في الوقت الذي نفد فيه مخزون الثقة على مستوى العالم خلال العام الماضي، كان المرء يستطيع أن يجدها وبوفرة أيضاً في أبوظبي، هذا ما قالته صحيفة فاينانشيال تايمز في ملحق خاص أفردته عن العاصمة التي استطاعت أن تقف صامدة في مواجهة تبعات أزمة مالية اهتزت مع قوتها اقتصادات كبرى، بل الاقتصادات الأكبر في العالم .
وقالت الصحيفة ان ثروة عائدات النفط المتراكمة والتي تقدر بمئات المليارات من الدولارات ساعدت الإمارة على مواصلة خططها الاقتصادية التوسعية على الرغم من الأزمة العالمية . واليوم ازدادت الثقة في قوة اقتصاد الإمارة مع تعافي أسعار النفط العالمية ومواصلتها استثماراتها وفي ظل التحسن العام للاقتصاد العالمي .
وبحسب الصحيفة يتفق خبراء الاقتصاد وكبار المصرفيين على أن اقتصاد أبوظبي بدأ يستعيد زخم النمو وبنفس قوته السابقة . ونقلت عن علاء عريقات الرئيس التنفيذي لبنك أبوظبي التجاري ثاني أكبر بنك في العاصمة قوله ان التباطؤ الذي واجه العالم كله كان له انعكاساته أيضاً على أبوظبي وهذا أمر لا يمكن إنكاره، لكن الوضع تبدل اليوم وبصورة فاقت حتى أكثر التوقعات تفاؤلاً .
وكانت العاصمة قد سجلت في العام الماضي نمواً يزيد على 33% في حجم إجمالي ناتجها المحلي الاسمي والذي وصل في 2008 الى حوالي 520 مليار درهم بفضل النمو القوي في عائدات الإمارة من النفط والاستثمارات .
ويتوقع الخبراء والمحللون أن يسجل اقتصاد الدولة التعافي ليحقق معدلات نمو قوية في العام المقبل بعد أن تباطأ النمو هذا العام نتيجة تبعات الأزمة العالمية .
وقالت الصحيفة ان إمارة أبوظبي تخطط لإنفاق أكثر من 300 مليار دولار على بناء الفنادق الضخمة والمتاحف وتحديث البنية التحتية وعلى مراكز الصناعة التي تعتمد على الطاقة، وغير ذلك من المشاريع التي أسهمت في حماية اقتصاد الإمارة من تبعات الأزمة . الجدير بالذكر ان قطاع الإنشاءات في العاصمة كان الأسرع نمواً خلال الفترة من عام 2005 وحتى عام ،2008 حيث بلغ متوسط نموه خلال الفترة حوالي 27،2% .
ويتوقع جيوس جوكيت كبير الاقتصاديين لدى بنك أبوظبي الوطني أن يواصل اقتصاد العاصمة الحقيقي النمو بمعدل جيد هذا العام .
ونقلت الصحيفة توقعات محللين وخبراء حول مستوى التضخم، الذي كان من العوامل المؤرقة خلال العامين الماضيين وليس على مستوى العاصمة فحسب بل بالنسبة للإمارات بشكل عام، قائلة ان العديد من الخبراء يميلون الى القول ان الدولة سوف تشهد هذا العام تراجعاً في الأسعار لا تضخم، الأمر الذي يجدونه إيجابياً بعد الضغوط التضخمية التي واصلت التنامي في العامين الماضيين .
وقالت الصحيفة ان مستوى الثقة العالمية في أبوظبي تحسن بشكل كبير على مدى الأشهر الأخيرة، الأمر الذي يعكسه التراجع الكبير في مستوى التأمين على ديون العاصمة الذي وصل اليوم الى أقل من 100 نقطة أساس .
الفولاذ والكيماويات تدعم الإيرادات النفطية
ربما يعرّف البعض أبوظبي بأنها الإمارة التي تخطط لبناء مدينة خالية من الكربون وافتتاح فرعين لمتحفي اللوفر وجوجنهايم، ولكن مصنع فولاذ عملاقاً على أطراف المدينة يمكن أن يكون مؤشراً أدق على مستقبل الإمارة بعد النفط .
