عادي

طريقٌ إلى الهند

05:05 صباحا
قراءة 4 دقائق
حبيب الصايغ

كان السفر يعني لآبائنا وأجدادنا، في العصور البعيدة نسبياً، شد الرحال إلى الأراضي المقدسة في الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية، مكة المكرمة والمدينة المنورة، شرفّهُما الله، أو الهند، وبالتحديد مدينة بومباي، التي عادت أخيراً إلى اسمها القديم «مومباي». بومباي أو «بمبي» في لغة أجدادنا تعني مباشرة العلاج والتجارة والسياحة وراحة البال، وتعني أيضاً مصاهرة الإماراتيين للهنود منذ عقود وعقود، فكانت «بمبي» دائماً نقطة الارتكاز والانطلاق إلى مدن أثيرة وأميرة في الذاكرة الإماراتية، كبنجلور وحيدر آباد، وعبر التقارب مع الأخيرة خصوصاً التي كانت، إلى جانب «بمبي»، مركزاً ثقافياً هندياً وعربياً إسلامياً، تمت هجرات متبادلة معروفة عبر تاريخ العلاقة.

كأنما الهند الشرق والشمس وشلال البهارات المتدفق أبداً من أقاصي الروح إلى أقاصي الروح. كأنما هي جسر لا ينقطع إلّا ليتصل من جديد مع النوافذ الأولى المعلقة منذ ألف عام في رأس الحكاية. كأنما الهند نهر حنان وأدمن هواية التسكع في الفراغ المزدحم بين أقاليم الانتظار. كأنما الهند حقيقة من خيال، وخيال من حقيقة. كأنما الهند كتابة طوفان وظل ينأى وينأى إلى أن تجسد، وكأنه التفاتة طلل في فضاء المعلقات. كأنما الهند شمال وأمسكه الجنوب من قدمه حتى لا يسافر أبعد أو يطير أو يتبخر.
وعندما يتذكر الواحد منا، نحن الإماراتيين، الهند، فإنما نتذكر بعض تاريخنا المكتوب في الصحراء برمل الصحراء، وفي البحر بتأتأة أمواجه الصغيرة، قبل أن تتدرب على الكلام: هل الهند إلّا الحوار المبهر منذ عهد الغوص بين ذهب الأعراس الممكنة والمستحيلة، ولآلئ الخليج خصوصاً تلك الدانة الكبيرة المستديرة التي ظلت حتى صباح الغد، الغد الذي لم يأتِ ولن يأتي ولا يأتي، حلم أميرة هندية لها عينا مهاة وجيد غزالة؟ ليست الهند بالنسبة إلينا، نحن أهل الإمارات، إلّا الجهة الوحيدة التي وجدناها في رسائل أجدادنا إلى حبيباتهم البعيدات.
وجدناها أو عثرنا عليها لا فرق، ثم تمسكنا بها أو حاولنا، لعلنا نحتفظ ببعض رائحة الماضي، وكل رائحة المستقبل.
ولمتابع نتائج الزيارة التاريخية لرئيس الوزراء الهندي لدولة الإمارات أن يتنفس معنى تكدس الأمل على أرصفة الشوارع المؤدية إلى مفرق الطرق: الضوء بدأ يقترب ويرسم مهرجان اللقاء. الماضي يصافح المستقبل بيد الروح. سالم بن علي العويس وسلطان بن علي العويس يكتبان قصيدة مشتركة في الهند، قصيدة حب، ويستحضران أياماً من التحليق عالياً وعميقاً في تجارة الهند وثقافة الهند، وكتباً من حيدر آباد، وعناوين منحوتة على شكل الشوق من «بمبي»، وأعداداً من مجلة «الرسالة» المصرية لصاحبها أحمد حسن الزيات كانت تصل إلى أهلنا الإماراتيين زائري الهند، شبه المقيمين فيها، إلى بيوتهم المكتنزة بألق من «بمبي»، يفيض فلا تعود تسعه حتى الشرفات العالية.
