عادي

«.. وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ»

22:00 مساء
قراءة 4 دقائق
1


يقول الدكتور زغلول النجار في كتابه «الإعجاز العلمي في القرآن»: يؤكد الله سبحانه وتعالى أنه هو الذي يبدئ الخلق ثم يعيده وأن ذلك على الله يسير، ونحن نرى صورة مصغرة لذلك في دورة الحياة والموت التي تتكرر بالتناسل المستمر، إلى أن يشاء الله.
وتجدر الإشارة إلى أن السير في الأرض وتأمل صخورها ودراسة بقايا الحياة في تلك الصخور هو وسيلة تعرف الإنسان على تاريخ الأرض، وعلى كيفية بدء الخلق، وهذا ما أثبتته الدراسات في مجال علوم الأرض، وأن النشأة الآخرة بعد تدمير الكون سوف تسير على الخطى ذاتها التي بدأ الله بها الخلق، وتتبع النظام نفسه.

أكد تعالى أيضاً أن بيت العنكبوت هو أوهن البيوت على الإطلاق من الناحيتين المادية والمعنوية، وهذا ما أثبتته الدراسات المتأخرة في علم دراسة حيوانات الأرض.
يقول الله تعالى في سورة العنكبوت «مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» (العنكبوت:١٤).
وذكر ابن كثير، رحمه الله، أن هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله يرجون نصرها ورزقها، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه، ووهنه، حيث لا يجدي عنه شيئاً ولو علموا هذا الحال ما اتخذوا من دون الله أولياء.
الحقيقة الكبرى
 وجاء في «تفسير الجلالين» أن الذين اتخذوا من دون الله أصناماً يرجون نفعها ويركنون إليها إنما ركنوا إلى أوهن وأضعف البيوت، وهي بيوت العنكبوت التي لا تدفع عنهم حراً ولا برداً، كذلك الأصنام لا تنفع عابديها ولو كانوا يعلمون ذلك ما عبدوها.
وجاء في «حياة الحيوان الكبرى» أن «العنكبوت» دويبة تنسج في الهواء، والذكر «عنكب» وقوله تعالى «اتخذت» إشارة إلى أن الأنثى هي التي تقوم بنسج البيت دون الذكر وبيتها هذا يضرب مثلاً على الضعف وعدم القوة.
إنه تصوير عجيب لحقيقة القوى التي في هذا الوجود، وهذه الحقيقة يغفل عنها الناس أحياناً الذين تخدعهم قوة النفوذ، أو قوة المال، أو قوة العلم، وينسون القوة الوحيدة التي تخلق سائر القوى الصغيرة، وينسون أن الالتجاء إلى تلك القوى هو كالتجاء العنكبوت وهي حشرة صغيرة رخوة واهنة لا حماية لها من تكوينها الرخو ولا وقاية لها من بيتها الواهن إلا حماية الله، فكانت هذه هي الحقيقة الضخمة التي عني القرآن بتقريرها في نفوس الفئة المؤمنة، فكانت بها أقوى من جميع القوى.
«اتخذت بيتاً»

العنكبوت في منظور العلم، هو حيوان من مفصليات الأقدام تحمل المقدمة أربعة أزواج من الأقدام، وزوجين من اللوامس، وزوجا من القرون الكلابية على هيئة الكماشة، أو المخالب التي تحتوي على غدد السم، وهو حيوان مفترس يعيش على أكل الحشرات، وعلماء الحيوان يعرفون اليوم ثلاثين ألف نوع من العناكب التي تتباين في أحجامها وأشكالها وأنواعها، ومعظمها يحيا حياة برية فردية في الأغلب إلا في حالات التزاوج.
وجاءت تسمية السورة الكريمة بصيغة الإفراد «العنكبوت» لتشير إلى الحياة الفردية لهذه الدويبة، فيما عدا لحظات التزاوج وذلك عكس كل من سورتي النحل والنمل اللتين جاءت التسمية فيهما بالجمع للحياة الجماعية لتلك الحشرات.
وفي قوله تعالى «اتخذت بيتاً» إشارة واضحة إلى أن الذي يقوم ببناء البيت أساساً هو أنثى العنكبوت، فمهمة بناء بيت العنكبوت هي مهمة تقوم بها الأنثى لأنها تحمل في جسدها غدد إفراز المادة الحريرية التي ينسج منها بيت العنكبوت.. وإن اشترك الذكر أحياناً بالمساعدة أو الترميم إلا أن العملية أنثوية بحتة، ومن هنا كان الإعجاز العلمي في قول الحق تعالى «اتخذت بيتا».
«حرير عجيب»

