سنجار والصراع الإقليمي

00:26 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. ناصر زيدان

مدينة سنجار العراقية عاصمة الإيزيديين كانت على الدوام محطة لتقاطعات جيوسياسية وعسكرية وديمغرافية مهمة، واتصفت عبر التاريخ بأنها مدينة العذاب، وقد دمرتها الحروب مراراً، وهجرت المظالم سكانها في أكثر من مناسبة. وليست مصادفة أن تكون هذه المدينة ساحة المنازلة الكبرى بين الفرس والعثمانيين في العام 1607، وتتحول في العام 2014 إلى بوابة لدخول الدولة الإسلامية الإرهابية المزعومة «داعش» إلى بلاد الشام، لتصبح اليوم مجدداً مساحة للتجاذبات غير المباشرة بين المشروعين التوسعيين التركي والإيراني.

 كانت زيارة وزير الداخلية العراقي عثمان الغانمي إلى قضاء سنجار يوم الأحد الماضي في 13/12/2020 لافتة من حيث توقيتها، ومن حيث أهدافها. وبالرغم من عدم قدرته على دخول المدينة والبقاء في مقر الشرطة في أحد قرى القضاء لكنه تمكن من إيصال الرسالة التي حملها من الحكومة المركزية في بغداد، وفيها رفض لاستباحة المدينة من قبل الميليشيات الغريبة التي حوَّلت المدينة إلى سوق لتجارة الممنوعات وممر للتهريب، وتأكيد على ضرورة عودة المهجرين من سكانها، وفي الرسالة أيضاً تصميم هذه الحكومة على استعادة قضاء سنجار، بعد أن اعتبر الدستور العراقي في المادة 140 أنها من المناطق المتنازع عليها مع إقليم كردستان، علماً أن قوات البشمركة الكردية انسحبت من المدينة في أكتوبر/تشرين أول 2017 على أثر الخلاف الذي وقع على استفتاء الاستقلال الفاشل، معترفةً بعد ذلك بأحقية السلطات المركزية في بغداد بالسيادة على القضاء.

 سنجار الجريحة التي تقع بالقرب من تقاطع جغرافي يتوسط العراق وسوريا وتركيا لا يعيش فيها اليوم سوى 35% من سكانها الأصليين المئة ألف والذين ينتمون الى الديانة الإيزيدية مع أقليات من العشائر العربية والتركمان. لم تدخُل الدولة العراقية إلى سنجار بعد، وما زال سبب التهجير الذي فرض على سكانها قائماً، ذلك أن الوحشية التي مارستها عصابات داعش بحق الإيزيديين عام 2014، أبعد غالبية هؤلاء إلى مناطق آمنة في إقليم كردستان وفي المناطق العراقية الأُخرى، وعدد كبير منهم تمكن من الهروب والهجرة إلى ألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية، وما يقارب من 2000 من النساء والأطفال ما زالوا مجهولي المصير حتى اليوم.

 تُسيطر على سنجار اليوم ميليشيات تابعة لحزب العمال الكردستاني التركي، ومعها مجموعات إيزيدية محلية، وكذلك تتمتع فصائل الحشد الشعبي العراقي (الولائي) أي المؤيدين بالمطلق لإيران بنفوذ كبير في المدينة والقضاء، ويدفع هؤلاء رواتب لمجموعات إيزيدية مؤيدة لهم ويُزودونهم بالأسلحة والمؤن. وقد نسج قيس الخزعلي زعيم عصائب أهل الحق العراقي علاقات واسعة مع حزب العمال الكردستاني المعادي لتركيا، وأكمل بذلك الهيمنة على المدينة الإستراتيجية، بحيث أصبحت الميليشيات الموالية لإيران تتحرك باطمئنان في المنطقة. وفي الإستراتيجية الإيرانية لسنجار دور حيوي في اتجاهات ثلاثة.

في الاتجاه الأول: ترى طهران في سنجار مكاناً لتقاطع المصالح وتعزيز العلاقة مع حزب العمال الكردستاني بزعامة عبد الله أوجلان الذي يشكل تهديداً للحكومة التركية، ومن هذه الزاوية يمكن لطهران أن تلعب على أوراق تبادل المنافع - أو رد الأضرار - مع تركيا، حيث المطامع التوسعية للطرفين تفرض الاختلاف في عدد من المسائل، منها حول التغلغل التركي في شمال سوريا وشمال العراق، ومنها التباين القائم حول الاستثمار في المنظمات الإرهابية الوليدة، بحيث تحاول كل من الدولتين توجيه هذا الاستثمار بما يخدم مصالحها، وحده هذا التباين انكشف مؤخراً على شاكلة واسعة في تعارض الموقف حول أذربيجان.

 وفي الاتجاه الثاني تحاول المجموعات المؤيدة لإيران في الحشد الشعبي توظيف سنجار في خدمة مشروع المعابر المفتوحة، من إيران إلى العراق إلى سوريا إلى لبنان، كونها مُناسِبة جغرافياً وديمغرافياً، ذلك أن غالبية سكانها ليسوا من المسلمين، وموقعها قريب من مدينة دير الزور السورية التي تعتبر محطة مهمة في مشروع المعابر المفتوحة.

 والاتجاه الثالث في الإستراتيجية الإيرانية التي لا تلائمها عودة الاستقرار الى سنجار هي إبقاء حالة الضغط على حكومة إقليم كردستان العراقية، في محاولة لتحييد هذا الإقليم عن التأثير على موازين القوى العراقية الداخلية التي بدأت تظهر أنها لن تكون لصالح الإيرانيين، خصوصاً بعد الخطوات الجريئة التي اتخذها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في مواجهة ميليشيات الحشد الشعبي، وفي انفتاحه على الدول العربية المجاورة.

 الإيزيديون الذين يدفعون باستمرار فاتورة غالية للتقلبات السياسية والدينية والعرقية في المنطقة يدفعون اليوم ضريبة غالية بمناسبة تعارض المصالح التوسعية الإقليمية الشرِهة.

التقييمات
0

عن الكاتب

دكتوراه في العلوم السياسية والقانون الدولي العام.. أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية.. له 10 مؤلفات وعشرات الأبحاث والمقالات والدراسات في الشؤون الدولية..

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y2ew4mga