وتقول صحيفة فاينانشيال تايمز اللندنية في ملحقها الخاص عن أبوظبي ان مصنع شركة الإمارات لصناعات الحديد ينتج مليوني طن سنوياً من منتجات الفولاذ تشمل القضبان والملفات والألواح .
وقد قطعت الشركة نصف الطريق في تنفيذ خطة توسعية ستزيد إنتاجها السنوي الى 3 ملايين طن، وتجري محادثات حالياً للاستحواذ على شركة أخرى لصناعات الحديد بقيمة 400 مليون درهم بحيث تتمكن الشركة من إنتاج 6 ملايين طن من الفولاذ سنوياً بحلول عام 2011 .
ويقول رئيس مجلس إدارة شركة الإمارات لصناعات الحديد، ومؤسسة أبوظبي للصناعات الأساسية، حسين النويس، إنهم يخططون على المدى الطويل لأن الركود الحالي لن يدوم إلى الأبد . وأضاف ان الاستثمار في الصناعة يهدف إلى الحصول على العوائد لاحقاً .
ويستخدم معظم الحديد المنتج حالياً داخل دولة الإمارات العربية المتحدة، ولكن أبوظبي تأمل في أن تصبح من المصدرين البارزين لمنتجات الحديد عندما تتراجع إيرادات النفط أو يفقد خام النفط قيمته .
وعلاوة على انتاج الحديد توجد لدى إمارة أبوظبي خطط طموحة لبناء صناعات المنيوم وبتروكيماويات ضخمة . وتعكف الإمارات للألمنيوم (إيمال) حالياً -وهي ائتلاف مشترك بين شركتي مبادلة من أبوظبي ودبي للألمنيوم من دبي- على بناء مصهر سيبدأ العمل في ديسمبر/كانون الأول بطاقة انتاج تصل إلى 700 ألف طن، علماً بأن خططاً قد وضعت لزيادة طاقة المصهر إلى 1،4 مليون طن .
ومن جهة أخرى، تبني أبوظبي الآن مدينة لصناعة الكيماويات وربما تستثمر 100 مليار دولار في مجال بناء صناعة الكيماويات حتى العام 2030 طبقاً لمجلة ميد .
ويقول الخبراء إن بناء أبوظبي مشاريع في مجال صناعات الحديد والألمنيوم والكيماويات يتطلب تكاليف باهظة ويستهلك وقتاً علاوة على المنافسة الحامية بين الدول المجاورة التي تركز على الاستثمار في المجال ذاته، ومن الشركات الغربية والآسيوية المتطورة تقنياً، بيد ان فاينانشيال تايمز تقول ان استراتيجية أبوظبي الصناعية تعتمد على وجود ثروة نفطية هائلة وزهيدة التكلفة، وتشير الصحيفة إلى أنه على الرغم من تمتع أبوظبي باحتياطيات نفطية ضخمة، إلا أن غالبية مصانعها ومولدات الكهرباء فيها تعمل بالغاز، وأن معظم غاز أبوظبي إما من النوع الحامض أو الذي يستخدم لانتاج النفط والغاز الطبيعي الثمين .
هذا وعلى الرغم من أن الصناعة التحويلية تمثل حوالي 10% من اقتصاد إمارة أبوظبي، إلا أن الإمارة تأمل تعزيز حصة هذا القطاع لتصبح 25% من الاقتصاد بحلول عام 2030 .
قطاع البناء والتشييد الأكثر تسارعاً في النمو
أوضح تقرير حديث لصحيفة فاينانشيال تايمز أن قطاع التشييد، والإنشاءات في ابوظبي يعتبر حالياً أحد أكثر القطاعات تسارعاً في النمو على مستوى اقتصاد الإمارة، في الوقت الذي تفكر السلطات المسؤولة بالإمارة في مضاعفة حجم المدينة، وعدد سكانها بواقع ثلاث مرات بحلول العام 2030 .
