الثورة هي فعل تغيير شامل وجذري لواقع سياسي واقتصادي واجتماعي وأمني قائم، يقطع مع الماضي، ويقيم بنى جديدة تتواءم مع أهداف الثورة وتحقق غاياتها .
وقد تغير مفهوم الثورة وفقاً للتطور الزمني ومقتضيات العصر وحاجات الأمم، فالفيلسوف الإغريقي أرسطو رأى شكلين من الثورات في سياقات سياسية، هما، التغيير الكامل من دستور إلى آخر، والتعديل على دستور جديد .
ثم ظهر تعريف آخر لالثورة مع قيام الثورة الفرنسية العام ،9871 إذ يقوم الشعب بتغيير نظام الحكم بالقوة بقيادة نخب وطلائع مثقفيه . ومع الثورة البلشفية في روسيا العام 1917 التي قامت على أساس النظرية الماركسية كانت طبقة العمال والمثقفين الثوريين (طبقة البروليتاريا) هي أساس التغيير .
ولعبت القوات المسلحة وقيادات تاريخية كارزمية دوراً بارزاً في ثورات تمت خلال القرن العشرين، وأدت إلى تغيير أنظمة حكم استبدادية ومتسلطة كما حدث في مصر وكوبا وإيران، إضافة إلى ثورات ضد الاستعمار كما في سوريا والجزائر، وثورات شعبية ضد أنظمة شمولية كما في أوروبا الشرقية العام ،1989 وأوكرانيا العام ،2004 رغم أن بعض هذه الأخيرة كان بفعل مؤثرات خارجية وأنتجت أنظمة مرتبطة بسياسات غربية .
في حالات ما سمي بالربيع العربي وتحديداً في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، كان الوضع مختلفاً، إذ خرجت الجماهير في هذه الدول متخطية كل حواجز الخوف ومتحدية قوة القمع والاستبداد التي سادت في ظل أنظمة أحكمت قبضتها عليها طويلاً تطالب بالحرية والديمقراطية . كانت في الواقع هبّات جماهيرية واسعة وغاضبة، كان بعضها دامياً وعنيفاً، لكنها لم ترتق إلى مستوى ثورة تؤدي إلى التغيير الشامل كما يفترض في الثورات، وذلك نتيجة عوامل عدة أبرزها أن هذه الجماهير لم تكن منظمة، وكانت تفتقد إلى البرنامج السياسي، وإلى القيادة القادرة على التوجيه .
لذلك، فإن جل ما أنتجته هذه الجماهير في مسيرة تحركها، أنها أسقطت رأس النظام وأبقت على أدواته، أو أنها أسقطت النظام وأتت بقوى كانت كامنة واستغلت فرصة الحراك الجماهيري لتتسلق إلى مواقع السلطة من خلال انتخابات استخدم فيها العامل الديني وسيلة لتحريك العواطف والمشاعر (مصر وتونس)، أو أنها أنتجت نظاماً ضعيفاً جراء صراعات عصفت بين القوى الجهوية أو الدينية باتت تهدد وحدة البلاد (ليبيا)، أو أدت إلى تسوية ملغومة بين السلطة والمعارضة أطاحت برأس النظام، وأبقته ممسكاً بالسلطة من خلال أدواته (اليمن) . أما سوريا فلها شأن آخر، إذ إن الصراع وبعد أكثر من عام لا يزال قائماً بين النظام ومعارضيه، وبدأ يأخذ شكلاً دموياً عنيفاً وتتسع رقعته مع انسداد أفق التسوية السياسية، ولجوء النظام إلى الحل الأمني، ولجوء قسم من المعارضة إلى السلاح للدفاع عن النفس، وتصاعد التدخل الإقليمي والأجنبي بوسائل مختلفة ما حوّل سوريا إلى ساحة للصراع .
يضاف إلى كل ذلك، أن الدول الغربية وتحديداً الولايات المتحدة تسعى منذ بدايات التحركات الجماهيرية في هذه الدول للتسلل إلى داخلها، وتوجيه هذه التحركات بما يحقق مصالحها من خلال ممارسة الضغوط والابتزاز والتهديد وضخ الأموال لشراء قوى ومنظمات، أو إبرام صفقات مع بعضها .
إذن، نحن أمام مشهد يختلف عن الثورات المألوفة التي عرفها العالم، وبهذا المعنى يمكن وصف ما جرى في بعض الدول العربية بالثورات مجازاً، لكنها في الواقع ليست كذلك، هي قد تكون إرهاصات ثورات، وقد تحتاج إلى سنوات لاستكمال أهدافها إذا ما نجحت القوى التي شاركت في تفجيرها في تنظيم نفسها والاتفاق على برنامج سياسي وقيادة موحدة، وإذا ما واصلت تحركها بنفس الوتيرة والنشاط والقوة .