بعد ثلاثة عشر عاما، من عرض فيلمه الأول درب المهابيل، وفي يونيو/ حزيران ،1968 قدم المخرج الكبير توفيق صالح فيلمه الثالث المتمردون عن رواية بالاسم نفسه للكاتب الصحافي الراحل صلاح حافظ، بعد أن تعرض لعنت الرقابة التي اضطرته لتعديل مشاهد واختصار أخرى، وإضافة نهاية جديدة.
أثار الفيلم لغطا شديدا وتفسيرات عديدة لرؤية مخرجه للواقع الراهن، غير أن القيمة الحقيقية للفيلم كانت تكمن في المنهج الذي طرح به المخرج رؤيته وتفسيره للظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسة، من خلال منظور أيديولوجي واضح يرى أنها نتيجة لمعطيات كامنة في الواقع، وهو منهج علمي قد يتميز به الفيلم عن السينما السائدة آنذاك، وإن كان السيناريو الذي كتبه توفيق صالح لم يستطع أن يتخلص من سيطرة الأفكار وأن ينجح في تحويل شخوصه إلى شخصيات من لحم ودم، وباتت جميعها أقرب إلى الدمى الرمزية، ودلالات الأسماء المختارة مثل تايب ومغلوب وفايز وغيرها. تشير إلى فئة أو طبقة أو شريحة اجتماعية لكنها تعجز في الوقت نفسه، عن أن تمد جذورها في أرض الواقع، لتصبح مجرد رموز تفقد الصلة الحميمية به، ولا تمتلك القدرة على التأثير ويغيب عنها دفء الحياة وعذوبتها ونبضها وحيويتها.
تبدأ أحداث الفيلم عام ،1950 قبل ثورة يوليو/ تموز بعامين، في مصحة لمرضى الدرن، في صحراء القاهرة، معزولة أشبه بسجن كبير، أو أحد المعتقلات التي كانت منتشرة في تلك الفترة.
ومع المشهد الأول ندرك أننا لسنا إزاء مصحة أو مرضى وإنما إزاء مجتمع موازٍ، خلقه توفيق صالح، لتدور في داخله دراما الاحتجاج والتذمر ثم التمرد الذي يقترب من الثورة، وجعل شعب المصحة ينقسم إلى طبقتين واضحتين، أولاهما الذين يملكون، ويدفعون نظير علاجهم وينعمون بالراحة، والعلاج والهواء الرطب والماء المثلج ويحظون باحترام الإدارة ورعايتها.
والطبقة الأخرى، تقطن عنابر المجان ومحرومة من كل شيء، تتكدس وسط عنابر قذرة، يلفح أجساد ساكنيها، هواء ساخن، ويفتقر مرضاها إلى الدواء، بل وشربة الماء.
ومن الوهلة الأولى أيضا، ندرك أن المرض الذي يعشش في صدور أهل المصحة لا يعني به المخرج مرضا بدنيا الدرن وإنما مرض اجتماعي، نرى ملامحه في ذلك الظلم الواقع على طبقة المحرومين، وفي الفروق الهائلة بين الدرجات والطبقات، وفي امتلاك الطبقات القادرة لقوى التسلط والقهر، متمثلة في السلطة.
يضع الفيلم بسرعة وإيجاز، وبإيقاع سريع متصاعد، عناصر الأزمة أمام المشاهد، إدارة لاهية غارقة في البيروقراطية، تبحث عن راحة النزلاء الأثرياء أو الذين تدفع لهم الحكومة مصروفات علاجهم. ومنهم فايز الذي يجسد دوره الفنان سعيد خليل الإقطاعي، الأناني، الذي يرى أنه لا حق لأهل المجان في الحياة، ماداموا لا يملكون عزبا كما أشارت الفنانة زيزي مصطفى وتبرز شخصيات سعاد الممرضة التي تربطها بفايز علاقة غير متكافئة، سرعان ما تخبو، وفهمي أحمد الجزيري موظف الحكومة البائس الخائف الذي يكبله الاستسلام، غير أنه متعاطف مع أهل المجان، ومعهم الدكتور عزيز الفنان الكبير شكري سرحان الذي أتى إلى المصحة، مريضا، لا طبيبا، ويجد العناية من أصدقائه الأطباء، وإن عجزوا عن تدبير دوائه بسبب الروتين، والإجراءات، وتتضاءل مشكلة عزيز أمام ما يحدث أمام عينيه لأهالي العنبر المجاور، الذين يتعرضون للموت كل لحظة، بسبب قلة الماء والدواء، وسوء المعاملة، فأصغر الممرضات لا تتورع عن شتمهم، وسبهم والسخرية من فقرهم وعوزهم، والتهديد بالتنكيل بمن يتذمر أو يحتج، والمدير مشغول بإصدار الأوامر والتزلف إلى إخلاص هانم أو الفنانة ميمي شكيب، رئيسة جمعية مرضى الدرن، الأرستقراطية، التي تتحكم في الإدارة بما تدفعه من إعانة للمصحة، ويحاول المدير اكتساب ودها، وإظهار المصحة في أحسن حال، حتى لو أدى ذلك إلى طرد المرضى إلى الجبل، كي لا ترى إخلاص هانم ملابسهم وهيئتهم المزرية.
