصوص البصرية والموسيقا والتراث الشفاهي تحيلنا إلى مفهوم اللعبة أو مدرسة الدراسات الثقافية التي بات لها ممثلون في أرجاء الوطن العربي.

واللافت عند رصد نماذج معبرة عن الحركة النقدية في الإمارات ليس فقط تورط الناقد في محاولة التنظير النقدي العام فهو حق مشروع ومطلوب من أي ناقد دائماً تقديم قراءات مجملة للمشهد الأدبي، فنجد مثلاً إسهامات عبدالفتاح صبري، حيث يسعى إلى تقديم صورة بانورامية شاملة للشعر الإماراتي في كتابه القصيدة الحديثة في الإمارات قراءة في المنجز النصي، في هذا الكتاب سنجد معظم الأصوات الشعرية الموجودة على الساحة عبر أدوات نقدية مستقاة من مناهج عدة بالإضافة إلى لغة لا تميل إلى التعقيد ويبرز عمل صبري الواقع في 367 صفحة رغبة أكيدة وربما طموحاً لاهثاً لرصد المشهد الشعري بأكمله بما يفقد البعض دراساته العمق اللازم لصياغة إسهامات نقدية تحسب لرصيد التجربة النقدية في الإمارات، وربما شعر صبري بهذه الحاجة الملحة لضرورة وسرعة تناول المشهد الشعري في الإمارات حيث يقول في المقدمة اللافت عند التاريخ للشعر العربي في الإمارات، هو ندرة المصادر الباحثة والمؤسسة تلك الندرة التي دفعته لتناول عشرات الاسماء بالرصد والتحليل وأنتجت أيضاً أحكاماً تيمية مثل رؤيته العامة للشعر الإماراتي والذي يفتقد صوته المميز مما يعني ذوبانه في الهوية العربية وإن كان يرى أنها سمة تحسب للشاعر الإماراتي ولا تحسب للشعر من حيث انه رائحة للمكان والزمان ومرآة للسلوك والقيم والسؤال الذي يفرض نفسه في هذه الجزئية إلى أي مدى تتسم رؤية صبري بتعبيرها عن الشعر الإماراتي الحديث؟

الحال نفسه ينطبق بدرجة أو بأخرى على كتاب الرمز والدلالة في القصة والرواية الإماراتية للناقدة ريم العيساوي فالكتاب عبارة عن قراءات سريعة في القصة والرواية الإماراتية، وان جاء التناول لقضايا القصة والرواية مختلفاً عن الرأي السابق لصبري حول الشعر، حيث تقول العيساوي في مقدمة الكتاب ومن الجدير بالملاحظة أن أهم تجليات الخطاب السردي الإماراتي، جاء مسكوناً بهاجس التحول وتظهر عبر نسيجه أزمة الشخصية وانكسارها بسبب تأزم الواقع إنها النتيجة نفسها التي توصل إليها صبري، فالسرد الإماراتي كان أكثر قدرة على رصد المتغيرات الاجتماعية من الشعر، وهي نتيجة تدعو إلى التأمل ومحاولة تقديم رصد أكثر عمقاً فتناول الإبداع بهذه الوتيرة السريعة قد يؤدي إلى نتائج لا ترضي الكثير من متتبعي الإبداع في الإمارات.

يقودنا الرصد السابق إلى إكمال المشهد النقدي بالنسبة للإبداع الأدبي عبر القيام بإطلالة على أبحاث الملتقى الثالث للكتابات القصصية والروائية في الإمارات والتي صدرت في ثلاثة أجزاء عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في عام 1993 حيث سنجد دراسات مجملة عن واقع الإبداع النثري مع ربطه بمثيله العربي وان كنا نلاحظ أن معظم هذه الدراسات لنقاد عرب اشتركوا بصفة عابرة في الملتقى الثالث للكتابات القصصية والروائية.

إذن نحن أمام صورة مميزة لمعظم الحركة النقدية في الإمارات، ولا تدعي هذه القراءة تتبعها ورصدها بالكامل، تتسم بتقديم قرارات سريعة ومجملة للمنجز الأدبي في الإمارات تتورط أحياناً في أحكام عامة وإطلاقية وتعجز عن تقديم نص نقدي إبداعي مواز للنص الأصلي، فضلاً عن العجز عن متابعة ما يصدر يومياً من إبداع محلي، ولا تسعى هذه القراءة أيضاً إلى ترديد مقولات نمطية يطلقها البعض حول سيادة المجاملة والدعائية على المنجز الأدبي الموجود في الساحة المحلية.

