أطماع تركيا المتوسطية

00:18 صباحا
قراءة 3 دقائق

الحسين الزاوي

سعت أنقرة خلال السنوات الماضية إلى التأثير في المشهد المغاربي، في محاولة منها للتشويش على العلاقات الاستراتيجية المغاربية – الأوروبية التي تجمع ما بين ضفتي المتوسط في سياق مجموعة 5+5، وقد وفّرت حالة الفوضى التي تشهدها ليبيا، موطئ قدم مهم لتركيا، من أجل منافسة الطرف الأوروبي في نفوذه التقليدي بالمنطقة، كما تعمل أنقرة منذ اندلاع أحداث ما يسمى بالربيع العربي على توظيف علاقتها الوثيقة مع الأحزاب الإسلامية بهدف التأثير في الأوضاع السياسية بالدول المغاربية.

ويتواصل هذا النشاط التركي في المنطقة بموازاة سعيها إلى فرض نفسها كلاعب محوري في شرق المتوسط، للحصول على امتيازات كبرى متعلقة بمشاريع الغاز، حتى وإن تطلب الأمر الاعتداء على حقوق جيرانها، ولم يكن مستغرباً بالتالي أن تلجأ أنقرة إلى استغلال تأثيرها الكبير في حكومة السراج لتعقد معها اتفاقاً مثيراً للجدل في شهر نوفمبر 2019 بشأن ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، على الرغم من تعارض هذا الاتفاق مع القانون الدولي، بسبب وجود جزيرة كريت اليونانية التي تفصل بين الساحلين التركي والليبي.

ويذهب الكثير من المراقبين إلى أن تركيا تريد الدفاع عن مصالحها في شرق المتوسط من خلال السعي إلى إعادة النظر في قواعد الشراكة الأوروبية – المتوسطية في مجال الطاقة التي جرت محاولة ترسيخها بداية من قمة برشلونة سنة 1995 التي حضرتها 27 دولة مطلِّة على ضفتي المتوسط، وهي الشراكة التي عمل الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي على إعطائها بعداً سياسياً أكبر من خلال إطلاقه لمشروع الاتحاد من أجل المتوسط.

ويؤكد في هذا السياق وزير الصناعة الجزائري الأسبق عبدالنور كرمان في كتابه الموسوم: «التعاون الطاقوي الأوروبي المتوسطي، رهاناته وآفاقه»، أن هذا التعاون يستند في جزء منه على دول المغرب العربي وبخاصة على ليبيا والجزائر اللتين تمتلكان احتياطات مهمة من الطاقة، لاسيما بعد أن استطاعت أنابيب الغاز الجزائري أن تربط المغرب العربي بأوروبا على الرغم من الخلافات السياسية بين دول المنطقة، وهو ما يبدو واضحاً للعيان من خلال أنبوبي الغاز اللذين يربطان بين الجزائر وإيطاليا عبر التراب التونسي، وبين الجزائر وإسبانيا عبر الأراضي المغربية.

وعليه، فإنه وعلاوة على سعي تركيا إلى منافسة أوروبا على مناطق النفوذ في إفريقيا، فإن أنقرة تنظر إلى المغرب العربي بوصفه البوابة الرئيسية التي تمكّنها من الحصول على مكاسب جيوسياسية في مواجهتها مع أوروبا بشكل عام ومع فرنسا بشكل خاص، من منطلق أن الدول المغاربية تشكل في مجملها المجال الحيوي بالنسبة للجغرافيا السياسية الفرنسية، وذلك في سياق طموحها لإحياء أمجاد السلطنة العثمانية في المنطقة والعمل على تكثيف نشاطها السياسي والاقتصادي في مختلف الدول المغاربية وبخاصة في ليبيا وتونس والجزائر.

ومن الواضح أن تركيا تعمل في المرحلة الراهنة على تحويل حضورها العسكري في غرب ليبيا إلى وجود سياسي مؤثر في كل تسوية مقبلة ما بين الأطراف المتصارعة على السلطة، وترى في هذا الحضور استئنافاً لدورها الذي انقطع سنوات قليلة قبل انهيار الإمبراطورية العثمانية في بدايات القرن الماضي، ومن ثم فإنها تصرّ على أن يكون لها دور حاسم في رسم معالم مستقبل الدولة الليبية. كما تعمل في تونس على دعم جماعات الإسلام السياسي من أجل بسط نفوذها، مع الحرص على تهميش المجتمع المدني والنخب التونسية التي تحمل أجندات تتمسك بمشاريع الشراكة مع أوروبا الغربية. وبالنسبة لموريتانيا الدولة المغاربية غير المتوسطية، فإن أنقرة تتعامل معها في سياق استراتيجيتها المرتبطة بالانتشار الاقتصادي في غرب إفريقيا.

أما فيما يتعلق بالجزائر، فإن تركيا تحاول ترسيخ حضورها في هذا البلد، اعتماداً على الأحزاب الإسلامية، ويمكن القول إن الجزائر، التي تعرف جيداً صلات أنقرة بالإسلام السياسي، تحاول توظيف تعاونها مع تركيا بحذر شديد، وتضع سقفاً محدداً لهذا التعاون، لأنها تحرص على الإبقاء على علاقات متوازنة مع الحليف الروسي ومع الاتحاد الأوروبي، لاسيما مع فرنسا التي يوجد فيها حوالي 5 ملايين مواطن من أصول جزائرية.

[email protected]

عن الكاتب

أستاذ الفلسفة في جامعة وهران الجزائرية، باحث ومترجم ومهتم بالشأن السياسي، له العديد من الأبحاث المنشورة في المجلات والدوريات الفكرية، ويمتلك مؤلفات شخصية فضلا عن مساهمته في تأليف العديد من الكتب الجماعية الصادرة في الجزائر ومصر ولبنان

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"