إيران في مواجهة الحقيقة

00:40 صباحا
قراءة 4 دقائق

مهرة سعيد المهيري

في الوقت الذي تحاول فيه دول مجلس التعاون الخليجي معالجة ظاهرة الإرهاب ومكافحة الإرهابيين أينما وجدوا، فإن حكام طهران- بتدخلاتهم في الشؤون الداخلية لبعض الدول- يحاولون مساعدة الحركات الإرهابية على نشر بذور الفتن والطائفية على أراضيها، وهم بذلك يساعدون الإرهابيين على ممارسة جرائمهم وتطرفهم وغلوهم ونشر أفكارهم المنحرفة أينما تواجدوا. وليس بخافٍ أن فشل طهران في معاضدتها للإرهاب في المنطقة يبدو واضحاً للغاية، فالإيرانيون لم يتمكنوا من الهيمنة على مقدرات الشعب العراقي من الناحيتين السياسية والأمنية، وفي اليمن لم تحقق إيران أي إنجازات تذكر بعد أن فقد أتباعها من جماعة الحوثي فرص السيطرة الكاملة على الدولة اليمنية، وتعرضوا لخسائر فادحة تحت وطأة الضربات المستمرة لتحالف دعم الشرعية الدستورية في اليمن.

ولا ننسى أن «حزب الله» اللبناني وضع نفسه طرفاً مباشراً في الصراع الدائر في سوريا، وتعرض هو الآخر لخسائر فادحة، ولم يعد يهدف سوى إلى حماية مصالحه وتفادي أي ضربات جديدة وسقطت الهالة الإعلامية والدعائية التي رسمها حول نفسه منذ أن صمد في مواجهة الضربات الجوية الإسرائيلية في لبنان، في حين أخفقت ميليشيات الحزب إخفاقاً ذريعاً في خوض حرب من الطراز ذاته، أي مواجهة عناصر قتالية مماثلة في حرب غير تقليدية؛ بل إنهم عجزوا عن إثبات وجودهم في البحرين على الرغم من دعمهم لكل أشكال الشغب والتظاهرات وترويع الآمنين التي باءت كلها بفشل ذريع، وها هي طهران اليوم تحاول أن تلعب أدواراً سياسية مكشوفة لتوقف موجة التحالف الدولي المتصاعدة ضد المتطرفين في سوريا، وهي موجة لا شك أنها سترهق الإرهابيين ومن يقف خلفهم. إيران التي بنت قدراتها على شن الهجمات البعيدة، تعاني ضعفاً وتفككاً داخلياً خطِراً لا يمكن إصلاحه، ومن تناقض بين النظام والشعب وبينه وبين الحضارة، وهي تتعمد القمع في الداخل وتحارب بعيداً عن حدودها تصديراً لأزماتها، وتتاجر بأساطيرها التي تشبه أساطير النازيين. 

والنظام الإيراني يدرك أنه في النهاية سينهار إن جنح للسلم بقوى داخلية، لذلك يفضل الحرب، ولا أعتقد أنه سيسير بعيداً في اتفاقه السلمي مع الغرب، ولا يستطيع التراجع أمام التيار الإصلاحي الذي سيدخل إيران في مرحلة تشبه مرحلة جورباتشوف في روسيا؛ حيث تنهار أنظمة القمع والأساطير أمام طوفان إرادة التغيير المتراكمة والمحتقنة منذ زمن طويل، التي تطيح بكل شيء عندما تبدأ. 

خطورة إيران على منطقتنا ليست في حاجة إلى أدلة العداء والخصومة لإثباتها. وخطر إيران ليس فقط بتدخلها في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، وتأجيجها للطائفية، وإنما بغرورها وتعاليها واحتقارها للعرب والمسلمين ومحاولاتها المستميتة لإحياء أمجاد الإمبراطورية الفارسية، وهي تضطهد العرب في عربستان منذ أن بسطت سيطرتها على إقليم الأهواز مطلع القرن الماضي واحتلت جزر الإمارات العربية المتحدة الثلاث، وتهدد البحرين والسعودية والكويت واليمن وسوريا. ولنا أن نتصور الخطر الإيراني؛ حيث إنها تنفق نسبة كبيرة من موازنتها العامة وناتجها القومي لدعم الإرهاب العالمي ومساندة الجماعات والتنظيمات الإرهابية. إيران منذ زمن ليس بالقصير- وفقاً لتدخلاتها المشهودة- تسعى إلى بث موجات من الفتن والأزمات داخل تلك الدول والعمل على تأجيج الطائفية فوق أراضيها، ودعم مختلف الحركات الإرهابية التي ظهرت برؤوسها الخبيثة في دول تسعى مختلف الجهود المبذولة فيها لمكافحة تلك الحركات واحتوائها واجتثاثها من جذورها. 

وعلينا الحفاظ على وحدة وتماسك النسيج الداخلي للدول العربية، وعدم السماح بتفتيت المجتمع أو اختراقه والعمل على جمع مكوناته وتثبيتها على قاعدة قابلية الاندماج في الدولة العربية، وليس على قاعدة التفريق والولاءات المتعددة، وعدم الخضوع لمبدأ تصدير الفتن الذي تقوم به إيران وغيرها من الدول الغربية. فالاستقرار الداخلي والاجتماعي ضمن الإطار الطاغي لهوية المنطقة العربية الإسلامية شرط أساسي في نجاح تطبيق سياسة مواجهة المشروع الإيراني التفتيتي، وإلا فلا ينفع الندم بعد فوات الأوان. اليوم إيران في مواجهة الحقيقة. إنها أمام إدارة أمريكية جديدة سبق أن أظهرت في نسختها الأولى في عهد الرئيس السابق باراك أوباما أن بوسعها التعامل مع النظام الإيراني وتوصلت إلى الاتفاق النووي الشهير. 

فماذا فعلت طهران؟ أمعنت في التوسع الإقليمي بدلاً من أن تستغل الفرصة. واليوم تقف إسرائيل لها بالمرصاد بما يتجاوز الموضوع النووي، لأن فكرة أن تصبح إيران بلداً متوسطياً عبر ممر العراق- سوريا- لبنان غير وارد استراتيجياً، لا لإسرائيل ولا لغيرها من الدول. واليوم الخليج يدين اغتيال العالم النووي، لكن هذا من الترفع في ممارسة الدبلوماسية وعدم الخلط بين مكائد السياسة والقانون الدولي. لكن إيران لا تتوقف عن إطلاق التهديدات بالانتقام في أماكن أخرى، وعينها على الخليج. من دون أن تقتنع إيران بأن عليها أن تتحول إلى بلد طبيعي يبحث عن مكانة حقيقية يستحقها الإيرانيون، ستبقى دوامة التصعيد تتربص بالمنطقة بلا أفق للحل، لا بالتسويات كما يرى الرئيس المنتخب جو بادين ولا بالضربات كما ترى إسرائيل، ولا بالمغامرات كما ترى القيادة الإيرانية ورهط الميليشيات والتنظيمات التابعة لها في المنطقة.

[email protected]

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y5sgq7jv