التغيير على أبواب لبنان

00:27 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمود حسونة

ما بين زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون الأولى إلى لبنان في أغسطس/آب الماضي عقب انفجار مرفأ بيروت، وزيارته الثانية في سبتمبر وإعلانه عن مبادرة إنقاذية، وما بين زيارة وزير خارجيته لودريان إليها الأسبوع الماضي، أشهر معدودة نجح خلالها القابضان على الدولة ومفاصل القرار في تغيير صورتها أمام العالم بشكل جذري. كان العالم ينظر إلى لبنان بكثير من الأمل على الرغم من أنه غارق منذ سنوات في مشاكل وأزمات، وأصبح ينظر إليه بلا أمل بعد أن جاوز الظالمون من ساسته المدى، وأصبحوا «صم بكم عمي لا يفقهون ولا يستوعبون ولا يحاولون». 

زيارتا ماكرون وزيارات وتصريحات غيره من رؤساء ووزراء خارجية دول عربية وأجنبية، ومسؤولين كبار في المنظمات والتكتلات الدولية، استخدمت خلالها كل أساليب الدبلوماسية العالمية، من وعود بالمساعدات وإغراء بالدعم والمساندة، وتحذير من انهيار الدولة، وتهديد بعقوبات وتنفيذ التهديد، وكل ذلك لم يحرك ساكناً لدى أطراف لم يهتز لها جفن من أوجاع مواطنيها وانتحار دولتها؛ بل إن أصحابها صموا آذانهم أمام صرخات المتألمين والجوعى على الرغم من اختراق هذه الأصوات الحدود وعبورها البحار لتكون مسموعة في مختلف أطراف العالم. 

بعد الانفجار، مد العالم يده إلى السياسيين اللبنانيين لانتشالهم من الغرق في مستنقع الطائفية، وإنقاذ الدولة وتحفيزهم للتعاون سوياً، والإسراع في تشكيل حكومة خبراء لديها رؤية لمنع الانهيار، وكان ردهم وعوداً بلا تنفيذ، ومرت أشهر وأشهر والسفينة تغرق والربان في غفلة والطبقة السياسية لا هَمّ لها سوى التناحر. 

نفد صبر العالم، وأخيراً، اكتشف أن الطبقة الحاكمة والمتحكمة التي لا يهمها إنقاذ لبنان ولا تشغلها مصالح مواطنيه، وألا حل سوى التفكير خارج الصندوق، والبحث عن لبنانيين يعون قيمة الوطن ويدركون أن صلاحه وبقاءه أصبح مرهوناً بالتغيير، ووجدوا ضالتهم لدى القوى المدنية التي ضاقت ذرعاً بألاعيب المتحكمين في مفاصل الدولة منذ الحرب الأهلية التي انطفأت عسكرياً عام 1990 وظلت مشتعلة سياسياً حتى اليوم، وستظل مشتعلة غداً وبعد غد طالما استمر الوضع الحالي قائماً؛ هذه القوى التي قادت وشاركت ودعمت تظاهرات 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019 التي توحد خلالها الشعب اللبناني وتخلى عن زعماء الطوائف، رافعاً شعاره الذي سيظل خالداً حتى يتحقق «كلن يعني كلن». 

لا حل في لبنان ولا صلاح لأحواله وإنقاذ أبنائه سوى بالتغيير الذي طالبت به انتفاضة 17 تشرين، وبدأ يتبناه المجتمع الدولي حيث التقى لودريان الأسبوع الماضي في قصر الصنوبر، مجموعة من قوى المجتمع المدني واستمع إليها ومنحها الاهتمام الذي لم يمنحه للقوى السياسية التقليدية التي تجنب لقاءها واكتفى بلقاءات بروتوكولية مع رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب، والرئيس المكلف بتشكيل حكومة يبدو أنها لن تتشكل، وهو اللقاء الذي غيرت من خلاله فرنسا نهجها، وفيه تتخلى عن لبنان التقليدي الممزق وتتبنى لبنان الأمل والمستقبل وحلم الأجيال القادمة. 

الغريب أن السياسيين اللبنانيين يحددون ملامح علاقاتهم مع الآخر حسب تبنّيه لمواقفهم وسياساتهم، ولذا أثاروا جدلاً حول كل مسؤول عربي أو أجنبي زار لبنان، دافع عنه من التقاهم واستمع إليهم، وهاجمه من تجاهلهم، فالمهم عند من يجلسون على أنفاس الشعب ويتحكمون في أقداره، هو مدى تبني هذا الزائر أو ذاك لوجهات نظرهم، ومدى انحيازه لهم بصرف النظر عن موقفه من الدولة الغارقة، ومدى صدق نواياه تجاهها. 

وبدلاً من أن يتوحد السياسيون اللبنانيون ويتجاوزا أطماعهم وأحقادهم التاريخية لصالح دولتهم، يسلمونها بأنفسهم للآخر ليغيّر فيها ويبدّل في ساستها كيفما يشاء، ولعله ليس غريباً على من رهنوا دولتهم وارتهنت إرادتهم لقوى خارجية تحكمت فيهم واتخذت لهم القرار ولم يكونوا سوى أدوات تنفيذية، سواء في زمن السلم أو زمن الحرب.

لن ننسى أن الخارج هو الذي عبث بدولنا العربية خلال العقد الأخير، وهو الذي أشعل ما أسموه «الربيع العربي» والذي لم يكن سوى «خريف دامٍ»، ولكنها إرادة ساسة لبنان الذين لا يريدون لوطنهم إلا أن يعبث فيه الخارج كيفما يشاء، وهو ما نتمنى أن تنتبه له القوى المدنية المأمول دعمها انتخابياً من القوى الخارجية لتغيير المعادلة اللبنانية، ونأمل أن يتحقق الهدف ويتغير لبنان ويتحرر من القوى العابثة بأمنه وأمانه واستقراره.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"