وأشار إلى قرب انجاز مشروع جزيرة ياس نهاية الشهر الحالي، والذي يتضمن حلبة الفورمولا واحد، وسبعة فنادق استعداداً لاستضافة سباق جائزة أبوظبي الكبرى، بينما ستحتضن جزيرة السعديات سلسلة من المتاحف التي صممها معماريون عالميون .
وتابع التقرير أن المخرج من معضلة الازدحام التي تعاني منها أبوظبي يكمن في مشاريع التطوير الضخمة التي تنتظم أراضي الإمارة، ومن بينها مشروع جزيرة الصوة المراد لها أن تصبح حي الأعمال الجديد لأبوظبي، في حين تعمل شركة التطوير المحلية صروح في تشييد جزيرة الريم . ويرى الكثيرون، على حد ما تمضي فاينانشيال تايمز، أن قلة المعروض من كافة أنواع العقارات بالإمارة، دفع الأسعار، والإيجارات إلى عنان السماء . كما انهم يعتقدون ان افتتاح المباني التجارية، والفنادق، والوحدات السكنية لن يكفي بشكل سريع .
لكنه أشار في المقابل إلى أن الأزمة الاقتصادية العالمية لم تؤثر على الطلب في أبوظبي وحسب، وإنما أدى الغموض المصاحب لها إلى ابطاء مبيعات العقارات، والتأثير بشكل ملحوظ على خطط البيع . ونقل عن شيت ريلي المحلل لدى نامورا في دبي قوله في بيان صدر هذا الشهر أن نسبة العقارات الخالية في إمارة أبوظبي تبلغ 5 في المائة، وأن نحو 15 وحدة سكنية جديدة سوف تدخل السوق بحلول العام 2011 .
ومن ناحيته، يوافق علاء عريقات الرئيس التنفيذي لبنك أبوظبي التجاري أن الأسعار انخفضت، ولكن لا يزال هناك طلب على الايجارات . ويؤكد أن هناك تحولاً باتجاه جودة المباني في الوقت الراهن، بمعنى أن المستأجر بدأ ينتقي الوحدات السكنية التي تتوافر فيها مزايا أفضل، مثل مواقف السيارات، والموقع الجيد، بالإضافة إلى المساحة الأكبر .
أبوظبي أكبر المستفيدين من الأزمة العالمية
أشارت صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية إلى تأكيدات المسؤولين في أبوظبي على أن منافسات فورمولا1 تأتي تزامنا مع طموحات الإمارة في أن تتحول من مجرد الاعتماد على النفط إلى مدينة عالمية تركز على التنويع الاقتصادي . وقالت الصحيفة إن المسابقة سوف تضع الإمارة مجددا على خارطة الفعاليات العالمية في الوقت الذي تشرف أبوظبي على مرحلة جديدة من التطوير الشامل بحلول عام 2030 عبر تنفيذ سلسلة من المشروعات الكبيرة بمليارات الدولارات في مجالات الطاقة والسياحة والثقافة والتكنولوجيا .
وأوضحت فاينانشال تايمز أنه من المؤكد أن أبوظبي تمتلك المؤهلات المادية للمضي قدما في توسعاتها بمشروعات البنية التحتية واستقطاب الخبرات الأجنبية والعلامات التجارية المشهورة، وهو الأمر الذي تجلى في وجود متحفي جوجنهايم واللوفر علاوة على صفقات الشراكة مع جنرال إليكتريك وإي إيه دي إس ورولز رويس .
وفي الوقت الذي تلقي الأزمة المالية بظلالها على اقتصادات العالم أشار المسؤولون في الإمارة إلى أن هناك أولويات في تنفيذ المشروعات والتدابير فيما يتعلق بترشيد النفقات . فقد أشارت الصحيفة إلى تأكيد المسؤولين بالإمارة على مواصلة مشروع جزيرة السعديات والذي تتكلف قيمته نحو 30 مليار دولار حيث سيضم مشروعات بقيمة تصل إلى 40 مليار دولار .
