تأثيرات الماوية في الصين

مفاهيم سياسية بين التطبيق والنظرية
03:52 صباحا
قراءة 9 دقائق

عن المؤلف

تأليف وتحرير: كريستيان سوراس، إيفان فرانشيسكيني، ونيكولاس لوبري
عرض وترجمة: نضال إبراهيم


بعد 70 سنة من الثورة الصينية التي اندلعت في عام 1949.. ما الذي تبقى من إرث ماو؟ ينظر الكتاب في المفاهيم النقدية حول الإرث الماوي الذي ظهر كمشروع ثوري، ويضم مقالات لأكثر من خمسين باحثاً عالمياً في الشؤون الصينية، يناقشون كيفية استمرار حقبة ماو في تشكيل السياسة الصينية اليوم.
يحتوي هذا الكتاب الصادر باللغة الإنجليزية عن دار «فيرسو» للنشر في 416 صفحة من القطع المتوسط، 25 يونيو/حزيران، 2019، على تنوع في الآراء، ويعد مرجعاً للساعين إلى فهم السياسة الصينية المعاصرة والمجتمع. يناقش كل فصل فيه مفهوماً أو ممارسة من فترة ماو، وما الذي حاول القيام به، وماذا حدث منذ ذلك الحين. يتناول المؤلفون إرث الماوية من وجهات نظر عدة؛ للنظر في الدروس التي يمكن أن تقدمها الشيوعية الصينية اليوم، وما إذا كان هناك من مستقبل لسياسات المساواة التي وعدت بها ذات يوم.
عند مناقشة مفاهيم وممارسات فترة ماو، يتتبع كل فصل أيضاً، كيف تطورت إلى عقليات وتقنيات الحكم الحالية. بروح الماوية كنظرية موجهة نحو الممارسة، تم إعادة تجميع مكوناتها، وتحديثها؛ لتلائم الظروف والاحتياجات الحالية. ففي عام 2017، تحدثت وسائل الإعلام الحكومية الصينية عن «العصر الجديد» (شين شيداي) للرئيس شي جين بينج. وفي محاولة شي لإعادة تأسيس شرعية الحزب في شكل أيديولوجية ما بعد الثورة التي تجمع بين التقاليد الكونفوشيوسية والفخر الحضاري والقيم الأساسية الاشتراكية؛ شهدت لغة الحزب الشيوعي الصيني تغيراً كبيراً. ومع ذلك، هناك طرق مميزة يظل فيها حكم الحزب حتى اليوم مسترشداً بأساليب التواصل والحكم التي تطورت في عهد ماو. يسهم كل فصل في تقديم مفتاح تفسيري لكيفية تحول الصين إلى ما هي عليه اليوم.
يقول المؤلفون: «ها نحن في القرن الحادي والعشرين، بين حطام سفن الرحلات الخيالية، مع خرائط باهتة لأماكن لم تعد موجودة. تبدو الصين الماوية وكأنها مكان من هذا القبيل، بأحلامها وتطلعاتها وأهوالها، تم محوها في ظل معجزة التطور الرأسمالي المتلألئة؛ لكن الصين المعاصرة هي أيضاً مكان لاستغلال العمالة التي تنتج سلعاً رخيصة للأسواق العالمية، بما في ذلك السلع الإلكترونية التي أصبحت أطرافاً صناعية للحياة الحديثة؛ لكن لطالما انحدرت لغة الشيوعية والصراع الطبقي إلى الماضي». ويضيفون: «عندما تكتسب المناقشات حول التفاوتات المذهلة في الثروة والفساد والعواقب السلبية الأخرى لرأسمالية ما بعد الماوية زخماً، فإنها تخضع للرقابة. علاوة على ذلك، فإن قراءة ماركس، ومناقشة إرث الماوية في الصين أمر غير مسموح به خارج القنوات الرسمية المقيدة للغاية، فقد أدى مؤخراً إلى قمع ومضايقة الطلاب الذين اعتنقوا الماوية بحذافيرها».
يحمي الحزب الشيوعي الصيني بعناية إرثه ومفردات الشرعية. ومقابل ما يسمّيّه «العدمية التاريخية»، وهذا يعني التداول المارق للمفاهيم مع القدرة على إلهام وتحريض طرق جديدة للوجود في العالم، فإنه يقدّم قصة انتصار الصين في ظل حكم الحزب الشيوعي الصيني. يوضّح هذا الكتاب بأن هناك الكثير الذي يمكننا تعلمه من خلال إعادة النظر في الموروثات المعقدة والمتنازع عليها للشيوعية الصينية.
يرى المؤلفون أن التجسيد العقائدي للشيوعية الصينية في الصين، وتشويهها لسمعة الحرب الباردة في الديمقراطيات الليبرالية، يجعل هذا التنقيب النقدي أكثر ضرورة. يشيرون إلى الشيوعية الصينية في عنوان العمل، وليس إلى الماوية؛ رغبة منهم في الاعتراف بأن الأفكار التحررية في الفكر الصيني كانت دائماً حصيلة إنتاج جماعي. هذه الأفكار هي نتيجة مناقشات نشطة لا حصر لها؛ حدثت في أوقات وأماكن مختلفة في الصين، عبر القرن العشرين وما بعده. وبسبب التأثير الهائل الذي مارسه ماو على الفكر والخطاب السياسيين في الصين الحديثة تحديداً؛ توجب عليهم تذكير أنفسهم أكثر بعدم حصر أفكار وتطلعات ووعود الشيوعية الصينية على فرد أو وقت. ويعلق المؤلفون: «في هذا العمل، تتجاوز الماوية ماو نفسه، وتشير إلى طرق جديدة للتفكير والتحدث وممارسة السياسة التي تضمنت مشاركة مئات الملايين من الناس. وكما هو معروف، لم يؤلف ماو جميع النصوص الموقعة باسمه. كانت الماوية هي الشكل الذي اتخذته الشيوعية الصينية لبعض الوقت، من دون أن يتطابق الاثنان تماماً».


