ضمان انتقال عادل للطاقة

23:46 مساء
قراءة 4 دقائق

جون كيمب *

سيؤدي التخلص التدريجي من استهلاك الوقود الأحفوري لصالح مصادر الطاقة الخالية من الانبعاثات، إلى حدوث اضطراب اجتماعي واقتصادي كبير، وإلى ظهور عدد لا بأس به من الخاسرين والفائزين.

لقد بدأ صانعو السياسات في التركيز على الحاجة إلى انتقال عادل ومنصف لمعالجة بعض هذه الآثار، وتوسيع الدعم السياسي المطلوب لآلية إزالة الكربون الطموحة.

ومثل أي سياسة عامة تعمل على تحسين الرفاهية، يجب أن يكون من الممكن نظرياً للفائزين، تعويض الخاسرين من خلال الضرائب والإعانات ومدفوعات التحويل والبرامج الحكومية الأخرى، ولكن من الناحية العملية، نادراً ما تكون مساعدات الحكومة للتعامل مع تكاليف التحول الصناعي والتعديل، كافية، لتعويض خسائر الفئات الأكثر تضرراً.

لطالما أدت التغيرات الاقتصادية الهيكلية الناجمة عن التحول الصناعي وتغيرات التجارة الدولية إلى ظهور أعداد كبيرة من الخاسرين الذين كان من الصعب مساعدتهم، من خلال إعادة التدريب والسياسات الأخرى.

ومن المحتمل أن يكون لتحول الطاقة إلى انبعاثات صفرية، تأثير مماثل، وأن يكون تقديم المساعدة لأولئك الأفراد والمجتمعات الأكثر تضرراً، أصعب مما يتوقعه صناع السياسات.

إن أكبر مجموعة من الخاسرين المحتملين ستكون فئات المستهلكين من ذوي الدخل المنخفض في البلدان ذات الدخل المرتفع والمتوسط، عبر أمريكا الشمالية وأوروبا والشرق الأوسط وآسيا. وعلى الرغم من أنهم ينفقون على الوقود وعلى السلع والخدمات أقل من نظرائهم الأكثر ثراء، فإن ذلك الإنفاق يمثل حصة أعلى من دخلهم بعد الضرائب.

ستكون تلك الفئات هي الأكثر تضرراً من أي زيادة في تكاليف الطاقة نتيجة لتسعير الكربون، وتكاليف رأس المال الأولية الناشئة عن التحول إلى أنظمة التدفئة والنقل القائمة على الكهرباء منزوعة الكربون.

وبالنسبة للمجموعة الثانية من الخاسرين، وهي أقل بكثير، ستكون تلك الشركات والعاملون في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الحديد والصلب والكيماويات وتصنيع الأسمنت. وفي حال واجهت جميع هذه الشركات زيادة مماثلة في تكاليف الطاقة المرتبطة بالتحول، سيتم تحميل معظم هذه التكاليف للمستهلكين على شكل أسعار أعلى؛ لذلك ستكون هناك حاجة لخلق أسعار كربون دولية منسقة، وتعريفات موحدة عبر الحدود لخلق مجال متكافئ وتجنب خسارة الشركات والعمالة في البلدان الأخرى ذات أسعار الكربون المنخفضة أو المنعدمة.

وتتألف المجموعة الثالثة من الخاسرين من الشركات والعمال المشاركين مباشرة في إنتاج وتكرير وتوزيع الوقود الأحفوري، بداية من الفحم، وانتهاء بالنفط والغاز.

فمنتجو الوقود الأحفوري هم الأقل عدداً من بين المجموعات التي ستتأثر بتحول الطاقة، ولكنهم سيتحملون بالمقابل، المعاناة الأكبر. وسيتفاقم التأثير لأن هؤلاء المنتجين موجودون في مجتمعات ومناطق ودول معينة.