ذاق أهالي المجان مرارة الانكسار، وخمدت جذوة النار وإن ظلت مشتعلة، وراحوا يواجهون الفشل بالبحث عن طريق جديد للخلاص، ويعطي توفيق صالح درسه الأول، فما كان ليس سوى فورة تلقائية تفتقر إلى التنظيم، وعلى الجموع أن تنظم نفسها، وتختار قائدا لها، يرشدها ويعبر عن رغباتها، ويوحد وينسق جهودها، ولأن جموع المصحة لا تملك الوعي الكافي الذي يمكنها من دقة الاختيار، ولا تجد أمامها سوى عزيز ابن عنابر الدرجات الذي لا يجمعه معهم سوى المرض وقدر من التعاطف والإشفاق، وإن اختلف عنهم بطموحه ورغباته التي تبدأ بامتلاك عيادة وسيارة، وحلم بالثراء والخلاص الفردي، ربما فاجأه الوضع المتردي لمجتمع المصحة، بما فيه من فقر وجوع وإهمال وتحايل وكذب، لكنه لم يكن ذلك الشخص الذي عانى من الفقر أو الجوع أو الظلم، ولم يكن مؤهلا بالقدر الكافي لقيادة ثورة أهل المجان، أو بالأحرى تمردهم غير المخطط والمستند إلى مجرد الرفض من دون إدراك كافٍ لما يمكن أن تكون عليه الأوضاع بعد ذلك، وهو الاختبار الذي سقط فيه عزيز، وأضاع بقيادته غير الحكيمة دم شهداء التمرد، تايب ونبيل الطفل ثم فايز الإقطاعي الذي انضم للمتمردين دون تفسير واضح من السيناريو، الذي أضفى على مقتله بطولة زائفة لا يستحقها، لا بسبب كونه إقطاعيا ولكن بسبب فساده الخلقي وأنانيته وكراهيته السابقة لأهالي المجان.
يقدم توفيق صالح الدرس الثاني في نظرية الثورة، حين يرفض حرق المصحة، وتدميرها ويبدأ بالمقاومة السلمية، المنظمة، إذ يقرر عزيز أن ينظم أهالي المجان إضرابا عن الطعام يجبر الإدارة على الانصياع لرغباتهم، وتنفيذ مطالبهم العادلة، بالمساواة وتلبية حاجاتهم الأساسية في الماء والدواء، وحسن المعاملة، وقد يكون غريبا أن يضرب مرضى الدرن، وهم أحوج الناس إلى الطعام لمواجهة المرضى، ولكن الدهشة تزول حين ندرك أن المصحة، ليست مصحة، وأن المرضى الأصحاء بدنيا كما نراهم على الشاشة ليسوا مرضى، وأن تفاصيل الواقع التقليدي لا مكان لها، وسط عملية الترميز الكاملة التي ينتهجها الفيلم، وهو ما تؤكده فئات المتمردين الذين شكلوا تحالف قوى الشعب العاملة، الصحافي والفلاح والعامل، ومالك الأرض والجندي، بقيادة المثقف الذي ما يلبث أن يتخبط بين آثار طموحه القديم ونزعاته التطلعية وافتقاده لرؤية ثورية منهجية يدير بها المصحة بعد أن أعلن الاستيلاء عليها في انقلاب مباغت لم يكن هو أو جماهيره مهيئين له.
ويقف القائد عزيز وسط أركان حربه، مغلوب وتايب وأوش الله ورجب، غير قادر على التفكير، أو التصرف، لا يدري ماذا يفعل وقد باتت المصحة كلها بين يديه.