«القرن الثوري» الصيني


يتعامل هذا الكتاب مع فكرة الشيوعية كما تم تخيلها، وترويجها، وممارستها خلال «القرن الثوري» الصيني، الذي يشمل عقوداً من 1910 (بلغت ذروتها في حركة الرابع من مايو/أيار عام 1919 وأدت إلى إنشاء الحزب الشيوعي الصيني في عام 1921) حتى بداية حقبة الإصلاح والانفتاح التي تم الإعلان عنها في ديسمبر/كانون الأول 1978. والفترة من 1949 إلى 1976، التي قاد خلالها ماو تسي تونج الجمهورية الشعبية، هي محور تركيز هذا الكتاب.
عندما سيطر الحزب الشيوعي الصيني على الدولة في عام 1949، كان لدى الصين مجتمع زراعي في الأغلب يفتقر إلى الصناعة المتقدمة. تفاقم العنف السياسي في الفترة الجمهورية؛ بسبب احتلال اليابان للبلاد من عام 1937 إلى عام 1945، وما أعقب ذلك من حرب أهلية، انتهت بهزيمة الحزب القومي في عام 1949. في خمسينات القرن الماضي، كانت الصين تعتمد على الشيوعية البيروقراطية السوفيتية؛ حيث كافحت الجمهورية الشعبية الوليدة من أجل التطور اقتصادياً في البيئة المعادية للحرب الباردة. يمكن فهم ما أصبح يعرف باسم الماوية على أنها مفردات مفاهيمية وطريقة للتفكير حول فكرة الشيوعية ووضعها قيد التنفيذ في الظروف التي ورثها الحزب الشيوعي وأبحر بها خلال هذه الفترة الزمنية. استجابةً لسياقها، لم تكن الماوية عقيدة مجردة؛ بل هي جسم حي من «الفكر» يتطلب نشر النظرية في الممارسة، وإعادة صياغة النظرية؛ بناءً على الدروس الناتجة عن الممارسة. في محاولتها ترجمة العقيدة الماركسية وتكييفها مع السياقات الصينية المتغيرة بسرعة، ابتكرت الماوية طرقاً جديدة للتفكير وممارسة السياسة.


- لكونها سياسية - انتشرت خارج حدود الصين.


