د. حسن مدن

أقرّ الدكتور زكي مبارك بأن بينه وبين الدكتور طه حسين ما صنع الحداد، لكنه استدرك قائلاً: «وإن كنت أجهل المراد من هذه العبارة».

دفعني الفضول للبحث عن مغزى العبارة التي حار زكي مبارك في أمرها، فوجدت شروحاً عنها، أحدها جاء في مقال بجريدة «أخبار اليوم» في فبراير/شباط من العام الماضي، كتبته منّة الله يوسف، يفيد بأن التعبير يعود إلى حكاية بين رجل وزوجته، التي وصفت بسلاطة اللسان والميل إلى النكد والشجار، وفي أحد الأيام فاض بالزوج الكيل وخرج من خيمتهما قائلاً: «بيني وبينك ما صنع الحداد».

لم تكترث الزوجة بما قال ولم تفهم معناه، فيما قصد الرجل محلّ حداد، وطلب منه أن يصنع له مطرقة وقطعة من الحديد، ففعل، رغم استغرابه من الطلب.

عاد الزوج إلى الخيمة محملاً بما اقتناه، وطلب من ابنه أن يطرق بالمطرقة على قطعة الحديد دون توقف، محدثاً ضجيجاً، فيما خرج الزوج مبتعداً عن الخيمة، حتى بلغ نقطة توارى عندها صوت الطرق، وهناك صنع لنفسه خيمة عاش فيها بعيداً عن الزوجة «سليطة اللسان».

ستقول النساء إنها حكاية بحمولة ذكورية طاغية، فليكن، ولكن هذا ما روي، والعهدة على الراوي.

نعود إلى زكي مبارك وطه حسين، فرغم ما صنعه الحداد بينهما، فإن مكتبيهما كانا متجاورين في وزارة المعارف، والجيران على ما قال مبارك «يتلاقون كارهين أو طائعين»، فلا تخلو لقاءاتهما من المناوشات الأدبية المليئة بالطرافة.

لكن ما نحن بصدده ليس مناوشة بين الرجلين، وإنما بين طه حسين وإبراهيم المازني، رواها زكي مبارك في كتابه «رسالة الأدب»، ودارت على صفحات جريدة «البلاغ»، قال عنها مبارك إنها «تمثل التجني والتظالم على أعنف ما يكون» بين الرجلين.

ويعود السبب إلى أن طه حسين كتب تقديماً لمجموعة شعرية لعزيز أباظة عنوانها «أنّات حائرة»، وعن المجموعة كتب المازني نقداً ابتدأه بالهجوم على صاحب التقديم، ما أثار غضب طه حسين وكتب رداً «أراد به دفع العدوان بما هو أقسى من العدوان»، حسب تعبير زكي مبارك.

استخدم الرجلان عدّتهما الأدبية المكتنزة بالمعرفة والبلاغة، في خوض ذلك السجال الذي لن تتسع المساحة لسرد تفاصيله، وقد نعرض لها في حديث لاحق. وما أثار غيظ طه حسين هو ما أورده المازني من نقدٍ له لقبوله مناصب إدارية عليا في الجامعة والحكومة، قائلاً إنه خسر الأدب ولم تكسبه الحكومة، وإن الأفضل له أن يستقيل وينصرف إلى إبداعه.

[email protected]