عندما أكدت المدعية العامة لمحكمة العدل الدولية، فاتو بنسودا، في ديسمبر / كانون الأول الماضي، أن لدى المحكمة أدلة كافية لمتابعة التحقيق في جرائم الحرب في فلسطين المحتلة، ردت الحكومة «الإسرائيلية» بالخطاب المعتاد، متهمة المجتمع الدولي بالتحيز والإصرار على حق «إسرائيل» في الدفاع عن نفسها.
تحت التفسيرات والخطاب «الإسرائيلي» النموذجي، عرفت الحكومة «الإسرائيلية» جيداً أن تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في جرائم الحرب في فلسطين قد يكون مكلفاً للغاية. فالتحقيق، في حد ذاته، يمثل اتهاماً من نوع ما. وإذا تم توجيه اتهام لأفراد «إسرائيليين» بارتكاب جرائم حرب، فهذه قصة مختلفة، حيث سيصبح من الواجب القانوني لأعضاء المحكمة الجنائية الدولية القبض على المجرمين وتسليمهم إلى المحكمة.
إن تقرير نيسان (إبريل)، على وجه الخصوص، كان إشارة تحذير لتل أبيب للاستيقاظ. فبين القرار الأوّلي في كانون الأول (ديسمبر) وحتى نشر التقرير الأخير، ضغطت «إسرائيل» على العديد من الجبهات، وحشدت مساعدة أعضاء المحكمة الجنائية الدولية وضمت أكبر المحسنين، واشنطن - التي ليست عضوًا في المحكمة الجنائية الدولية - للتنمر على المحكمة حتى تتمكن من عكس قرارها.
وفي 15 مايو(أيار)، حذر وزير الخارجية الأمريكية، مايك بومبيو، المحكمة الجنائية الدولية من متابعة التحقيق، مستهدفاً بنسودة، على وجه الخصوص، لقرارها بمساءلة مجرمي الحرب في فلسطين.
وفي 11 يونيو(حزيران) فرضت الولايات المتحدة عقوبات غير مسبوقة على المحكمة الجنائية الدولية، حيث أصدر الرئيس دونالد ترامب «أمراً تنفيذياً» يجيز تجميد الأصول وحظر السفر ضد مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية وعائلاتهم. كما يسمح الأمر بمعاقبة الأفراد أو الكيانات الأخرى التي تساعد المحكمة الجنائية الدولية في التحقيق.
إن قرار واشنطن بتنفيذ إجراءات عقابية ضد المحكمة التي أنشئت لغرض وحيد هو محاسبة مجرمي الحرب هو قرار شائن ومقيت.
وبعد فشلها في وقف الإجراءات القانونية للمحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بتحقيقها في جرائم الحرب، بدأت «إسرائيل» في الاستعداد للأسوأ. ففي 15 يوليو (تموز)، ذكرت صحيفة «هاآرتس» اليومية، «قائمة سرية» وضعتها الحكومة «الإسرائيلية». وتضم القائمة أسماء «ما بين 200 و 300 مسؤول» من سياسيين وضباط عسكريين واستخباراتيين، والكل معرض للاعتقال في الخارج، إذا فتحت المحكمة الجنائية الدولية رسمياً التحقيق في جرائم الحرب.
وتبدأ الأسماء برأس الهرم السياسي «الإسرائيلي»، ومن بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وشريكه الحالي في التحالف، بيني جانتس.
إن العدد الكبير للمسؤولين «الإسرائيليين» المدرجين في القائمة هو مؤشر على أهمية نطاق تحقيق المحكمة الجنائية الدولية، وبطريقة ما، هو اتهام ذاتي، لأن الأسماء تشمل وزراء الحرب السابقين - موشيه يعالون، أفيجدور ليبرمان ونفتالي بينيت ؛ ورؤساء الأركان الحاليين والسابقين - أفيف كوخافي وبيني جانتس وجادي أيزنكوت ورؤساء المخابرات الداخلية الحاليين والسابقين، شين بيت - نداف أرغمان ويورام كوهين.
لكن القائمة أكثر شمولاً، لأنها تغطي «أشخاصاً يشغلون مناصب متواضعة، بما في ذلك الضباط العسكريين ذوي الرتب الدنيا، وربما حتى المسؤولين المشاركين في إصدار أنواع مختلفة من التصاريح للمستوطنات والبؤر الاستيطانية».
وبالتالي، فإن «إسرائيل» تقدر تماماً حقيقة أن المجتمع الدولي لا يزال يصر على أن بناء المستعمرات غير القانونية في فلسطين المحتلة، والتطهير العرقي للفلسطينيين، ونقل المواطنين «الإسرائيليين» إلى الأراضي المحتلة، كلها أمور غير مقبولة بموجب القانون الدولي وهي بمثابة جرائم حرب.
وبينما لا يزال العالم بأسره، وخاصة الفلسطينيين والعرب وحلفائهم، ينتظرون بفارغ الصبر القرار النهائي للدائرة التمهيدية، فإن وجود «قائمة سرية» هو مؤشر على أن تل أبيب تدرك أن هذه الحقبة مختلفة وأن القانون الدولي، الذي خذل الفلسطينيين لأكثر من 70 عاماً، قد يقدم، ولو مرة واحدة، قدراً من العدل.
* كاتب أمريكي فلسطيني (موقع كاونتر بانش)