يقول المؤلفون: لم يتوقف الناس عن محاولة الاستعانة بخطاب ماو لقضيتهم الخاصة، أي الاستشهاد به، وتفسير كلامه واستحضاره بشكل انتقائي. ربما يكون المثال الأكثر وضوحاً لقراءة انتقائية للماوية هو الاستنتاج التاريخي للرئيس الصيني الأسبق دينغ شياو بينغ (بين عامي 1978 و1992) بأن ماو كان صحيحاً بنسبة 70 في المئة، وخاطئاً بنسبة 30 في المئة (وهو حكم يعكس تقييم ماو لستالين). في العصر الجديد الذي بشّر به دينغ بعد عام 1978، لم يكن الحزب قادراً على التوفيق بين الصورة المتشعبة لماو التي تضمنها هذا الانقسام 70 مقابل 30. من ناحية أخرى، كان يجب تبجيل ماو باعتباره الأب المؤسس للجمهورية الشعبية؛ لذلك فقد تمت صيانة جثته المحنطة بعناية، وعرضها في ضريح في ميدان تيانانمين، ما يدل على أهميته للحزب ما بعد الماوية. في الواقع، يتم تذكير الناس يومياً بماو؛ حيث تظهر صورته الآن على الأوراق النقدية الصينية (وقد تم ذلك منذ عام 1999). من ناحية أخرى، سمح قادة الحزب ما بعد الماوية في أواخر السبعينات وطوال الثمانينات أيضاً ببعض المساحة العامة؛ لإجراء مناقشات نقدية حول الثورة الثقافية.
ويضيفون: أثبت الحزب الشيوعي أنه غير قادر على احتكار كيفية تذكر ماو، بينما يواصل قيادة أرواح لا تعد ولا تحصى في الصين وخارجها. كصورة مبدعة، أصبح ماو رمزاً متناقضاً. بالنسبة للمعجبين به، فهو يمثل صورة التحرر الجماعي، بينما يمثل بالنسبة لمنتقديه سبباً في حدوث حالات وفاة جماعية. أصبح ماو أيضاً رمزاً للثقافة الشعبية، وقد ظهر بألوان زاهية على الشاشات، وحتى كوشم على عضلة ذراع الملاكم مايك تايسون. يحتفل آخرون بماو كرمز لتمرد الشباب. في كلمات فرقة «أميركان إندي» الموسيقية مثلاً كلمات في أغنية «الماعز الجبلي» تقول: «ارتدِ معطف الرئيس ماو، ودعني أنقّي حلقي، فلنقلب هذه المدينة بأكملها رأساً على عقب، ونهزها، حتى تسقط العملات المعدنية من جيبها».


تفسيرات سياسية جديدة


يسعى هذا الكتاب إلى فتح إمكانات تفسيرية فيما يتعلق بالثورة الصينية كما تصورها الشيوعيون الصينيون. ببساطة، لقد سعوا إلى خلق عالم جديد من خلال تدمير عالم قديم. تحت قيادة ماو، شرع الحزب الشيوعي الصيني في إنشاء أنماط جديدة؛ لتنظيم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وصولاً إلى التفاصيل الدقيقة لعادات الناس في الإدراك وأساليب التحدث. تعتمد الطريقة التي يُنظر بها إلى القرن الثوري الصيني إلى حد كبير على طريقة علاقة الشخص به: هل ينظر المرء إلى الوراء بحنين أو رعب أو تناقض؟ هل يلجأ إليه المرء من منطلق الولاء السياسي، أو الفضول التاريخي، أو الانبهار المرضي؟
إن الاقتراب من الثورة الصينية هو الوقوف في مقابلها والشعور بشيء تجاهها. يتناول كل مؤلف في الكتاب مسألة الشيوعية الصينية من منظوره الخاص، وفي مصطلحاته الخاصة. حتى بالنسبة لمحرري الكتاب فإنهم يتناقشون باستمرار - بحسب الكتاب - مع بعضهم حول إرث حقبة ماو، وهو ما أضفى قوة على الكتاب.
يأتي الإلهام في العمل من مجموعة من المواقف على طول الطيف السياسي فيما يتعلق بإرث ماو: من سايمون ليز إلى ألين باديو. كان سايمون ليز - الاسم المستعار الأدبي للراحل بيير ريكمانز - من أوائل منتقدي الثورة الثقافية وأكثرهم صرامة، وهو الموقف الذي عرّضه لهجمات شرسة من قبل باحثين آخرين طوال السبعينات. يقول المؤلفون هنا: «لنذكر فقط مقطعاً قصيراً من كتابه الذي نوقش كثيراً في عام 1974 «الظلال الصينية» وهو: إذا كان تدمير الإرث الكامل للثقافة التقليدية للصين هو الثمن الذي يجب دفعه لضمان نجاح الثورة؛ فسأغفر كل ما يحدث من تحطيم للأيقونات، سأدعمهم بحماس، ما يجعل التخريب الماوي بغيضاً ومثيراً للشفقة ليس لأنه يشوه حضارة قديمة بشكل لا يمكن إصلاحه؛ بل بالأحرى لأنه من خلال القيام بذلك، يعطي لنفسه ذريعة عدم تصارعه مع المهام الثورية الحقيقية. يمكن فهم إدانة ليز القاسية للشيوعية الماوية على أنها طريقة للتعامل مع الثورة بكلماته الخاصة. في يأس سايمون ليز تجاه الأساليب التي يستخدمها الماويون، يمكننا مع ذلك أن نلاحظ خيبة أمل لا يزال أثر الوعد الشيوعي باقياً فيها.


