استقطاب عالمي صادم

00:35 صباحا
قراءة دقيقتين

مفتاح شعيب

لا تبدو العلاقات بين الشرق والغرب طيبة، ولا تشجع على التفاؤل في ظل التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي في مقابل روسيا والصين، وعلى الجانبين تتعدد الحجج والذرائع لاستهداف الآخر. وإذا تطورت الأمور إلى الأسوأ، فستكون هناك تداعيات أشد سوءاً على الاقتصاد العالمي المتداعي، وعرقلة لجهود تصفية الأزمات ومساعي إحلال الأمن والسلام في أكثر من بقعة متوترة.

  في أيام قليلة أطلقت واشنطن وحلفاؤها الغربيون سلسلة عقوبات على موسكو وبكين، وهاجم الرئيس الأمريكي جو بايدن بحدة نظيره الروسي فلاديمير بوتين. وعلى الفور تصاعدت لغة غير ودية في أكثر من عاصمة وبدأت ظاهرة استدعاء السفراء وبيانات الاحتجاج. ورغم التوقع بأن هذا التوتر الدبلوماسي جاء ضمن استحقاقات مرحلة لتصفية حسابات وبناء أخرى تمهيداً لإعادة تشكيل العلاقات الدولية على أسس وقناعات يراها أصحابها ضرورية ويعتبرها الآخرون متجاوزة، لكن الخطر يكمن في أن يتجاوز مسار العقوبات والمواقف الغربية الحادة واستدعاء السفراء حدود التحمل والصبر لدى الطرف المقابل ويمثله أساساً روسيا والصين.   فهذان البلدان ليسا ثانويين على الساحة الدولية، ولهما مصالح عظمى وأدوار وأدوات عمل وتأثير. وبعض التصريحات الصادرة منهما لا يمكن الاستخفاف بها، من ذلك تأكيد المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية أن بكين وموسكو بحاجة إلى تعزيز التعاون الاستراتيجي لمواجهة «الاضطهاد الغربي»، بينما أعلن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن الولايات المتحدة والدول الغربية نسيت كيفية استخدام الدبلوماسية الكلاسيكية وتستخدم أداة واحدة فقط في الساحة الدولية وهي العقوبات.

   ليس هناك ما يوحي بأن لغة الاستقطاب بين الشرق والغرب ستتراجع في المدى المنظور. وستبقى هناك ملفات مفتوحة على أكثر من احتمال، ويبدو أن الحماس الأوروبي لسياسة الإدارة الديمقراطية الجديدة في واشنطن سيعيد الكثير من أدبيات الصراع ويرفع الكثير من الشعارات المرفوعة منذ عقود، وهو ما يعني أن العالم سيكون على مواعيد من المواجهات الساخنة باعتماد سياسة حافة الهاوية. وقبل هذا التصعيد، كان الرئيس الصيني تشي جين بينج قد حذر من الانزلاق إلى حرب باردة جديدة، معرباً عن الاستعداد لخوضها إذا تم فرضها على بلاده. أما روسيا، ورغم تجربتها المرة في الحقبة السوفييتية، فلم يسقط هاجس ذلك الصراع من الوعي السياسي في موسكو، وظلت تعمل وتستعد لاحتمال اندلاع مواجهة لن تكون كسابقتها، وإنما بأدوات وقناعات وأهداف مختلفة تماماً.

  السلام العالمي لن يتحقق بافتعال المعارك، ودفاع الغرب عن مركزيته الحضارية ومبادئه لا يتحقق بممارسة سياسة العقوبات على دولتين عظميين مثل روسيا والصين، بل بالحوار والتعايش وتقاسم المصالح، لأن المجتمع الدولي، وبعد ما عاناه من آثار جائحة كورونا، ينتظر أن يولد عالم جديد قوامه التضامن والتآزر الإنساني لرفع التحديات القائمة والمستجدة. أما الخروج من الجائحة والوقوع في صراع بين قوى كبرى، فخيبة أمل لا مثيل لها وصدمة للحالمين بعالم خال من الأزمات.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"