المسرح

يمثل السكون ظاهرة واضحة عند تتبع الحالة النقدية في تجل إبداعي آخر يُحتفى به في الإمارات فمن يطالع الكتاب التذكاري الصادر في عام 2004 بعنوان ذاكرة الأيام، أيام الشارقة المسرحية 1984- 2004 سيجد توصيات الخاتمة المعنونة أحلام مقتضى الحال المسرحي في الإمارات لا تختلف كثيراً عن توصيات وقائع الندوة العلمية التي عقدت في عام 2003 بعنوان النص المسرحي في الإمارات حيث سنجد التأكيد على ضرورة تفعيل معهد الشارقة للفنون المسرحية باعتباره بيت النضج المسرحي احتياج بعض المؤلفين إلى الورش التخصصية لصقل مواهبهم وكذلك بعض الممثلين والمخرجين.. الخ، ابتعاث مخرجين أكفاء إلى مناطق تماس إخراجي بديعة مثل إيطاليا وفرنسا، تشجيع المواهب الشابة على البروز والنضج، الاهتمام بمسرح الطفل، العمل على توثيق الحركة المسرحية في الإمارات وهي نقاط تتقارب في مضمونها مع توصيات لجنة التحكيم في نهاية الدورة الثامنة عشرة، والسؤال المهم والمتعلق بهذه المسألة، أين دور النقد في فن مهم ومؤثر كفن المسرح؟ ان مشكلة المهموم بفن المسرح وفقاً لما يقوله الدكتور محمد يوسف تتمثل في رغبته الملحة في إيجاد صيغة ترضي الفنان والناقد وتجذب الجمهور في الوقت ذاته، وربما يصادف النجاح أحد طرفي المعادلة مع كل دورة من أيام الشارقة المسرحية، ولكن صعوبة تحليق المسرح بجناحيه تثير أسئلة حول دور ووظيفة النقد الفني في مجال المسرح، على الرغم من وجود أسماء عدة لامعة في هذا المجال، ولها إسهاماتها المشكورة والتي لا يمكن تجاهلها.

إن هذه المقاربة تحاول تقديم إضاءات لافتة حول المشهد النقدي المعاصر في الإمارات بتجلياته المختلفة انطلاقاً من الإيمان بأن النقد يمثل ركيزة أساسية وفاعلة في أي حراك ثقافي يسهم في النهضة ويدفع إلى الأمام بالإضافة إلى محاولة السعي إلى فتح حوار حقيقي حول النقد، ما أنجزته الحركة النقدية وما ينتظر منها أن تقدمه في المستقبل خاصة وأن الصورة في مجملها تؤكد تسارع وتيرة الإبداع وتباطؤ التعاطي النقدي معه.

الطابع المدرسي

وتستمد أزمة النقد في مجال الفنون التشكيلية أصولها وفصولها من عوامل عدة لعل أبرزها ما يتعلق بالجانب التنظيري في هذا المجال، أما العديد من الكتب التي ترصد الفنون التشكيلية تتسم بالطابع المدرسي، فنجد أمامنا تعريفات تاريخية لأبرز المدارس التشكيلية مع ضعف الترجمة وعدم مواكبتها لأحدث الإصدارات العالمية، بالإضافة إلى حاجة هذا المجال إلى نفس طويل من تدريب المتلقي على كيفية قراءة العمل التشكيلي وتعريفه بالجذور المعرفية والفلسفية التي أفرزته وبناء ثقافة تعمل على تربية الذوق الفني وتنمية الحس الجمالي خاصة وأن هذا المجال يتسم بنخبويته في العالم ككل، ولكن لا يكمن مقارنة قدرة المتلقي الغربي على تذوق الفن التشكيلي بالمشاهد العربي، والذي ينظر إلى الأعمال التشكيلية ولظروف عدة على أنها أدوات للتزيين وتجميل المنازل وهي أزمة لا تتعلق بالمتلقي الإمارات فحسب، وإنما تعم لتشمل المواطن العربي على وجه الإجمالي.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"