هنا يبدأ الجزء الثاني من الفيلم، الذي يدين فيه المخرج بوضوح أسلوب إدارة الحركة للمصحة وعجز قيادتها عن اتخاذ قرارات توخي مصالح شعبها، وترفع عن كاهله الظلم والقهر والعنت، بل ويدمغ هذه الإدارة، حين يجعلها تقدم على انتهاج أسلوب الإدارة القديمة، بتسول شفقة وعطف وإعانة إخلاص هانم، رغم الإدراك الكامل لفسادها، وفساد الطبقة التي تمثلها، ثم بتوقيع العقوبات القاسية على المخالفين، التي تصل إلى حد الجلد، ويأمر الممرضات بتنظيف العنابر، كالمدير السابق، تحسبا لزيارة الهانم.
يحول عزيز المصحة إلى ثكنة عسكرية، يقودها الجندي السابق أوش الله، الذي حرص المخرج على إظهار جهله وحماقته، سواء في أسلوب الأداء الذي يعتمد على الصراخ الأجوف، أو على إصدار الأوامر الخرقاء وبمقاومة الجنود المسلحين بالبنادق ، بوسائل بدائية محكوم عليها بالهزيمة، ونجح بدر نوفل في أداء شخصية أوش الله ممثلا العسكرية الجامدة، والجاهلة، التي تبرز سوء اختيار القيادة.
في النهاية نجد أن الفيلم الذي يحمل كل هذه الأفكار بدا عاجزا عن التواصل مع المتلقي، بسبب كثافة عملية الترميز التي كبلت البناء الدرامي والسينمائي، وعجزت أن تتجاوز الشخصيات الحاملة للأفكار، رمزيتها لتتلاقى مع الواقع خارج المصحة، وجاء تطور الشخصيات وتناميها مبتورا.
وبدا التخبط واضحا في بناء شخصية فايز الذي نجده فجأة وسط المتمردين بل ويستشهد أيضا، كما تبدو العلاقة الغريبة بين عزيز والممرضة سعاد وولعها به، وانقلابها على فايز، وسعيها نحو اكتساب ثقة عزيز وقلبه غير مبررة وغير ضرورية وإن نجح توفيق الدقن في تقديم صورة الصحافي رجب من خلال حيويته كممثل، وإن جاءت الشخصية ذاتها بلا جذور، مثل شخصية تايب حمدي أحمد. أما شخصية مغلوب الفلاح شفيق نور الدين فهي أكثر تماسكا من غيرها وهي تعبير عن حرص الفلاح المصري، وحذره الدائم من السلطة، وإحساسه المستمر بالانسحاق والضعف، وإصراره على تجنب الصدام، رغم فهمه العميق للواقع، وكشفه لعناصر الزيف في موقف القيادة الجديدة وإعلانه ضرورة الانحناء للعاصفة، وبحثه عن طريق للخلاص، بأقل قدر من الخسائر.
المتمردون من أكثر أفلام توفيق صالح على قلتها الذي بدت فيه محاولة لاستعراض عضلاته وقدراته الإخراجية، وفهمه الدقيق لجماليات الصورة السينمائية، وعلاقتها بشريط الصوت، والاستخدام الخلاق لعناصر التكوين لتعميق الدلالات، وتكثيف الرؤية، داخل إطار الصورة وخارجه، وربما انشغل توفيق صالح كثيرا في هذا الفيلم، بالقيم التشكيلية داخل الصورة، مستغلا طبيعة المكان بعمقها ووحشتها وامتداداتها اللانهائية، وشمسها اللافحة، مبرزا ذلك من خلال الديكور الرائع تصميما وتنفيذا والملائم تماما لفكرة المخرج عن المصحة المعتقل وأظهر هذا الديكور الموهبة المبكرة للفنان صلاح مرعي.
وساهمت كاميرا أحمد خورشيد، بحركتها الدقيقة المحسوبة، في إثراء الجانب التعبيري للتكوينات التي أسرف فيها المخرج قليلا، واستغلاله عمق المجال وتعدد المستويات داخل إطار الصورة، لإبراز البعد الواقعي للحدث، غير أنه لولا كثافة الرمز، وغياب الواقع لأصبح الفيلم واحدا من أخطر وأجرأ أعمال السينما المصرية وإن ظل برغم ذلك واحدا من أفضلها على المستويين الفني والفكري.