عقوبة مجتمعية

04:54 صباحا
قراءة دقيقتين
راشد محمد النعيمي
عقوبة الخدمة المجتمعية التي جرى تطبيقها مؤخراً، واستهدفت شباباً بغرض تقويم سلوكياتهم بدلاً من السجن، تعد نقلة نوعية تواكب التطور الذي نعيشه، ليس في مفردات الحياة من أبراج وطرق ومراكز تسوق، بل في المستوى الخاص بالوعي والإدراك والتعاطي مع أفراد هذا المجتمع، مواطنين كانوا أم مقيمين عليهم احترام بعضهم بعضاً وكذلك احترام القانون، وأعتقد أن الخدمة المجتمعية تعد مرحلة راقية في التعاطي، قد يكون مفعولها أقوى وأكثر تأثيراً من العقوبات الأخرى.
أرجو أن نفهم جميعاً أن تنظيف الشارع ليس عيباً أو إهانة لمن حكم عليهم القيام به، فهناك في مجتمعنا أفراد يقوم محور حياتهم على هذه المهنة، لكنه في الحقيقة جرس إنذار يصحيك من غفلتك ويجعلك تدرك حجم الخطأ الذي ارتكبته، بل ويمنحك فرصة التأمل والتفكير في كل تلك النعم التي تعيشها، ويمر عليك شريط يحمل صور جميع الأفراد الذين انتهكت راحتهم وخصوصيتهم وعرّضت حياتهم للخطر، ولكي تعلم أيضاً أنك وظّفت إمكاناتك التي تملكها في ما يضرك قبل غيرك، وهو الأمر المهم والخطوة الأولى للعلاج.
الخدمة المجتمعية تعني أن نظرتنا لكثير من التصرفات ليست في محلها، لأننا نعتقدها حرية شخصية، وهو اعتقاد خاطئ لأنها تمس الآخرين وتؤثر فيهم جميعاً، بل وقد تتسبب في إلحاق ضرر مباشر بهم، لأنها صارت علنية على الملأ قد يأتي من يقلدها ويتأثر بها، كما أنها تعطي مؤشراً عن المجتمع غير مستحب لا يليق بهذا البلد والجهود المبذولة، ليكون الأحدث والأرقى والمتصدر لكل التصنيفات الإيجابية.
أعتقد أن من نال شرف خدمة المجتمع، قد حظي بفرصة ذهبية بدلاً من السجن، لأن خدمة المجتمع ليست عقوبة، بل شرف يجب أن يتسابق الجميع من أجله.
نتمنى جميعاً أن تدخل خدمة المجتمع مجالات جديدة، ليست كعقوبة فقط بل كنشاط وسلوك يقوّم تصرفاتنا السلبية ويساعد على إدراك أكثر، ونضج لأولئك الذين يعتقدون أن المخالفة التي يرتكبونها ستزول بمجرد دفع غرامة مالية، وهو الأمر الذي يدفعهم لتكرارها لاحقاً.
هناك من يترك المهملات في الحدائق، أو يرمي أعقاب السجائر من نافذة سيارته على الطرقات النظيفة، هؤلاء يحتاجون إلى خدمة مجتمع يمارسون فيها دور عامل النظافة، ليعرفوا قيمة وخطورة ومدى ضرر إلقاء المخلفات في غير الأماكن المخصصة لها، وبالطرق غير الاعتيادية، وتلك المعادلة كفيلة بتصحيح الكثير من المفاهيم لو طبقت بشكل سليم، لأن الهدف الأساسي ليس الغرامة أو المخالفة، بل اجتثاث التصرفات السلبية من المجتمع لصالح أبنائه.

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"