السلام حاجة إنسانية

00:53 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. ناجي صادق شراب

تستلهم النزاعات الدولية المركبة والمعقدة كالصراع الفلسطيني الإسرائيلي الفلاسفة والمنظرين بحثاً عن الحلول، ومن أبرز هذه النظريات نظرية الحاجات الأساسية لطرفي النزاع. والسؤال هنا: ما هي هذه الحاجات الأساسية؟ وهل من تشابه بينها؟ وما هي آليات الاستجابة؟ ومن أبرز أنصار هذه النظرية جوهان جالتونج الذي يرى أن أهم الاحتياجات الإنسانية هو بناء السلام بين الدول والشعوب، وأن أساس عملية فهم السلام العمل على التغيير في أسس بناء العلاقات من منظور الحاجات الإنسانية. فالسلام حاجة إنسانية فطرية غريزية، وتعني البقاء والتعايش المشترك، وهما من أبرز الحاجات الإنسانية، فالأساس في خلق الكون الحفاظ على الحياة والجنس؛ ولذلك فإن الحرب نقيض لهذه الغريزة.

 وترى هذه النظرية أن النزاعات والصراعات الدولية تتفاقم عندما يصل الإنسان إلى قناعة أن حاجاته الأساسية لا يتم الاستجابة لها، بفعل عوامل السيطرة والاحتلال. وهذه النظرية تم تطبيقها على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبذلت جهود دولية كبيرة للعمل على بناء بنية تحتية قادرة على تلبية الاحتياجات الإنسانية للإنسان الفلسطيني، وهي ليست قاصرة على الحاجات الفلسطينية بل أيضاً الحاجات الإسرائيلية رغم العلاقات غير المتكافئة بين الطرفين؛ بسبب اختلال معادلة العلاقات الطبيعية، فإسرائيل تتحكم في كل الموارد، والخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته أنها وظفت القوة في مزيد من الضغط على الإنسان الفلسطيني حتى يقبل بواقع ما تفرضه من سياسات استيطانية. 

وابتداء نحن في حاجة لتحديد الخريطة الإنسانية لسلم الاحتياجات لطرفي الصراع المباشرين. الدول العربية استجابت لحاجات إسرائيل للأمن والقبول بها دولة في المنطقة، وبالمقابل الدول العربية في حاجة للأمن والاستقرار والتنمية واستئصال جذور العنف والإرهاب. ولذلك على إسرائيل أن تستجيب أيضاً لهذه الاحتياجات من خلال بناء السلام الشامل الذي يكتمل على مستوى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بقيام الدولة الفلسطينية، ووضع نهاية لعقود طويلة من الحروب والصراعات والكراهية والحقد والثأر. ولعل المستوى الأساسي لهذه النظرية يتمثل في شقه المباشر الفلسطيني الإسرائيلي. 

وهنا نحن أمام نموذج معقد، شعبان يتعايشان ويتصارعان على نفس الأرض، والواقع يفرض الاعتماد المتبادل والتفاعل الإيجابي والبحث عن صيغ للاستجابة للحاجات الإنسانية، وهنا علينا أن نميّز بين الاحتياجات الأساسية والمتطلبات الحياتية اليومية، والتي تتمثل في توفير أسباب الحياة من عمل وحاجات مادية واقتصادية واجتماعية، والعمل معاً من خلال مشاريع مشتركة للتغلب على الفقر والبطالة، ولو نظرنا للجانب الفلسطيني فأكثر من خمسة ملايين نسمة يعيشون تحت الاحتلال، ولا يستطيعون الانتقال بحرية من مكان لآخر إلا عبر حواجز عسكرية إسرائيلية.

 المواطن الفلسطيني بحاجة أن يعيش بحرية وكرامة وطنية، وأن تكون لديه القدرة على بناء بنيته التحتية ونظامه السياسي القادر على التكيف والفاعلية، والاستجابة للحاجات التي ترتفع بشكل كبير، مما قد يخلق فجوة بين الاستجابة والقدرة، وهذه الفجوة إن لم يتم تضييقها فقد تدفع للتأزم والتوتر واستمرار النزاع في أشكال مختلفة، ومن أهم الحاجات الإنسانية الحفاظ على الهوية الوطنية وبناء الدولة الفلسطينية المعبرة عن هذه الهوية، وهذا لن يتحقق إلا بانتهاء الاحتلال الإسرائيلي وكل السياسات التي تهدد هذه الهوية كالاستيطان والضم وتهويد الأرض بما لا يسمح ببناء هذه الهوية، وبالمقابل لإسرائيل حاجاتها الأساسية التي تتمثل بالأمن والبقاء، وهو ما يتطلب الاستجابة لهذه الحاجة في إطار تبادلي تكاملي، هذه الاستجابة من شأنها أن تضع حداً لسلم الكراهية والعنف، وتنزع كل المبررات أمام الجماعات المتشددة من أي طرف.

 في هذا السياق العام لنظرية الحاجات الأساسية عملت الدول العربية وفي مقدمتها دول الخليج العربي على تقديم الدعم والمساهمات المالية الضرورية لبناء السلطة وإقامة المشاريع وتوسيع البنية الاقتصادية القادرة على استيعاب الحاجة للعمل من قبل شريحة الشباب. وفي السياق نفسه قدم الاتحاد الأوروبي الدعم لتحقيق الهدف نفسه. ولأسباب تتعلق بأداء السلطة الفلسطينية والاحتلال لم تحقق هذه السياسات الداعمة الهدف منها بالاستجابة للحاجات الأساسية والتي تشكل دافعاً قوياً لخلق البيئة السياسية الحاضنة للسلام وبناء سلام مستدام. 

إن الحاجات الأساسية لا بديل لها في أساس عملية بناء سلام مستدام، أما المتطلبات الحياتية فتشكل القوة المساندة والداعمة للحاجات الأساسية، وهي السبيل لها، وكلها تشكل منظومة متكاملة لا يمكن الفصل بينها. ولعل التحدي الأكبر الذي يواجه عملية بناء السلام الشامل على المستوى الفلسطيني الإسرائيلي يتمثل في إشكالية وتضارب الحاجات الأساسية لهما، والتنازع على نفس الأرض وعلى هويتها، وهذا يتطلب حلولاً إبداعية خارج الصندوق وبتفكير غير تقليدي يلتقي في إشباع الحاجات الأساسية لأي منهما، ومن هذا المنظور قد يشكل السلام العربي الإسرائيلي أحد أهم المقاربات لحل هذه الإشكالية والتصادم من خلال إنهاء الاحتلال وبناء الدولة الفلسطينية السلمية أولاً، والمستوى الثاني من خلال تبني المشاريع المشتركة التي تحل مشكلة هوية الأرض.

[email protected]

عن الكاتب

أكاديمى وباحث فلسطيني في العلوم السياسية متحصل على الدكتوراه من جامعة القاهرة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ومتخصص في الشأن السياسى الفلسطيني والخليجي و"الإسرائيلي". وفي رصيده عدد من المؤلفات السياسية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"