وفي قوله تعالى «وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» إشارة إلى حقائق مهمة أهمها أن بيت العنكبوت هو من الناحية المادية أضعف بيت على الإطلاق، لأنه مكون من مجموعة خيوط حريرية غاية في الدقة تتشابك في بعضها بعضاً تاركة مسافات بينية كبيرة في أغلب الأحيان، ولذلك فهي لا تمنع حرارة الشمس، ولا تقى من مطر، ولا من رياح، ولا من أخطار المهاجمين، على الرغم من الإعجاز في قوتها، فخيوط العنكبوت حريرية دقيقة جدا يبلغ سمكها واحداً من المليون من البوصة المربعة، أو جزءاً من أربعة آلاف جزء من سمك الشعرة، وعلى الرغم من دقتها الشديدة إلا أنها أقوى خمس مرات من نظيرها من الصلب، وتتميز بمقاومة كبيرة للشد أكثر من مثيلاتها، بل إن الدراسات الحديثة أثبتت أن الخيط من حرير العنكبوت من نوع نيفلا يعد أقوى ثلاث مرات من مثيله ذي الأساس البترولي الذي يستخدم في صناعة الصديرية الواقية من طلقات الرصاص، ولذلك يعد حرير العنكبوت واحداً من أقوى المواد الموجودة على سطح الأرض، لأنه يتحمل شداً يصل إلى ٢٤ ألف كيلوجرام على السنتيمتر المربع ما يكسبه قدرة على الإيقاع بالفريسة من دون أن يتمزق، ولأن العنكبوت يبنى بيته من ضفائر تضم الواحدة منها عدداً من هذه الخيوط المضفرة والمجدولة تجديلاً قوياً.
الأنثى القاتلة
 لقد قال سبحانه وتعالى «أوهن البيوت» ولم يقل أوهن الخيوط، ويبقى بيت العنكبوت هو أوهن البيوت وأضعفها على الإطلاق، على الرغم من شدة خيوطه، وهذا من الناحية المادية، أما من الناحية المعنوية فهو أوهن بيت على الإطلاق لأنه بيت لا توجد فيه معاني المودة والرحمة، وذلك لأن الأنثى في بعض الأحيان تقضي على ذكرها بمجرد إتمام عملية الإخصاب، وذلك بقتله وافتراسه، لأنها أكبر حجماً، وأكثر شراسة منه، وفي بعض الحالات تلتهم الأنثى صغارها، وأحياناً يقتتل الصغار الأشقاء من أجل الطعام، أو المكان، ومن ينجو يكرر المأساة نفسها التي تجعل من بيت العنكبوت أكثر البيوت شراسة ووحشية، ومن هنا ضرب الله تعالى به المثل في الوهن لافتقاره إلى أبسط معاني التراحم.
وهذه الحقائق لم تكن معروفة لأحد من الخلق في زمن الوحي، ولا خلال قرون طويلة من بعده، حيث لم تكتشف إلا بعد دراسات مكثفة في علم سلوك حيوان العنكبوت استغرقت عشرات السنين، وقام بها مئات العلماء حتى تبلورت في العقود الأخيرة من القرن العشرين، ولذلك ختم ربنا سبحانه الآية الكريمة بقوله «لو كانوا يعلمون».
 

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"