يتركز إنتاج الفحم المتراجع عالمياً، في المجتمعات التي تعد بالفعل الأفقر في بلدانهم. في الصين على سبيل المثال، يأتي ثلثا إجمالي إنتاج الفحم من خمس مقاطعات من أصل 31 مقاطعة وبلدية على مستوى المقاطعات في البلاد. فبينما يقترب دخل الأسرة من المتوسط الوطني في منطقة منغوليا الداخلية (101%)، أكبر منتج منفرد، فهو أقل بكثير من المتوسط في مقاطعة شنشي (80%)، في حين يبلغ الدخل في مقاطعتي شانشي وخنان (78%)، وجويتشو (65%). وعليه، تسلّط هذه الإحصائية الضوء على أربع مناطق منتجة للفحم تُعد من الأفقر في الصين، بحسب بيانات من المكتب الوطني للإحصاء، مما يدل على أن الاعتماد على الفحم جعلها تكافح من أجل التنمية.

في الولايات المتحدة، يبلغ نصيب الفرد من دخل إنتاج الفحم 78% في كنتاكي، وفي ويست فيرجينيا 75% فقط من المتوسط الوطني، مما يضعهما في المرتبة 47 و49 توالياً من بين 50 ولاية.

لن يحرم الانتقال المدروس للطاقة هذه المناطق من الدخل الحقيقي فحسب، فهي محرومة بالفعل، لكنه قد يؤدي إلى تفاقم مشاكلها بشكل كبير. ومن المحتمل حدوث مشاكل إقليمية مماثلة في البلدان الأخرى المنتجة للفحم.

وعلى عكس الفحم، تميل مناطق إنتاج النفط والغاز إلى الازدهار أكثر، ولكن في النهاية يمكن أن تتضرر بنفس القدر إذا انخفضت مستويات الاستهلاك أو بدأت في الانخفاض.

أدى التغيير الهيكلي وتراجع إنتاج الفحم وغيره من الصناعات الثقيلة إلى خلق تجمعات كبيرة من البطالة، ونقص العمالة، وانخفاض الدخل بين سكان تلك المناطق. وبشكل عام، ركزت السياسات الحكومية إما على نقل الأشخاص من المناطق المحرومة إلى مناطق ذات أسواق عمل أقوى، أو تشجيع الشركات الجديدة على الانتقال إلى المناطق المحرومة، لكن ثبت فعلياً أن نقل الأعمال والشركات أسهل من نقل الأشخاص، نظراً لعلاقات المجتمع المحلي القوية؛ لذلك ينتهي الأمر عادة بسياسة حكومية تعمل على إنشاء أعمال تجارية جديدة في المناطق المتدهورة.

وركزت بعض السياسات على إعادة تدريب العمال، بينما ركزت سياسات أخرى على تشجيع إنشاء أعمال تجارية جديدة، من خلال الإعفاءات الضريبية، والإعانات، وبرامج الاستثمار، والبنية التحتية، ومناطق التجارة الحرة.

في التسعينات، شجعت الصين شركات تعدين الفحم المملوكة للدولة على إنشاء أعمال تجارية جديدة غير الفحم لتوظيف العمال الذين لم تعد هناك حاجة إليهم، وهي استراتيجية للتجديد من خلال التنويع داخل الشركات القائمة. وفي إسبانيا وبريطانيا ودول أخرى، تم تشجيع عمال المناجم على التقاعد مبكراً للحصول على مزايا أكثر سخاء، مقابل تخفيف تأثير إغلاق المناجم، لكن ذلك فشل في خلق اقتصادات إقليمية قابلة للحياة على المدى الطويل. وتلقت الولايات المتحدة مساعدات لتعديل التجارة للعمال والمجتمعات المتضررة منذ الستينات، لكنها لم تُخفف الانتقادات السياسية والعامة بشأن فقدان وظائف التصنيع.

أثبتت السنوات الماضية أن صانعي السياسات محقون في التركيز على الحاجة إلى التخفيف من الاضطراب الاجتماعي والاقتصادي الناجم عن تحول الطاقة بالنسبة للمستهلكين والعاملين والشركات، دون التقليل من حجم التحدي.

*«رويترز»

عن الكاتب

محلل الأسواق في «رويترز»

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yhpkpwot