اتجاهات مضادة


حاول العديد من الكتًاب أيضاً رؤية المكاسب الثورية الهشة التي تم تحقيقها والتراجع عنها بعد ذلك من خلال الاتجاهات المضادة داخل العملية الديناميكية لتكشّف الثورة. بالنسبة لآلان باديو، تمثل الثورة الثقافية نهاية سلسلة من العملية الثورية: منظمة حزبية لينينية، تشكلت كوسيلة للتحرر، انحدرت إلى عنف شديد وفوضى في انتقال فاشل للسلطة من أيدي بيروقراطية الحزب إلى أيدي الشعب. إن المأزق الذي نتج عنه يفتح مساحة من الاستجواب النقدي. كما يقول باديو: ما المشاكل المشتركة بيننا وبين ماو؟ بأي معنى تعد قراءة نصوصه أكثر من مجرد تمرين في الحنين إلى الماضي أو النقد؟ إلى أي مدى يمكن أن تظل نصوص ماو نقطة مرجعية في بحثنا عن اتجاه جديد للسياسة التحررية؟ تفترض أسئلة باديو مسبقاً أننا من الورثة الحتميين لتقاليد تحررية ذات مستقبل غير مؤكد. لا يوجد سبب يمنع المرء من الشعور بالإلهام والاشمئزاز من جوانب مختلفة من الماوية.
إرث الثورة الصينية بعيد المدى ومتشابك، ومن المستحيل فكه في حكم مؤيد أو ضد، بغض النظر عن مدى إغراء تبسيط العالم إلى مواقف مطمئنة. بدلاً من مناقشة ماو من موقع معين، أو حتى توظيف ماو لدعم حجة معينة، يسعى هذا الكتاب إلى إنشاء مشروع مفتوح للشيوعية الصينية، يسمح بالتشكيك في إرث ماو وفق الاحتمالات التفسيرية المختلفة.
يقول المؤلفون: مثلما كان من المستحيل تجسيد الماوية في عهد ماو، كان من الصعب رسم خط سببي مباشر من حقبة ماو إلى الوقت الحاضر. ناقش الباحثون في الدراسات الصينية بأنه من الخطأ رؤية حوكمة الحزب الشيوعي على أنها تغيرت بالكامل في أوائل الثمانينات مع ظهور الإصلاح والانفتاح. تم الاحتفاء على نطاق واسع بالانفصال الظاهري عن الحملات السياسية الماوية والأيديولوجية والصراع الطبقي في وسائل الإعلام الدولية على حساب مراعاة الطرق التي استمر بها حكم الحزب الشيوعي الصيني في الاعتماد على الممارسات المؤسسية التي تأسست في عهد ماو.
ويضيفون: ينظر الحزب الشيوعي الصيني إلى العالم وكل شيء فيه على أنه قطعة أثرية للسياسة. تشير وثائقه التوجيهية بوضوح إلى «البناء» السياسي والاقتصادي والثقافي والبيئي باعتباره من مهامه الرئيسية، مما يفترض وجود عالم من العمليات المرنة بدلاً من الفئات الثابتة. في كثير من الأحيان، يفترض الجدل المناهض للشيوعية إطاراً خائفاً من الدولة - وهو إطار لا يشاركه معظم الناس في الصين - حيث يُنظر إلى تدخل الدولة على أنه غير مرغوب فيه وليس لا مفر منه، ويعدونه انتهاكاً للحياة الفردية، وليس جزءاً من بنيتها التحتية الداعمة.


عن المؤلفين:


** كريستيان سوراس، أستاذ مساعد في العلوم السياسية بكلية كولورادو. يركز في أبحاثه على الأيديولوجيا والخطاب والتحضر وعلم الجمال. وهو مؤلف كتاب «السلطة المهزوزة: الحزب الشيوعي الصيني وزلزال سيتشوان عام 2008».

** إيفان فرانشيسكيني، زميل ما بعد الدكتوراه في الجامعة الوطنية الأسترالية. يركز بحثه على العمل والمجتمع المدني في الصين وكمبوديا. وهو مؤلف للعديد من الكتب، ومترجم، ومخرج مشارك للفيلم الوثائقي «Dreamwork China».

** نيكولاس لوبري، محاضر مساعد أول في دراسة الصين الحديثة في مركز دراسات شرق وجنوب شرق آسيا، جامعة لوند. يركز في أبحاثه على التنمية الاجتماعية والاقتصادية في المناطق الريفية بالصين، وخاصة الهجرة.

عن المترجم

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

الصورة
1
شوشانا كيلر
الصورة
ض
فريد زكريا
الصورة
1
الصورة
1
بانج يانج هوي
الصورة
1
عمر ه . علي
الصورة
السياسة الافريقية
مونيارادزي فيليكس موروف
الصورة