جميل أن تكون الدوائر الخدمية بتلك الأناقة المعمارية التي تبهرنا في كثير من مبانيها، وجميل أيضاً التي تتجلى في تأثيثها وحداثة أجهزتها ونظام الانتظار الذي يكفل العدالة في توزيع المراجعين بحسب الدور، والاختصاصات، وجميلة أيضاً تلك الحفاوة بالعبارات التي تملأ أرجاء القاعات عن سرعة الأداء، والتسهيلات، والسعادة، وخدمة المتعاملين، لكن الأجمل هو أن تجد ذلك على أرض الواقع مطبقاً يستفيد منه الجميع وفكراً راسخاً في أذهان الموظفين، وليس مجرد شعارات أو قطع ديكور.
مناسبة الحديث، هو ما تشاهده في بعض الدوائر الحكومية من أداء لا يتناسب مع فخامة المباني وتلك السمعة، من تقصير واضح لدى بعض الموظفين، ومزاجية لا تتناسب مع المهام الملقاة على عاتقهم، بل وشعور بالضجر من كثرة العمل يكاد يجعلك تتعاطف مع البعض منهم، وتأتي في يوم آخر علك تجد الأجواء مناسبة والمزاج قد طاله بعض التحسن كي تنجز معاملتك من دون تأخير، أو تذمر، أو شكوى من ضغط معاملات.
أما الأسوأ فهو انشغال الموظفين بهواتفهم، ومتابعتهم، رغم كثرة مراجعيهم، لكل رسالة واردة، أو إشعار قادم، يتفحصون فيه الجديد من المواد وينشغلون بالرد عليها، أو الانخراط في مكالمة هاتفية تستشعر منها ومن الحوار المسموع أنها هامشية كان يمكن تأجيلها حتى تسنح الفرصة، لكن يبدو أن هناك من الموظفين ما يبيح لنفسه كل ما يريد فتظهر ملامح نفسيته على طريقة تعامله مع المراجعين، وهو أمر خطر ينسف جميع الجهود التي بذلتها مؤسسته، وتبذلها، ويقدم صورة مغلوطة عنها بسبب هذا الإهمال البشري الذي يصعب أحياناً ضبطه، أو التبليغ عنه، أو حتى مراقبته من قبل جهة العمل، خاصة أننا تعودنا على التسامح واتخاذ الأعذار مقابل التقصير، وهو ما يسبب التمادي ليتحول الأمر إلى سلوك يومي لدى البعض.
في كثير من المؤسسات يتناقل الناس أسماء موظفين فيها يصفونهم بأجمل الأوصاف، ويشيدون بأدائهم، وتميزهم، قبل أن يفوزوا بجوائز أو شهادات تقدير، ويحتفظ المراجعون لهم بمكانة تقديرية كبيرة بعد أن ذاع صيتهم في جودة الأداء، وحسن التعامل، والخبرة الكبيرة في المعاملات والإجراءات المرتبطة بها، حتى أولئك الذين لا ينجزون معاملاتهم لسبب ما يخرجون بكل رضا وأريحية للعودة مجدداً لاستكمال النواقص، لذلك من المهم أن نحرص جميعاً، كموظفين، على أن نتحلى بإنسانيتنا، وأخلاقنا، ولمسة التعامل التي ترمي خلفها جميع همومنا عند تقديم الخدمات للجمهور، وهو الأمر الهام الذي يترك بصمة كبيرة للموظف شخصياً، وللدائرة، أو المؤسسة التي ينتمي إليها.
لا نريد أن يكون الإطار الذي يحدد العلاقة ممثلاً في القوانين والنظم فقط، بل أن ترادف ذلك اللمسة الإنسانية المتمثلة في حسن التعامل، ومراعاة ظروف البشر، فهي أفضل الطرق لتحقيق النجاح والتميز.
راشد محمد النعيمي