كان ذلك يحدث في ثلاثينات وأربعينات وخمسينات القرن الماضي، وفي مطلع القرن العشرين نفسه كان شاعر الهند الكبير، وحامل أسرارها ومفاتيح أحاجيها، طاغور، يقوم بزيارة إلى دبي لا يمكن لتاريخ الذوق أن يهملها أو ينساها، وهل لتاريخ حضارة الإنسان أن يتجاوز تلك اللحظة المبهرة الطويلة الممتدة من يوم ميلادها إلى أعياد ميلاد أحفادنا الواقفين على أهبة الوجد والوهج جيلاً بعد جيل؟
وكما كتب شعراء الإمارات الآباء قصائدهم ورسائل شوقهم في الهند، فقد كتب هنود مقيمون في الإمارات، ضمن الجالية الهندية الكريمة بكل أطيافها، عبر العقود والسنين، قصائدهم وقصصهم ورواياتهم على أرض الإمارات، وبُذلت جهود شخصية من قبل شعراء وكتاب ونقاد إماراتيين وعرب نحو ترجمة بعضها، وتقديمه إلى القارئ العربي، وفي طليعة من التفت إلى ذلك وبذل جهداً مقدراً في سبيله، الشاعر والمترجم الإماراتي الكبير الدكتور شهاب غانم، والشاعر والكاتب الصحفي اللبناني الذي أقام في الإمارات حيناً من الدهر، أحمد فرحات، ولا ريب في أن هذا العنوان أحوج ما يكون إلى عمل مؤسسي، فما كتبه الهنود بين أرض وسماء الإمارات يعبر أيضاً عن إلهام الكائنات الطالعة، وكأنها أوابد الدهشة بين أرض الإمارات وسمائها.
ماذا بعد؟
بل ماذا قبل؟
الشاعر الإماراتي خالد الراشد اختار أن «يهاجر» إلى الهند ليقيم بين أشجار التفاح في جبال الهملايا العالية، وشباب الإبداع الذي يؤسس على الدوام علاقة الثقافتين الإماراتية الهندية أقبل، يقبل، وها هي، على سبيل المثال، الدكتورة مريم الشناصي رئيسة مجلس إدارة جمعية الناشرين الإماراتيين، تحمل حقيبة كتبها على ظهرها، وفيها أنواع من إنتاج مبدعي الإمارات، وتسافر، غير مرة، إلى الهند، وتلتقي مبدعي الهند ونقادها وأساتذة جامعاتها، وتحاضر هناك عن أدب الإمارات، أو تنظم ندوات لنقاد هنود عن أهل الشعر والسرد في بلادنا.
والمطلوب، إلى ذلك، مرة ثانية وثالثة وعاشرة، جهد مؤسسي من الطرفين، خصوصاً بعد زيارة رئيس الوزراء الهندي ولقائه قيادة الإمارات، ما عُدّ منعطفاً حقيقياً في علاقة تتطلع إلى أجمل الاحتمالات، وطبيعي أن الثقافة حاضرة هنا، بكل ثقة وقوة، إلى جانب السياسة والاقتصاد، فلا الاقتصادي يثمر كما يُراد له، ولا السياسي، في غياب الثقافي.
كما كان الثقافي حاضراً منذ فجر العلاقة فإنه لن يغيب أبداً، فاستعدي يا وزارات يا دوائر يا مراكز ثقافية يا مراكز اجتماعية إماراتية وهندية يا جمعيات يا جامعات يا مدناً يا ضفافاً يا أجنحة يا أمنيات يا آفاقاً.
ونعم.. أسد البحر أحمد بن ماجد الإماراتي الصميم من جلفار ورأس الخيمة، كما اكتشف الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، لم يدل فاسكو ديجاما على طريق الهند، لكنه قطعاً ركب شراعه الأزرق، واصلاً أغاني البحر القديمة بأبد الحنين، فبين الإمارات والهند سفن وصلت، وسفن لم تصل، وغرقى، وواصلون، وشغف محيط، وبحر محيط، وبحر عميق عميق.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"