الإمارات التي تعيش التسامح واقعاً يومياً، تطمح لأن يصبح التسامح ثقافة عالمية؛ لكي تنتهي الخلافات والحروب بين البشر.
من ضرورات المنطق أن تقدم العالم في عالم المادة، وإبداعه في العلوم التجريبية، وما لها من أثر ملموس في رفاهية الإنسان وتقدمه، أن هذا التقدم يُؤتي ثماره في مجال الأخوة الإنسانية. لأن الغاية من وجود الإنسان في أسمى أهدافها يتمثل في الحفاظ على الجنس البشري وتفوقه وتميزه باعتباره سيداً مُتوّجاً في هذا الكون؛ فالإنسان بما يمتلك من ملكات ومواهب مدعومة بالنواميس الكونية المسخّرة قادر على تقديم النموذج الأمثل للرقي الأسمى متجسداً في قدرته على التآخي والمودة مع أخيه الإنسان.
من هذه الرؤية العميقة، والغاية السامية تأصلت ثقافة التسامح في وجدان أبناء دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي ثقافة تعيشها دولة الإمارات كل لحظة منذ نشأتها على يد المؤسس المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وعلى الرغم من وجود جنسيات كثيرة تعيش على هذه الأرض الطيبة، لم تشهد أرض الإمارات أي حادث ذي صلة بالعرق أو الدين؛ بل الجميع يعيشون في ظل قوانين تحميهم وأنظمة ترعاهم وتحفظ حقوقهم، ما يجعل الإمارات مثالاً عالمياً للتأخي والتواد الإنساني المنقطع النظير.
وتعمل القيادة الحكيمة على ترسيخ قيمة التسامح في المجتمع الإماراتي، وجعلها نهجاً ثابتاً لا محيد عنها. ولهذا قررت القيادة الرشيدة جعل عام 2019 عاماً للتسامح في دولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك بهدف إبراز الدولة كعاصمة عالمية للتسامح، وتأكيد قيمة التسامح، وتعزيز دور العمل المؤسسي المستدام من أجل تعميق الحوار وتقبل الآخر، والانفتاح على كافة الثقافات المختلفة من حول العالم. وفي نفس العام، استضافت الدولة المؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية الذي ينظمه مجلس حكماء المسلمين، بهدف تفعيل الحوار حول التعايش والتآخي بين البشر وسبل تعزيزه عالمياً. وتزامن انعقاد المؤتمر مع الزيارة المشتركة للإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، وقداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية إلى دولة الإمارات، والتي أفضت إلى توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية، بهدف تفعيل الحوار حول التعايش والتآخي بين البشر وسبل تعزيزه عالمياً، والتصدي للتطرف الفكري وسلبياته.
مما لا شك فيه أن الاختلاف، منذ الأزل، طبيعة كونية في الكائنات والجمادات، فنحن نرى الاختلاف في كل شيء من حولنا، ولولا وجود الاختلاف لفسدت الحياة، وتوقفت الديمومة.
إن التواصل الثقافي والفكري له جذور بين شعوب العالم منذ أقدم العصور، فقد سعى الاسكندر الكبير إلى بناء دولة عالمية متعددة الشعوب والثقافات، ومن هذه الفكرة ظهر مفهوم «الهلنستية» الذي ساد في منطقة الشرق الأوسط لقرون عدة، ويمثّل التبادل والحوار بين الحضارات والثقافات والشعوب على قاعدة التفاهم المتبادل، شرطاً مسبقاً أساسياً لتحقيق التماسك الاجتماعي والمصالحة بين الشعوب والسلام بين الأمم. ويشكّل هذا العمل جزءاً من الإطار العام لتحالف الحضارات الذي أطلقته الأمم المتحدة. ولا شك أن استضافة دولة الإمارات لمؤتمر الأخوة الإنسانية كان في إطار الجهود الدولية المبذولة من أجل الوصول إلى مجتمع عالمي موحّد ومتماسك في وجه مختلف المحن والأزمات. وتوافق ذلك مع مناسبة مرور عام على توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية في العاصمة أبوظبي. ومنذ أيام قليلة أشاد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، باستجابة بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر لدعوة اللجنة العليا للأخوة الإنسانية للصلاة والدعاء من أجل الإنسانية. وقال سموه: «دعواتنا والملايين حول العالم إلى الله تعالى لا تتوقف لرفع وباء كورونا، وعندما تتوحد بدعوة من لجنة الأخوة الإنسانية في 14 مايو، فإنها تجسد لحظة تضامن إنساني تتلاشى فيها الاختلافات في ظل تحد لا يستثني أحداً، مهما كان جهدنا واجتهادنا فإننا في حاجة إلى توفيق الله ورحمته ليزيل هذا الوباء».
إن الإمارات التي تعيش التسامح واقعاً يومياً على أرضها، تطمح لأن يصبح التسامح ثقافة عالمية؛ لكي تنتهي الخلافات والحروب بين البشر، ويتجه الجميع إلى الغاية الحقيقية من وجودهم؛ ألا وهي: إعمار الدنيا بالعمل الصالح النافع.