وقال خلدون المبارك رئيس جهاز الشؤون التنفيذية في أبوظبي للصحيفة: لدينا سيولة وفيرة . ولا شك أن الأزمة الحالية فرصة للجميع في أن نكون واقعيين . وأضاف: رغم الأزمة فلا زلنا نواصل مشروعات التطوير العقاري بنفس الطموح والتفاؤل . فلم يكن أحد يتوقع هذه الأزمة، ولكن على أية حال كان يمكن أن تتخذ منعطفات أكثر قسوة مما هي عليه الآن . فما حدث هو أن المطورين العقاريين التزموا الواقعية في خططهم .
وقالت الصحيفة أنه في الوقت الذي يئن قطاع الانشاءات بالمنطقة جراء توقف المشروعات بسبب الأزمة المالية العالمية، إلا أن الوضع على العكس تماما في أبوظبي حيث يتواصل النشاط على مدار الساعة .
كما هيأت الأزمة العالمية للمستثمرين من أبوظبي فرصا ذهبية لتنويع استثماراتهم من خلال استحواذ حصص في شركات عالمية مثل فيرجين جالاكتيك ودايملر كرايسلر وشركة أشباه الموصلات السنغافورية .
استثمارات الطاقة أبرز وسائل التنويع الاقتصادي
قالت فاينانشال تايمز إن قطاع الطاقة يشكل عصب النشاط الاقتصادي لأبوظبي حيث تمتلك الإمارة نحو 95% من موارد النفط في الإمارات وبما يعادل 5 .8% من الاحتياطي العالمي . ويتوقع الخبراء أن تواصل أبوظبي ضخ النفط إلى العالم على مدار 100 عام قادمة خاصة وأنها تعكف على مواصلة توسعاتها في المشروعات النفطية ورفع الطاقة الانتاجية الحالية من 9 .2 إلى 7 .3 مليون برميل يوميا بحلول العام 2017 .
وفي الوقت الذي تشير التوقعات بمستقبل مشرق للنفط في ظل ارتفاع الأسعار تواصل أبوظبي تطوير مواردها من الغاز الطبيعي مع ازدياد الطلب المحلي بنحو 9% . ويكمن التحدي بمشروعات الغاز في اختلاطه بالنفط ما يعني اعتماده على كمية النفط المستخرج . في الوقت نفسه يتم استخدام كمية كبيرة من الغاز المستخرج لإعادة حقنه في مكامن النفط من أجل الحفاظ على الضغط في الحقول وتسهيل عملية الاستخراج . أما كميات الغاز غير المصاحب للنفط فتحتوي على نسب كبيرة من كبريتات الهيدروجين ما يعني ارتفاع تكلفتها علاوة على الصعوبات الفنية في استخراجها .
وقالت الصحيفة إن أبوظبي تواصل جهودا حثيثة لجني أكبر قدر من العوائد بقطاع النفط والغاز بادرت بتبني عدد من البرامج التطويرية، أهمها الاستكشافات الجديدة وانشاء خطوط أنابيب حيث ستسهم في رفع الطاقة الانتاجية للغاز إلى 700 مليون متر مكعب يتم ضخها إلى مشروع حقل شاه والذي سيساعد على التوسع بمشروعات الغاز الحامضي بمناطق أخرى .
وأوضحت فاينانشال تايمز أن طموحات أبوظبي لم تتوقف عند هذا الحد مشيرة إلى مبادرة مصدر كأكبر مدينة خضراء تعمل بالطاقة الشمسية في العالم . من ناحية أخرى تسعى أبوظبي لتطوير قدراتها في الطاقة النووية السلمية بحلول 2017 من خلال إبرام اتفاقية تعاون نووي ستقوم بموجبها الإمارات بإنشاء أول محطة نووية بطاقة انتاجية تصل إلى 5500 ميجاوات من الكهرباء في 2020 .