عادي

الفنون محور نهضة المجتمعات

00:35 صباحا
قراءة 4 دقائق
1

يمكن أن يتجاوز مفهوم رعاية الفنون والفنّانين حدود الدعم المادي، والمتمثّل إما في صورة اقتناء الأعمال الفنية أو الاستثمار في القطاع الفني ومقتنياته، وهذا ما يطرح أمامنا سؤالاً بديهياً: «لمَ ينبغي لنا الاهتمام بدعم الفنون؟ ما أهمية ذلك؟ وكيف تحقق رعاية الفنون مكتسبات متبادلة تعود بالنفع على المجتمع بأكمله؟.

يضطلع الفن بدور محوري في دعم مجتمعنا العالمي، إذ بإمكانه أن يساند المجتمعات في رسم ملامح هويتها، وتمكين أفرادها من التعبير عن تجاربهم الشخصية. وقد يتحقق ذلك سواءً من خلال موروثنا التراثي وتقاليدنا العريقة التي تناقلتها الأجيال وساهمت في صياغة سماتنا الشخصية، ووصولاً إلى استكشاف دروب جديدة لتشكيل أبعاد هويتنا–مثلاً من خلال تناغم الفن مع المشهد الفني المعاصر والثري في إمارة دبي الزاخرة بثقافاتها المتعددة، والذي نرى مظاهره منتشرة في مختلف شوارع المدينة ومشاريعها وصالاتها الفنية.

خلال العام الماضي كان علينا جميعاً التعايش مع جائحة كوفيد-19، وبات القطاع الثقافي والترفيهي أحد القطاعات القليلة التي شكّلت ملاذاً باعثاً على البهجة والتفاؤل والأمل، ووسيلة فعّالة للتخفيف من حدة تداعيات هذه الجائحة العالمية. وأصبحت الثقافة والإبداع، بدايةً من الأفلام والمسلسلات ومروراً بالتجارب الثقافية الإلكترونية كزيارة المعارض الفنية والمتاحف عبر الإنترنت وغيرها من المبادرات الإبداعية، داعماً أساسياً للارتقاء بمستويات رفاه المجتمع ومصدراً يحفزنا على التحلّي بالصبر والتمسك بالأمل. ومن بين أفضل الأمثلة في هذا السياق، المشروع الإبداعي الذي أطلقته هيئة دبي للثقافة والفنون في شهر ديسمبر الماضي، عندما كلّفت مجموعة من الفنانين المحليين للقيام بتزيين وتجميل ممرات وجدران مستشفى الجليلة التخصصي للأطفال، بهدف تعزيز الشعور بالطمأنينة في قلوب المرضى الصغار، وتمكينهم من التغلب على مشاعر الخوف والقلق.

ولا يخفى علينا أن دعم ورعاية الفنون ليس بالمفهوم الجديد، إذ كان اهتمام فئة داعمي الفنون بالفن والثقافة ركيزةً أساسيةً في تطوّر تاريخ هذه المهن منذ بداياتها الأولى. فلنعد بالزمن إلى الوراء ولننظر إلى التاريخ الفني في عصر النّهضة الإيطالية، والذي كان سيبدو مختلفاً اختلافاً كلياً لولا الأعمال الفنيّة التي كلفت بها عائلة ميديتشي الشهيرة عددًا من أساطير الفنون مثل دافنشي وميكل انجلو وساندرو بوتيتشيلي. وبالمثل، شهدت السلطنة الهندية المغولية في عهد السلطان شهاب الدين شاه جهان ازدهاراً كبيراً على المستويين الثقافي والفني، والذي شُيد في عصره صرح«تاج محل»، الأيقونة المعمارية التي تُعد حالياً من أبرز المعالم المعمارية في العالم.

ففي عصرنا الحالي، لا بد لنا جميعاً أن نتبنّى رؤية استباقية في الاهتمام بدعم الفنون والمشهد الثقافي المحلي. وبإمكاننا جميعاً دعم المؤسسات الفنيّة من خلال حضور المعارض الفنّية، أو مشاركة المحتوى الفني عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو التعريف بالفنانين وتمكينهم من التواصل مع الأطراف والجهات القادرة على دعمهم ومساندتهم في مسيراتهم.

