الواقعية في سلوك الدول

00:23 صباحا
قراءة 3 دقائق

الأساس في نظرية الواقعية فكرة القوة، وهي المحرك الرئيسي الذي يقف وراء سلوك الدول، وقراراتها. والقوة ترتبط بأمن وبقاء الدولة، وهما الدافعان الثابتان للدولة القومية منذ ظهورها عام 1648. وأمن وبقاء الدولة يصطدم بأمن وبقاء الدول الأخرى، وهذا ما يفسر لنا حالة الحرب الدائمة في العلاقات الدولية، وحالة البحث عن تقاطع المصالح المشتركة التي تقف وراء بروز التحالفات والمعاهدات الدولية. فالدولة لا يعنيها إلا مصالحها أولاً. ولذلك لا وجود دائم لقاعدة الصديق الدائم، أو العدو الدائم، ليحل محلها عدو اليوم صديق الغد، وصديق اليوم عدو الغد.
 وقد ارتبطت نظرية القوة بنشوء الدولة القومية التي ورثت مفهوم الإمبراطوريات في العلاقات الدولية. وتتسم مرحلة الدولة القومية بالحروب بشكل أكبر، وكان من أبرزها الحربان الكونيتان الأولى والثانية، اللتين راح ضحيتهما ملايين من البشر، وتأكيداً على صدقية فرضيات نظرية القوة أنه رغم إنشاء الأمم المتحدة لم يحل ذلك دون استمرار الحروب والفوضى الدولية، ونظريات المؤامرة التي تدعم من نظرية القوة، والتسابق الكبير على امتلاك عناصر القوة العسكرية، والمتطورة منها، وهذا التسابق لم يعد قاصراً على الدول الكبرى بل يشمل الدول كافة.
 وتنقسم نظرية الواقعية اليوم إلى نوعين: الواقعية الهجومية، والواقعية الدفاعية. والواقع أن الخلافات بين الهجومية والدفاعية صوريه، أو سطحية، قد تتعلق فقط بدرجة امتلاك القوة. وكما يرى أنصار الواقعية الهجومية، أمثال جون ميرشايمر، هو السؤال عن مقدار وحدود القوة، وهي حدود لا متناهية بالنسبة للدول، فلا قيد يقف في طريق رغبة الدولة في امتلاك القوة. لكن القوة تقيدها قوة الدولة الأخرى. وهنا تدخل العلاقات الدولية في دائرة لا نهاية لها من القوة، والصراع. فقوة الدولة تقوم على تقليص قوة من يقابلها، أو التفوق عليها. ووفقاً لنظرية الواقعية الهجومية تسعى الدول إلى تعظيم قوتها النسبية للحفاظ على مكانتها في سلّم القوة العالمي. ولعل أفضل تلخيص للواقعية الهجومية ما أشار إليه لويس ديكنسون في كتابه «الفوضى الأوروبية» الذي يتذكر فيه أن السبب الرئيسي للحرب العالمية الأولى ليس ألمانيا، أو غيرها من الدول، وإنما حالة الفوضى ألأوروبية. 
 وتستند نظرية الواقعية الهجومية من وجهة نظر مير شايمر، إلى عدد من الفروض، أهمها: الأولى، فرضية فوضوية النظام الدولي، فالأمم المتحدة تحكمها إرادة الدول الأعضاء. والثانية، أن القوى العظمى بما لديها من قوة قادرة على إلحاق الضرر بغيرها. والفرضية الثالثة، صعوبة التكهن بأي هجوم يمكن أن تتعرض له الدولة، فالتحالفات الدولية من وجهة نظر النظرية لا تساوى الحبر الذي كتبت به، فلا قدسية لها. والفرضية الرابعة، أن أمن الدولة ووجودها هو المحرك لسلوكها السياسي، وهو ما يفسر ظاهرة الحرب والسلام. وأخيراً الاعتماد المتبادل بين الدول، فالدول لا تعيش في جزيرة منعزلة، فالعلاقات بين الدولة حتمية.
 وهذه الفرضيات تقدم لنا ثلاثة أنماط من سلوك الدول، الأول، الخوف الدائم من سلوك الآخرين وأساسه عدم الثقة بسلوك أية دولة أخرى، مهما كانت درجة الصداقة والتعاون بينها. والسلوك الثاني، هو الذي نرى صوره اليوم بشكل واضح في محاولة تعظيم قوة الدولة من دون سقف محدد، ويبرز هذا في موازنات الدفاع الكبيرة، كما رأينا أخيراً في تبنّي موازنة أمريكية تصل إلى 740 مليار دولار. وهذه الموازنات تأتي على حساب الجوانب الإنسانية والمجتمعية، ما يشكل عبئاً كبيراً، خصوصاً لدى الدول الصغيرة الفقيرة. والسلوك الثالث الاعتماد على القوة الذاتية، وهذا نلمسه في سياسات دول القوة مثل إسرائيل التي لا تثق إلا بأمنها الذاتي، وقوتها الذاتية.
 واليوم نظرية الواقعية الهجومية نراها في الكثير من الأمثلة، كالولايات المتحدة، وإسرائيل، وإيران، وتركيا، وما رغبة إيران في امتلاك القوة النووية إلا ترجمة للواقعية الهجومية، ونراها في ما تقوم به إسرائيل من ضربات استباقية للتواجد الإيراني في سوريا، والعراق، وحتى في داخل إيران ذاتها. يبقى أن هذه النظرية لا تقتصر على دولة من دون أخرى، بل زاد من تفاقمها بروز دور الفواعل من غير الدول وامتلاكها للأسلحة المتطورة، وهذا يزيد من حالة الفوضى الدولية، وتغير كل قواعد اللعبة الدولية، وتراجع واضح للاعتبارات الأخلاقية لحساب اعتبارات القوة والمصلحة القومية.

[email protected]

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

أكاديمى وباحث فلسطيني في العلوم السياسية متحصل على الدكتوراه من جامعة القاهرة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ومتخصص في الشأن السياسى الفلسطيني والخليجي و"الإسرائيلي". وفي رصيده عدد من المؤلفات السياسية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yyd3rmoa