وعلاوة على ذلك، يُعد كل من اقتناء الأعمال الإبداعيّة ورعاية الفعاليات والأحداث الفنيّة شكلاً آخر من أشكال الدعم، بل ويمكن اعتباره نوعاً من الاستثمارات التي تعود بالنفع على الطرفين، سواء الجهات الراعية أو الفنانين. ويكرّس المبدعون جهودهم في صياغة أعمالهم الفنية، وهم حريصون دائماً على تطوير مهاراتهم ومسيرتهم المهنية بينما يمضون قدماً، مدفوعين بشغفهم المتقد لإبداع أعمال استثنائية وتعزيز روح الجمال في جميع أنحاء العالم. لذا، يجب الاحتفاء بجهودهم وإبداعاتهم، ونحن بحاجة إلى دعمهم بشتى الطرق الممكنة، حتى تتسنّى لهم فرصة المساهمة في تحقيق التقارب بين المجتمعات وبناء الجسور بين الثقافات بجانب ترسيخ قيم التسامح، وتوسيع نطاق جهود الدبلوماسية الثقافية.

وانطلاقاً من هذه الرؤية الشاملة حول أهمية الفن لكل من الأفراد والشركات والمجتمع ككل، جاءت فكرة إطلاق مبادرة «مقتنيات دبي»، والتي تهدف في أساسها إلى توفير منصّة لجمع وإدارة المقتنيات الفنية في دبي. وتدعو هذه المبادرة كلاً من المؤسسات الخاصة والعامة، وكذلك الأفراد للمساهمة في إثراء مقتنياتها، سواء من خلال اقتناء أعمال فنيّة ووصولاً إلى ضم أعمال مُعارة إليها أو مشاركة قطع فنيّة من مجموعاتهم الخاصة مع «مقتنيات دبي» وعرضها أمام الجمهور.

وفي إطار هذه المبادرة، سيتحول جامعو التحف والقطع الفنيّة إلى جهات راعية وداعمة، حيث سيحتفظون بملكية أعمالهم الفنية المُعارة والتي ستُعرض محلياً ودولياً، كما سيساهمون في تحوّل إمارة دبي إلى متحف كبير وتوطيد العلاقة بين المجتمع والفن والفنانين. وتطمح هذه المبادرة إلى دفع عجلة النمو في القطاع الإبداعي بالإمارة، من خلال تحفيز قطاع الفنون وحثّ المواهب الإبداعيّة.

وتماشياً مع هذه المساعي، نواصل جهودنا المبذولة لبناء جيل جديد من الرعاة والداعمين، مع تمكين أفراد المجتمع من التعرّف إلى الفن ومختلف مكوّناته في جميع أنحاء المدينة. ونتطلع من خلال هذه المبادرة إلى تجاوز حدود المتاحف والمعارض الفنية والوصول إلى المدارس والمنتزهات ومراكز المعارض ومراكز التسوق من أجل إرساء أسس بيئة حضرية غنية بالفن تعلو فيها قيمة الفنون والإبداع. وفي الوقت ذاته، نسعى إلى رفع وعي الأفراد حول مفهوم الرعاية والدعم وكيف سينعكس ذلك عليهم وعلى مجتمعهم بالإيجاب.

ولكن، ما أهمية ذلك بالنسبة للأفراد ممن لا يمتلكون مجموعة من الأعمال الفنية لمشاركتها وإعارتها؟ في رأيي، الدعم قائم وتختلف أشكاله، فبإمكان الأفراد المساهمة بزيارة المعارض الفنيّة وصالات العرض المنتشرة في جميع أنحاء إمارة دبي.

ويتمثّل هدف مبادرة «مقتنيات دبي» في إلهام المجتمع، إذ لا يتوجب على المرء جمع الأعمال الفنية لدعم المشهد الفني والترويج له، فالأهم من ذلك هو تمكين الجمهور من الوصول إلى الفن والأعمال الفنيّة، ولكن بطريقة مختلفة عن بيئة المعارض التقليدية، بمعنى دمج هذا المفهوم في السّياق اليومي، كي يتمكن أفراد المجتمع من معرفة المزيد واكتساب إلمام ورؤية وفهم أفضل حول ماهية الفن. وإذا صحّ التعبير، نحن نؤسّس جيل المستقبل من النقاد، وأي مشهد فني مزدهر يعتمد على المشاركة النقدية والحوار البنّاء.

وبغضّ النظر عن نظرتنا تجاه الفن، فلا بد أن ندرك أهميته كمكوّن أساسي ضمن مسيرتنا الحياتية، سواء من خلال قدرته على إحداث تأثير إيجابي في التغير المجتمعي أو إلقاء الضوء على أوجه الاختلاف والتشابه بين الأفراد والشعوب أو دعمنا في رسم ملامح تاريخنا. ولهذا السبب الدقيق، يمكننا جميعاً، بل ويجب، أن نكون رعاة وداعمين للفن.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yz2trfe3